Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


من وحي المنبر
كتمان الغضب
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله العزيز الغفار، احمده سبحانه من اله عظيم رحمته تسبق غضبه، واخذه اخذ عزيز مقتدر واشكره على ما من به من الفضل والاحسان لمن تاب واناب، وعفا وسامح، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في محكم كتابه ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عز الامور واشهد ان محمداً عبده ورسوله افضل من جاهد وصبر، وعبد وشكر، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله واصحابه وجميع اتباعه والمتمسكين بهديه الراضين بالقضاء والصابرين في البأساء والضراء، والناطقين بكلمة الحق في الغضب والرضا.
اما بعد:
ايها الناس,, اتقوا الله تعالى، واحذروا مخالفة امر الله وامر رسوله واعلموا ان للغضب اضرارا تنجم عنه وله اسباب تطفئه، فكتمانه وحبسه في النفس وعدم اظهاره فضل كثير وخير عميم دل عليه القرآن والسنة، ومدافعة الغضب اكبر مصارعة تحصل للانسان.
فأعلى فوز للانسان ان يملك نفسه عند الغضب، قال صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة وانما الشديد من يملك نفسه عند الغضب وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تعدون الصرعة فيكم، قلنا الذي لا تصرعه الرجال، قال ليس ذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب واسمع ما جاء في فضل من كتم الغيظ القادر على تنفيذه لانه بذلك صابر محتسب اجره عند الله قال صلى الله عليه وسلم: من كظم غيضا وهو يستطيع ان ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره اي الحور شاء وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من جرعة احب الى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظم عبد الله الا ملأ الله جوفه ايماناً .
ايها المسلمون,, ان هذا الفضل الكثير بكتمان الغضب قد تلقته الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم محبة وتأسيا جاء رجل الى سلمان رضي الله عنه فقال: يا ابا عبدالله: اوصني، قال لا تغضب قال: امرتني الا اغضب وانه ليغشاني ما لا املك، قال: قال فان غضبت فاملك لسانك ويدك, قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وملك لسانه ويده هو الذي اشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمره لمن غضب ان يجلس ويضطجع وبأمره له ان يسكت، وقال تعالى في صفة المتقين الذين اعدت لهم الجنة قال: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين وقال في صفة المتوكلين عليه واذا ما غضبوا هم يغفرون فالواجب على المسلم ان تكون شهوته مقصورة على طلب ما اباحه الله وربما تناولها بنية صالحة فأثيب عليها، اوان يكون غضبه دفعا للاذى في الدين او لغيره، وانتقاما فيمن عصى الله ورسوله كما قال تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بايديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين, ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم فالذي ينبغي للمسلم ان يتباطأ غضبه فلا يغضب من اجل الانتقام لنفسه والانتصار لها بل يستعمل الرفق والحلم فان الامر مادام في جوف الانسان لم يندم عليه، فالذي ينبغي ان يكون له غضب المسلم هو ما اذا انتهكت محارم الله او سب دينه او خدش عرضه وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي لنا فيه الاسوة الحسنة فانه صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه ولكن اذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادما ولا امرأة، الا ان يجاهد في سبيل الله - وخدمه انس عشر سنين فما قال له اف قط ولا قال له لشيء فعله لم فعلت كذا، ولشبء لم يفعله الا فعلت كذا- وفي رواية انه كان اذا لامه بعض اهله قال صلى الله عليه وسلم دعوه فلو قضي شيء كان وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن يعني كان يتأدب بآدابه، ويتخلق باخلاقه فما مدحه القرآن كان فيه رضاه وماذمه القرآن كان فيه سخطه فكان صلى الله عليه وسلم اذا رأى او سمع ما يكرهه الله غضب لذلك وقال فيه ولم يسكت وقد دخل بيت عائشة رضي الله عنها فرأى سترا فيه تصاوير فتلون وجهه وهتكه وقال ان من اشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون الصور ولما شكي اليه الامام يطيل الصلاة بالناس حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه غضب واشتد غضبه ووعظ الناس وامر بالتخفيف، ولما رأى النخامة في قبلة المسجد تغيظ وحكها وقال: ان احدكم اذا كان في الصلاة فان الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم اسألك كلمة الحق في الغضب والرضا, وهذا عزيز جدا وهو ان الانسان لا يقول سوى الحق سواء غضب او رضي فان اكثر الناس اذا غضب لا يتوقف فيما يقول، وجاء في الحديث ثلاثة من اخلاق الايمان من اذا غضب لم يدخله غضبه في باطل ومن اذا رضي لم يخرجه رضاه من حق ومن اذا قدر لم يتعاط ماليس له , وحتى اذا رأى ما يسخط الله واغضبه ذلك فلا يتعاط ما يخرجه عن طوره وحده وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجلين ممن كان قبلنا كان احدهما عابدا وكان الآخر مسرفا على نفسه وكان العابد يعظه فلا ينتهي, فرآه يوما على ذنب استعظمه فقال والله لا يغفر الله لك, فغفر الله للمذنب واحبط عمل العابد، قال ابو هريرة يحذر الناس ان يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب فهذا غضب لله ثم تكلم في حال غضبه لنفسه ومتابعة هواه بما لا يجوز وحكم على الله بمالا لا يعلم فاحبط الله عمله.
فكيف فيمن تكلم في غضبه لنفسه ومتابعة هواه بما لا يجوز, ولربما اذا غضب الانسان دعا على نفسه واهله وماله وهذا مما لا يجوز ايضاً.
فقد روى جابر رضي الله عنه قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ورجل من الانصار على نافح له فتلون عليه بعض التلون فقال له سر يلعنك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل عنه فلا يصحبنا ملعون لا تدعوا على انفسكم ولا على اولادكم ولا تدعوا على اموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم .
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين , نسأل الله ان يجنبنا الغضب.
* عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved