Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


قاتل أبيه

,,,, اعتدت كل سنة ان اقصد تلك الجبال التي تضم بحنان قريتي الصغيرة, فارتمي الى احضانها بشوق جارف يعادل شوق الرضيع لاحضان امه الدافئة, اقصد ذلك المكان لاريح انفاسي المتقطعة وجسدي المنهك من اللهاث خلف اضواء المدينة وعجيجها كما تلهث القطيع البلهاء وراء اعواد الكلأ,,, وما ان احط رحالي حتى انطلق كالعصفور الذي رق عليه قلب سجانه فوهبه حريته فتقودني قدماي الى ازقتها الضيقة التي طالما عشقنا ونحن صغار انحدارها، وتسبقني اذناي الى سماع هدير مائها المترقرق الذي يخترق بساتينها الغناء التي مازالت محافظة على شبابها، واروي عروقي المتعطشة لنسمة من نسماتها الشافية واغسل همومي المتراكمة بألحان طيورها الساحرة، وبت اظن انها تتراقص طربا لقدومي,, وبينما كنت اجول ببصري هنا وهناك اذا بصوت قوي يمزق جمال اللحظة فلم يبق في الجو نائمة تُسمع سوى صدى الدوي الذي سمعته,, اقتربت من مصدر الصوت فوقعت عيناي على صبي لم يتخط عالم الطفولة بعد, له عينان غارقتان في بحر من الدموع ووجه أبت الاحزان ان ترحل عنه دون ان تطبع عليه ملامحها ويدان صغيرتان تحملان بجهد كبير بندقية صيد يحاول ان يصطاد ولو عصفورا واحدا من تلك التي تتراقص امامه على الاشجار وينجح في ذلك ثم يمسح دموعه المتساقطة ويعيد الكرة تلو الاخرى,, حارني امر الصبي, طفل في عمره ويحمل بندقية صيد دون رقابة احد؟ ولماذا يجهش في البكاء؟ هل يبكي حزنا على ما يفعله؟ ان كان هذا صحيحا فلم لايكف عن صيده؟ أي موجة حزن اخرجتك من اطار الطفولة؟,, وبينما كنت احاول ان انفذ من سيل الاسئلة التي تساقطت عليّ كزخات المطر اذا بدوي البندقية يتوقف وابصرت الصبي يحمل صيده ويتجه نحو بستان صغير وانا مازلت اتلصص عليه فوجدته قابعا على قبر يبكي تارة وكأن تراب القبر مازال طريا، ويتكلم عن صيده ويستعرضه تارة اخرى,, خيل اليَّ انه يخاطب شخصا معه ولكن لم تلمح عيناي سواه والقبر.
وما لبث ان انطلق بلا هوادة وانا خلفه محاولا مجاراته في الركض حتى وصل الى البحيرة وجعلها تبتلع ما اصطاد,, فاحتوتني الدهشة وتعجبت من حال هذا الصغير,, - ما الفائدة من صيده إذن؟,.
ثم وقف يراقب الشمس وهي تلملم خيوطها المبعثرة تأهبا للرحيل فطمر وجهه بين راحتيه واطلق العنان لآهاته الحبيسة واغرقها في فيض من الدموع وكأن الكون امامه تدثر بالسواد, فأحسست حينها ان مارد الحزن يختال امامي، وما ان شعر بوجودي حتى انتفض مسرعا وانحدر في الطريق النازلة صوب البساتين تاركني خلفه ألوك المرارة وتحاصرني الف علامة استفهام وتعجب، ولكن استطعت ان اربط في خاطري حادثة سمعتها مرارا من اهالي القرية من ان طفل صغير خرج في رحلة صيد مع والده وبتشجيع من الاب وشغف الطفولة حمل الصغير البندقية ليصطاد فأخذت تترنح به يمينا وشمالا لتنطلق منها رصاصة تستقر في قلب الاب فيسقط صريعا على يد ولده الذي هزّت الحادثة عالمه الصغير فانطوى على نفسه واضحى اسير ذكرى أليمة لم تسعفه الايام في نسيانها وما ان يلمحه الصبية حتى يركضوا خلفه ويصرخوا بصوت واحد:
- قاتل أبيه - قاتل أبيه.
وظلت أساءل نفسي كل مرة وأنا ألمح الصبي ذا الوجه الحزين في البساتين ليصطاد:
- أتراه هو نفسه ذلك الصغير الذي اصبح ضحية خطأ لم يكن سيرتكبه لولا اهمال الأب؟؟
حنين خالد العسيري
بيشة

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved