الحمد له والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
كثر في الاونة الأخيرة المفتون - من الذين لم تتوفر فيهم شروط الفتوى المعتبرة المعلومة المعروفة, عند العلماء - والسلف الصالح من الصحابة والتابعين كانوا أورع الناس عن الفتوى ما استطاعوا وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: تريدون ان تجعلونا جسرا على جهنم تعبرون عليه, وقال عبد الرحمن أبي ليلى - وهو من كبار التابعين - أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم من المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
وقال البراء: لقد رأيت ثلاثمائة من اصحاب بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب ان يكفيه صاحبه الفتيا.
وتميز هؤلاء الذين لم تتوفر فيهم صفات المفتي وشروط الفتوى بعدة أمور فاقوا فيها من سبقهم:
الاولى: يفتون في كل شيء، ويجيبون على كل سؤال، وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون، وعن ابن عباس نحوه.
الثانية: أنهم لايتعاظمون أي فتوى ترد عليهم، بل الفتاوى عندهم على مستوى واحد, وهذا خلاف هدي السلف كما قال أبوحصين الأسدى: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
الثالثة: أنهم متسرعون في فتاويهم يفتون بظاهر نص أو بعارض رأي والتثبت في الفتوى من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث أخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن ابيه أنه أتى النبي صلى الله وسلم فقال: يا رسول الله أي البلدان شر؟ قال، فقال: لا أدري، فلما أتاه جبريل عليه السلام قال: ياجبريل، اي البلدان شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل ربي عز وجل، فانطلق جبريل عليه السلام ثم مكث ماشاء الله ان يمكث، ثم جاء فقال: يامحمد، إنك سألتني، اي البلدان شرو فقلت لا أدري، فإني سألت ربي عز وجل، اي البلدان شر، فقال: أسواقها، وسئل القاسم بن محمد بن ابي بكر عن شيء فقال: لا أحسنه، فقال السائل: إني جئت إليك لا اعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه، يا ابن اخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي به, وقال الهيثم بن جميل: شهدت مالكا سئل عن ثمان واربعين مسألة فقال: في اثنين وثلاثين منها، لا ادري, وسئل الشعبي عن شيء فقال: لا ادري، فقيل ألا تستحي من قولك لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت لا علم لنا إلا ما علمتنا , وقال الأثرم: سمعت الإمام أحمد يستفتى فيكثر ان يقول: لا أدري، وذلك فيما عرفت فيه الاقاويل.
والذي تستوى عنده المسائل، ويجيب في كل شيء يسأل عنه، فإن هذا هو المتساهل في الفتوى قال في صفة الفتوى ص31: (يحرم التساهل في الفتوى واستفتاء من عرف بذلك، إما لتسرعه قبل تمام النظر والفكر أو لظنه أن الإسراع سراعة وتركه عجز ا ه، والتساهل في الفتوى والتسرع فيها ليس من سمت العلماء الكبار، ولا من أخلاقهم، بل هذا يأتي ممن قل علمه واراد ان يجعل نفسه مع العلماء، قال سفيان بن عيينة: أجسر الناس على الفتيا افقههم علما اسأل الله الهداية لي ولجميع المسلمين، والله الوفق.
* المدير العام لفرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة حائل