Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


كفاح في هجير الصعاب

لاادري هل تخرج الفرحة من أعماق نفسي كما عهدتها في سابق زماني عندما كنت صبية يافعة,,؟ أم تندثر خلف اسوار العناء والصعاب وتصبح هزيلة متعبة انهكها هجير الايام ومرارة الاحداث!! هاه,, بكم اقدر هذه السعادة كيف اعانقها؟ وكيف اقبل محيا طموحي وغالي حياتي ومبسم ثغري,,! كيف اقبل هذه الاماني العريقة ورحل عن حياتي الاحباء ومن كان يناديني باسم الفتاة النجيبة النابغة؟ أين هو,,؟ أين محياه ,,! بل أين اشراقته وأين نور بدره,,؟ بل أين الحبيبة الغالية,, ذات اللمسة الحانية والكلمة الدافئة والنظرة الرؤوم الشافية,,؟ أين اشعة دفئها,,؟ هل توارت خلف السحاب! أم واراها التراب,,؟؟
لقد عشت الفرحة ,, فرحة الحصول على درجة الدكتوراه بعيدا عن اهلي بعيدا عن منبع الحنان والاحتواء.
الوالدان بالنسبة لكل انسان مصدر الجود والعطاء المكان الذي يبدد اشعة الحب الصادق الخالي من الغدر واللباقة الحب الاصيل الفطري الذي به تشبع حاجات النفس وتمتلىء وتصبح بعدها قادرة على العطاء دون حدود, ان الوالدين هما التاريخ الذي نتصفحه لنحتذي حذوهما نقرأ فيه العراقة والاصالة ,, نرى فيه العز والاباء والاصرار والعزيمة يكفي عناؤهما ونحن في الصغر,, وبمجرد خروجهما من الدنيا تذبل زهور الحياة وتصبح كئيبة,, صحيح لن يتعطل العمل ولن يختل المسير وكل شيء مقدّر ومكتوب,, ولكن,,!! رحل عن الحياة مكان الاحتواء ومكمن السعادة وسبيل السرور,, وبعد ذهاب والديّ عليهما رحمة الله ومغفرته عشت انا اسماء واخوتي تقسو الحياة حينا وتنفرج حينا اخر,, لن اقول انطفأ منها الخير والامل,, فالخير موجود حيثما وجد المحبون، والامل في رب العالمين هو الدافع لنا في هذه الحياة,, اصررت على إكمال الدراسة وخوض صعابها رغم مرارة العيش ولا اقولها تجزعا وشكاية ,, ولكنها حديث نفس وفيض خاطر, اكملت تعليمي العالي بعد التخرج من البكالوريوس أقدمت على ذلك برغبة مني وطموح دفعني لخوض هذا الخضم الذي لا يعرف منتهاه سوى الله,, وكما تعلمون - أنا غير متزوجة - وذلك لعلمي بطبيعة الدراسة,, فأقدمت على هذا المشوار المجهول ,, انه مشوار صعب وطويل اخذ مني كل شيء الوقت - الجهد - العمر - التفكير وكل شيء,, كم كنت اتذكر عندما كنت زهرة متفتحة في المرحلة الجامعية,, كأنني وردة احكي السعادة والفرح او ان شئت قل,, الحب الذي يسقي الآخرين أتحدث عن السعادة في عمر الزهور,, بل عن الامل في عصر اليأس والذبول,, انني وباختصار اعبر عن كل معاني الشبيبة والغلاب,, هكذا سارت اسماء في حياتها ثقة بالنفس وتفوق دراسي وصورة معبرة عن الانثى ولكن - وفاة اهلي - غيرت من حالي كثيرا ويزيد ذلك دخولي معترك الدراسات العليا التي عزلتني عن الحياة الاجتماعية كثيرا فعشت عيشة يشوبها الكدر والحزن على ما فات والترقب لما هو آت,, اصبحت كالطفلة الرقيقة التي لا تحتمل ولو لمسة واحدة على جسدها لاني سأتعرض بعدها للانهيار,, المهم حصلت على درجة الماجستير ,, وقد تحقق جزءا من املي,, وتقدم لي كثير من الخاطبين فأحببت ان أقدم على الدكتوراه لأستطيع على ماهيتها,, وخضت بالفعل سنوات في هذه الرسالة,, رحلة قد بنيتها بكل شيء بالعمر والنفس والصحة والوقت,, لقد اخذت مني الدراسة اكثر مما اعطتني هي,, ولكن بالرغم من المعاناة الا انني اصررت على اكمالها,, فمزجت مرارة الايام وجوفها بحلاوة الصبر وجماله حاولت ان ابعثر اليأس بطيب الامل,, وحزن الفؤاد بنبل الفعل,, حاولت ان ازرع الرضا بالقضاء والقدر في مكان جدبٍ حلت به اشجان وخطوب تعمقت في داخلي فضيلة الايمان وان الحياة لا تنتهي بمجرد موت انسانٍ غالٍ,, فهذا عليه الصلاة والسلام مات ولكن الله حي لايموت والدين باق الى قيام الساعة لم يتوقف بموته عليه الصلاة والسلام بل رزق الله الامة المحمدية بالدعاة والمفكرين والعلماء الذين يصلحون ما افسده الطغاة وينشرون نور الله في انحاء المعمورة هكذا علمت نفسي وهكذا علمتني الحياة,, المهم انني اكملت المشوار التعليمي وحصلت على درجة الدكتوراه وكم هي الفرحة المثلى فرحة ممزوجة بالبكاء والحزن فرحة التخرج ولكن لم يحضرها والداي رحمهما الله ,, كم هلت علي الذكريات ,, وكم قذفت في قلبي من الحزن والهموم,, كم اشتقت لناظريهما والمعانقة الحارة من قبلهما,,؟ كم تلهفت لسماع مبارك يا اسماء ما حصلت عليه,!! فبالله ماذا افعل تجاه هذا الخضم الهائل من الذكريات,,!! عانقت هذه الفرحة بأجواء حزينة اعادت من الماضي ما كسر عودي واذبل محياي ,, ارتشف ناظري بوابل الدمع المنهمر الذي يأبى توقفا ,, ولكن ارجع واقول ,, لله ما أخذ ولله ما اعطى وكل شيء عنده بقدر مسمى.
رحمكما الله ونوّر لكما في القبر,, وهذا الجهد الطويل والدرجة التي حصلت عليها اهديهما لكما وقد واراكما التراب وانهش جسديكما الطاهرين الدود,, اهديهما بكل معاني الحب والرضا بما قسم الله,, اهديهما والقلب الحزين يبث آهاته والعين الدامعة الى الله ترجو لكما الرحمة والمغفرة والذي ارجوه من الله ان يجعلهما في ميزان حسناتي وان اجده مسطورا في كتابي ويجمعني بكما في جناته ويجعل حظي الاكبر يوم الفوز بذلك واللقاء بكما,, في مستقر رحمته,, كم تمنيني نفسي بالشوق اليكما واللمسة الحانية التي عهدتها من قبلكما ,, بل كدت اهوي على الارض من الذكرى لما ضيكما وقطف ثمار الحب والحنان من فؤاديكما,,!! كم سقطت من دمعة حرّى على محياي حينما حصلت على هذه الدرجة دون حضوركما,,!! وكم عزف الحزن الحانه وساقه الى مسامعي,, ولكن,, اسأل الله ان يجعل هذه الاشواق والاماني يوم الجمع الاكبر,, يوم نتسلّم صحائفنا باليمين وينادي مناد ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون يوم يقال سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .
ذكرى
كلية التربية

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved