Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


الشيخ السدلان في كتاب عن دورها والعمل بها
القرائن أصل شرعي عظيم جاء الدليل بإثباتها وتقريرها
استعاد الملك عبد العزيز الراية المفقودة فتفجرت الخيرات على يديه

*إعداد: سلمان العُمري
تعد القرائن الموضوعية والعلمية والفنية التي يعرفها أهل العلم وأهل الخبرة، أصلاً من أصول الشرع التي جاء الدليل باثباتها وتقريرها، إذ يجعلها القاضي علامة ودليلاً على الحق ومرشداً إليه، بما لها من قوة إثبات ترد الشهادة الباطلة، أو تبطل الدعوى الكيدية استظهارا لوجه الحق ودحضا لما ثبت بالبينة على خلاف الحقيقة.
قال ذلك فضيلة الدكتور صالح بن غانم السدلان أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - قسم الفقه - موضحا أن القرينة قد تمنع سماع الدعوى، كادعاء فقير معسر إقراض غني موسر، وأنه قد ترد البينة أو الإقرار حال وجود التهمة، مثل قرابة الشاهد للمشهود له، أو كون الإقرار في مرض الموت، وقد تستخدم القرينة دليلاً مرجحا أثناء تعارض البيانات مثل وضع اليد.
وأشار فضيلته في مقدمته لكتاب من تأليفه - حول هذا الموضوع حمل عنوان القرائن ودورها في الاثبات في الشريعة الإسلامية - إلى أن القرينة قد تعد دليلاً وحيداً مستقلاً إذا لم يوجد دليل سواها، مثل رد دعوى الزوجة القاطنة مع زوجها بعدم الانفاق عليها.
كما أكد أن القاضي - وهو أهم سلطة في الدولة وأسماها - لا يتهيأ له أن يتوصل إلى الحقيقة من بين ما يقدم إليه من إدعاءات، ولا يستطيع أن يميز بين الحق والباطل من بين ما يعرض عليه من قضايا إلا بواسطة وسائل الإثبات من حجج وبينات، وبقرائن الأحوال يستخرج الحق من الباطل ويميز بين الصحيح والمزيف، ويصدر تبعا لذلك حكما عادلا يحفظ للقضاء هيبته ويحقق به مهمته، التي هي: نشر ألوية العدالة في المجتمع.
وقد جاء الكتاب الذي قام بتأليفه فضيلة الشيخ السدلان في 80 صفحة من القطع المتوسط الفاخر، على شكل بحث ناقش خلال صفحاته أهمية القرائن في تحقيق العدالة وصيانة المجتمع عن طريق إيصال الحقوق لأربابها وإيقاع العقوبات على مستحقيها.
حكمة مشروعية القضاء بالقرائن
وقد بدأ الشيخ السدلان فصول كتابه ببيان حكمة مشروعية القضاء بالقرائن حيث أوضح فضيلته أن مقصود الشارع الحكيم من طرق الإثبات كافة - الإقرار والشهادة واليمين والنكول والقسامة - هو الوصول إلى محجة العدل وصميم الحق، إذ كلها حجج شرعية يعتمد عليها القاضي في قضائه ويعول عليها في حكمه، فليس ثمة شك في أن العمل بالقرائن - أيضا - أضحى من الطرق التي تؤدي إلى تأكيد العدالة وتوطيد أركانها.
وقال فضيلته: ولا حاجة إلى التدليل على خطورتها وأهميتها في هذا العصر الذي نعيش فيه والذي تقدم فيه العلم، وبخاصة في مجال الطب، حيث أصبح التعويل على بعض القرائن التي اكتشفت في العلم الحديث كالبصمات وآثار الأقدام وتحليل الدم من الوسائل الهامة التي يستطيع القائمون على مكافحة الجرائم اكتشاف المجرمين بها.
فإذا عدمنا الشهادة والإقرار واليمين وغيرها من الحجج المباشرة، فلا ندع الحق يضيع سدى دون أن نبحث عن وسيلة أخرى لاستخراجه وإيصاله إلى مستحقيه، وهذه الوسيلة هي القرائن القوية والامارات الظاهرة، التي تقوم مقام الوسائل الأخرى عند فقدها.
كما أبان الشيخ السدلان أن من أبرز الحكم في مشروعية العمل بالقرائن: إعطاء الدليل العملي على صلاحية الفقه الإسلامي لأن تستنبط منه الأدلة وتبنى على أساسها الأحكام، وفسح المجال أمام القضاة لإعمال أفكارهم في النظر في ظروف القضايا المطروحة بين أيديهم لاستنباط ما من شأنه ايصال الحق إلى أصحابه، وإحباط مكر الماكرين وكيد المحتالين في غمط حقوق الناس أو الاعتداء على أموالهم أو أعراضهم أو دمائهم والتعدي على حرمات الله تعالى.
تعريف القرينة
ثم قام الشيخ السدلان بتقديم تعريف للقرينة مبينا أنها في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، وأنها سُميت بهذا الاسم، لأن لها نوعا من الصلة بالشيء، أو الأمر الذي يستدل بها عليه.
أما تعريف القرينة شرعا فقد أفاد فضيلته أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والامارات، ولعل السبب في ذلك هو: ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.
وممن تعرض لتعريفها من المحدثين: الشريف الجرجاني، فقال في التعريفات : بأنها أمر يشير إلى المطلوب ، وتعرف أيضا بأنها: الأمارة التي نص عليها الشارع أو استنبطها أئمة الشريعة باجتهادهم، أو استنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال.
أما تعريف القرينة قانونا فهي: ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول.
تمييز القرينة
وعن تمييز القرينة عن بعض المصطلحات التي قد تلتبس بها أورد الشيخ السدلان في كتابه أن هناك بعض المصطلحات التي قد تشتبه بالقرينة وهي: الفراسة والعرف ، ويفرق بينهما وبين القرينة بأن الفراسة (بكسر الفاء) هي التوسم - تفعل من الوسم - وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها.
وعلى هذا فكل من القرينة والفراسة متفقان في أن كلاً منهما علامة، ولكن القرينة: علامة ظاهرة محسوسة، كقرينة الحمل في المرأة، أما الفراسة: فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلى المتفرس.
وكذلك القرينة قابلة للإثبات، كما لو شهد اثنان على المرأة بأنها حامل، أما الفراسة فلا يمكن اثباتها بطريق الشهادة، ولا يشترط فيمن يرى القرينة أن يتصف بصفات خاصة، كصفاء الفكر وحدة الذهن وقوة الإيمان، ويشترط ذلك في من يرى الفراسة، إذ لا يدركها إلا من أوتي بصيرة نافذة، وإيمانا صادقا.
أما الفرق بين القرينة والعرف، فالعرف هو: الأمر الذي اعتاده جمهور الناس وألفوه من فعل شاع بينهم، ولفظ تعارفوا إطلاقه على معنى خاص، بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره، وقد بنى العلماء كثيرا من الأحكام الفقهية على العرف الذي لم يصادم نصاً، وذلك كبيع المعاطاة، وتقسيم المهر بين معجل ومؤجل,, إلخ، من الأمور التي تدخل في نطاق العرف .
وبهذا يظهر أن العرف من الأمور التي تعارف عليها جمهور الناس فقط.
بين الشريعة والقانون الوضعي
ثم انتقل الكاتب بعد ذلك إلى فصل في (أقسام القرينة) مبينا أن للقرينة أقساما عند علماء الشريعة الإسلامية، ولها كذلك أقسام عند شراح القانون.
وقد قسم المؤلف هذا الموضوع إلى قسمين الأول منهما: (أقسام القرينة في الشريعة الإسلامية) أورد الكتاب فيه أنواعا كثيرة من حيث مصدرها وعلاقتها بمدلولها وقوة دلالتها، واستدل على كل نوع بأمثلة حية على سبيل المثال منها، ما جاء في القرائن المنصوص عليها في القرآن والسنة واسماها بالقرائن القاطعة أو القوية ومنها - في القرآن اعتبار قد قميص يوسف عليه السلام من جهة الخلف دليلا على صدقه عليه السلام، وكذب امرأة العزيز في قولها بأنه راودها عن نفسها، أما من السنة النبوية فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل السكوت من جانب البكر إذنا في زواجها وأمارة على رضاها، كما جعل - صلى الله عليه وسلم - الفراش قرينة على ثبوت النسب من صاحبه.
ومثل ذلك فعل الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم، مثلما ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي كان يعاقب شارب الخمر إذا قاءها أو شمت رائحتها بوضوح من فيه، وغير ذلك مما أورده الكتاب من أمثلة في أنواع القرائن الشرعية.
أما عن القسم الثاني فهو عن القرائن في القانون الوضعي، ومنها القانونية والقضائية والطبيعية والمادية، وقد تناول الكتاب تعريفها والفرق بينها وكل ما استحدث منها، من فحص آثار الأقدام وتحليل الدم والبصمات وغيرها.
شروط وعناصر القرينة
بعد ذلك تطرق الكتاب إلى أن القرينة التي يجوز الاعتماد عليها في الاثبات لها شرطان: الأول وجود أمر ظاهر ومعروف وثابت، والثاني أن توجد صلة بين هذا الأمر الظاهر وبين الأمر الذي يؤخذ منها وهو المجهول في بادىء الأمر في عملية الاستنباط.
ثم أوضح أن القرينة لابد أن تتوفر فيها ثلاثة عناصر أساسية هي أن: يكون هناك قضية معروضة للحكم فيها، وأن يختار المحقق واقعة ثابتة لاستنباط القرينة منها، وثالثها أن يتوفر في (المحقق) القدرة على الاجتهاد والاستنباط.
وفي هذا الأمر أورد المؤلف قصتين الأولى ما أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود - عليه السلام - فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود - عليهما السلام - فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله!، هو ابنها، فقضى به للصغرى).
ولا يخفى ما لقضاء هذين النبيين العظيمين من المكانة العالية، ولاسيما إذا تذكرنا قوله تعالى في شأنهما: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكما وعلما) سورة الأنبياء 78-79 .
وإذا كانت القرائن من الأمور التي اختلف الأنبياء في الحكم بمقتضاها على نحو ما رأينا في قضاء داود وسليمان - عليهما السلام - فإنه لا غرابة إذا اختلف الفقهاء - بعد ذلك - في الحكم بها، وعلى هذا فقد يرى فريق من الفقهاء أو القضاة أن دلائل معينة تعد قرينة على حكم معين، ويرى فريق آخر أن دلائل أخرى تشير إلى حكم مخالف لهذا الحكم، وهم معذورون في ذلك لتعدد الاعتبارات والقرائن.
مشروعية القضاء بالقرائن
وحول مشروعية القضاء بالقرائن يقول الشيخ السدلان في بحثه: إن المتتبع لكتب أئمة الشريعة الإسلامية الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية، يرى أنهم أخذوا بالقرائن في مسائل كثيرة، وإن كان البعض قد أخذ منها موقفا حذرا، أو صرح بعدم اعتبارها أو الأخذ بها.
وقد عرض المؤلف أدلة كل من الفريقين وناقشها والجواب عنها، ووجد أن أدلة المجيزين من الكتاب والسنة والاجماع ظاهرة، والإجابة عن الاعتراضات عليها واضحة مما يجعله يرجح الرأي القائل بجواز العمل بالقرائن .
ثم عرض المؤلف نماذج من العمل بالقرائن وخاصة المتعلقة بجرائم الحدود التي وردت في الفقه الإسلامي وهي على سبيل الحصر: حد الزنا، وحد شرب الخمر، وحد السرقة، وحد قطع الطريق، وحد الردة، مشيرا إلى أن هذه الحدود شرعت للمحافظة على المصالح الأساسية للمجتمع الإسلامي فهي تهدف إلى حفظ الكليات الخمس: الدين والنفس والمال والعرض والعقل، ومن ثم تولى الشارع الحكيم تحديد العقوبات في هذه الجرائم واحتاط في اثباتها أكثر من غيرها لشدة عقوبتها.
واختتم الشيخ السدلان بحثه مشددا على أن العمل بالقرائن يحتاج إلى مزيد من الفطنة والذكاء، حيث إنه بقدر ما تؤديه القرينة من دور في مجال اثبات الدعوى الجنائية وغيرها، بقدر ما يجب مراعاتها من الحيطة والتثبت عند الأخذ بها.
كما خلص فضيلته إلى أنه من خلال استعراض أدلة المذاهب الفقهية المختلفة في شأن إثبات دعاوى الحدود بالقرينة، اتضح أن مذهب الفريق الذي يمنع الإثبات بالقرينة في مجال هذه الجرائم هو الأرجح - في نظره - لقوة أدلته من جانب، ومن جانب آخر: أن الشريعة الإسلامية تهدف دائما فيما يتعلق بالحقوق الخالصة لله كالحدود، إلى عدم ثبوتها بالشبهات، وبناء عليه فإن القرائن لا يصح أن يعول عليها لإثبات الحدود، لأنها خالص حق الله وأنها لا تثبت إلا بأحد وجهين: إما بينة عادلة تثبت على المدعى عليه ارتكابه إحدى جرائم الحدود، وإما اعتراف المتهم على نفسه شريطة أن يظل على اعترافه حتى إقامة الحد عليه.
ولقد جاء البحث الذي قدمه الدكتور صالح السدلان اضافة طيبة أثرى بها المكتبة العربية والإسلامية في مجال مهم، ولاسيما أنه يتعلق باثبات الحقوق الشرعية والقانونية، وخاصة حدود الله تعالى.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved