Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


بين اطلالين

فاق من قيلولته يتثاءب ويغمره الكسل والخمول من كثرة النوم الاجباري في مثل هذا الوقت وهذه الايام لكونها من ايام (الجحيم) وقد راق له ان يمضي هذا المساء بعيدا عن القرية ولتكن الى احدى المناطق البرية - وبينما ينظر لساعة الحائط, إذ هي تشير الى الساعة الثالثة عصرا,, نهض كي يتهيأ للذهاب, ظل واقفا قليلا وقد تذكر اياما خوالي مضت,, هي من احلى سنوات العمر, (ايام الصبا) ابان لهوه مع اقرانه, في محيط القرية الصغيرة, وتذكر حالة الهلع المصاحبة حين الابتعاد عن محيط (لهوه) وعند الامعان لذاك (الشبح) البعيد قليلا وهو (كالحلم) وانه يرقب القرية بأسرها, مضى راكبا سيارته تاركا القرية خلفه قابعا خلف المقود, وقد سلك جادته الوعرة والمملة, ودون سابق انتباه يجد نفسه امام حلمه القديم ذلك (الشبح) وقف قليلا وقد عادت به الذاكرة الى ايام قد مضت ولم تعد (ايام الخلاوية) وهم يخرجون من القرية راجلة وعلى الدواب (الحمير) الرجال والنساء والصبيان، للاحتطاب او جلب العشب,
,, تنهد بحسرة وقد ترجل من سيارته,, واخذ يلتفت يمينا ويسارا متأملا هنا وهناك لاشيء قط,, رقصات السراب الخادعة تلفه من كل جانب,, وها هي اطلال القرية قد لا تبدو واضحة,, ويبدو ان حمائم اشواقه وشجونه سرعان ما حامت فوق حماه,,همس قائلا: يا الهي بين اطلالين, اطلال القدود, واطلال الخدود, تناسى كل شيء,, وليس الا امام تلك الاطلال الصحراوية, تلك الاطلال الراقدة الى الابد,, والرامية بأطراف كثبانها و(دعوصها) النقية كنقاء الخدود, على مقربة من القرية انها احد كنوز الطبيعة الضخمة والغامضة, هم للسيارة وقد استدنى جهازا صغيرا منها (دليل الاتجاهات) دائمة من اجل العودة,.
ويركب سيارته شاقا طريقه صوب هدفه ليدخل في متاهة يخالطها شيء من الاثارة وكأنه في زحافة جليدية او في ارجوحة سائرة وليس في سيارة يعلو تارة ويهبط تارة اخرى,, فوق سطح هذه البيداء الصامتة,, يداعب كثبانها الخرساء والمتموجة كالامواج ولكنها جامدة,.
وقد لا يعرف بأنها اشد غدرا من الامواج الحقيقية,, بينما هو يرقبها ويلحظ الكثبان الرملية وهي تحتضن أشجار (الغضى، والارطى) وتلقها كأجمل رداء يلتف به (القد لناهد او معصر) وحين تراوغ عنه وتمرق كومض البصر ليخال حاله في كر وفر مع مخلوقات حية في هذه البيئة الفطرية الساحرة,, وبعد عناء من المسير وبينما يصعد قمة احد الكثبان الضخمة ليجد نفسه مطلا ومشرفا على ذلك (المقيال) في هذا الفج الرملي الفسيح, خفف المسير وتوقف بالحال ويبدو انه اكثر سعادة منبهرا في جمال المنظر امامه وهو يرقبه من سيارته وقد غربت الشمس للتو ويلحظ الخيمة السوداء المستطيلة (بيت الشعر) وامامها اعصار من الدخان المنحني مع تيارات الريح في طبقات الجو,, ضحك هامسا لشخصه,, يبدو ان هناك عربا, وتلك هي نارهم وها هي ابلهم كانت منتشرة وقد عادت الان ملتمة حول (المراح) بالقرب من الخيمة,, سأذهب اليهم,.
فقرر الذهاب اليهم,, ولدى وصوله فقد عرفهم,, صاحب الابل صديق له وكثيرا ما يدعوه للاتيان اليه ومع صديقه اخرون يعرفهم, تعالت القهقهات مع العناق, وقد انهكه التعب والجوع,, قائلا: لصديقه صاحب الابل اين الحليب, اين المصلي,, اين الجمري, فكلهم ردد (ابشر - ابشر بالخير),.
رد هو مازحا ومعلقا بهدوء, (او نعم, او نعم,, من مثلكم انتم (كبابين السمن بالقاع) يقصد من شدة الكرم,.
وقد زادوا في اشعال النار والجميع ملتفون حولها, فلا ضوضاء ولا بهرجة مدن, قط نغم متقطع يطرب الاذان انه رغاء الابل وحنين (الحيران) ففي البيداء طاب السمر على ضوء الفانوس وعلى ضوء القمر والاستمتاع بشرب حليب الابل وتذوق خبز الصحراء (المصلي, والجمر) الجمري.
جزاع موسى التركي
دومة الجندل

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved