عدد 9768 وتاريخ 13/3/1420ه من صحيفة الجزيرة، طالعت بكل الحب والتقدير تعقيب سعادة اللواء محمد صالح البراك، مدير شرطة منطقة الرياض، حول تطرق بعض الكتّاب الى ما قد يتعرض له المواطنون وغيرهم بين فترة واخرى من سرقات، وكان مرد ذلك التعقيب التحرز من ان تعد تلك ظاهرة في نظر الكثير ممن يطالعون مثل تلك المقالات، ولعل ذلك يؤكد وجود حساسية لدى بعض المسئولين من التطرق لمثل تلك الجوانب، الى درجة ان اي تطرق لها يشير الى انها ظاهرة.
وبداية لا اعتقد ان احداً هنا او هنالك او في اي مكان في العالم بحكم انه اصبح قرية صغيرة، يجهل ما تتمتع به المملكة من امن وارف وطمأنينة مميزة، يشهد بها القاصي والداني، وحدوث السرقات وتناولها صحفيا لا اظن ان فيه مندورة بل بالعكس ربما له من الجوانب الايجابية الكثير والكثير، لاسيما بعد اكتمال التحقيقات، ولعل شرطة الرياض تؤيدني في ذلك بأنها اوردت في تعقيبها عشرة نماذج مما اعلنته للجمهور، مما يؤكد إيجابية هذا المسار، وما كنت هنا لاتحدث عن تلك الجوانب، ولكن ما لفت انتباهي، تأسف اللواء البراك وتألمه من عدم رقي التعاون من قبل المواطن والوافد الى ما يرضي طموحات المسئولين ويحقق الطموحات التي يسعى لها الجميع وهنا فليسمح لي سعادته بهذا الايضاح المختصر والذي آمل ان يكون مفيدا، والذي اورده كتأكيد أيضاً على ما ذهب سعادته اليه، من تذمره من موقف البعض، والذي كان مرتعا خصبا لتواجد مثل تلك الجرائم.
قبل مدة اعلنت احدى الشرط عن خبر اعادة مسروقات احد المواطنين والتي تقدر بأكثر من مليون ريال سعودي، وقد تجرأت الى ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء، احدى مستخدمات صاحب المنزل، الذي كان فعلا، عاملا مساعداً على الاقدام على تلك السرقة لعدة عوامل اهمها، تشغيل عمالة غير نظامية وبدون اي اثبات هوية ثم الادهى والامر حتى عدم معرفة الاسم لتلك الخادمة، ولقد هالني ان يكون الضحية دكتوراً اي انه من المفترض ان يكون الاكثر حرصا، والاقل تعرضا لمثل تلك المواقف المحرجة التي قد يرتكب في سبيل تحقيقها اكبر الجرائم من سطو وقتل وخلافه، ولقد أشفقت في نفس الوقت على رجال الامن وهم ضحايا مسلسل الاهمال واللامبالاة وعدم التقيد بالانظمة واللوائح من قبل بعض المواطنين والوافدين، والذين دوما يشغلون رجال الامن من خلال عدم التنبه لمثل تلك الامور من عدم تشغيل الوافدين المخالفين لنظام الاقامة، ثم عدم السماح بالاندماج الذي يطلع الاخرين على ممتلكات الشخص وبالذات المنقولة منها او الخاصة بالمنازل كالمجوهرات وخلافه، وهذا لا يعني ان كل جريمة تحصل هي نتيجة اهمال الضحية، ولكن هذه القضية ومعظم القضاياالتي اشار اليها التعقيب وقضايا سأتطرق اليها لاحقا، تؤكد ان نسبة الخطأ الدافع للجريمة، من خلال اهمال الضحية ربما تكون اكبر بكثير من نسبة الخطأ الدافع للجريمة لدى الجاني، وحتى لا اغدو بعيدا لعل الغالبية يلحظ، ان الصحف المحلية تطالعنا بين فترة واخرى بأخبار الحوادث الجنائية والتي ما كانت لبعضها ان تكون لولا اهمال الطرف المجنى عليه وهنا يكمن السؤال وبحجم تلك الحوادث وفجاعتها ثم بالتالي غرابتها على مجتمعنا، هل العقاب يطول المتهاونين؟ فلقد قرأت قبل اكثر من عام وفيما اظن في منطقة الرياض عن خبر سرقة بضائع من مستودع احدى الشركات تقدر بأكثر من 6 ملايين ريال والغريب ان تلك المسروقات لم تكن مما خف وزنه وغلى ثمنه اذ كانت حمولة اكثر من (50) شاحنة من نوع تريلا، وان تلك البضائع كانت في مستودع خارج حدود مدينة الرياض ولا يوجد به حارس اطلاقا، ثم الادهى والامر ان الشركة لا تعاين المستودع إلا فيما ندر كما ورد في التحقيق الصحفي يومها ولعل ذلك مثار الدهشة التي تؤكد عدم اخذ الحيطة وحالة اخرى نكاد نلحظها شبه يومي أب يوقف سيارته امام بقالة، وينزل تاركا المحرك يعمل وداخل السيارة طفلة، مما يغري العاطلين والمتسكعين فيتطوع احدهم لمثل هذه الاخطاء، تقوده نفسه الشريرة وما هيىء له من صيد سهل ويختفي بالعربة، ومع ذلك وفي جميع الحالات السابقة كان لرجال الامن والعيون الساهرة الفضل بعد الله في القاء القبض على لصوص المستودع، ثم كان للسرعة وجدية التعامل مع الحالة الثالثة سرعة العثور على الطفلة والسيارة حينما لم يجد اللص هربا من محاصرة رجال الامن بعد ان جرد الطفلة والسيارة من المصوغات وخلافه.
والحالة الرابعة والخامسة تتلخص في ان مواطنين وثقا في مكفوليهما من الوافدين واختفى الاول بسيارة واكثر من ربع مليون ريال والثاني بحوالي مائة الف ريال، والبحث مازال جارياً، اي بمعنى آخر ان جزءاً مهما من عطاء رجال الامن سينصرف للبحث عن مجرمين استغلوا طيبة التعامل، المبني اساسا على التفريط المخل، وعدم تحمل المسئولية، ولا ننكر ان رجل الأمن مطالب بل ومن واجبه ان يقوم بملاحقة المجرم وتقديمه للعدالة، ولكن كان يجب قبل ذلك وفي المقابل ان يكون المواطن والمقيم اكثر تجاوبا مع الدور الوقائي الذي يقوم به رجل الامن في التوعية ومكافحة الجريمة قبل وقوعها والوقاية من مخاطرها، وان يكون الساعد الايمن لبعد امني شامل، يدعم ثوابت الامن الذي نعايشه اليوم.
وانا هنا لست في مقام الاشادة بالامن ورجال الامن فقد كفيت ذلك، من خلال المواقف البطولية لرجال الامن في هذه البلاد الطاهرة، ويكفيهم فخرا ان على سدة هذا المرفق الهام صاحب السمو الملكي الامير نايف بن عبدالعزيز وصاحب السمو الملكي الامير احمد بن عبدالعزيز ورجال من حولهما صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا خير من يؤتمن على امن وراحة موطني وقاصدي هذه البلاد الطاهرة في ظل توجيهات حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الامين وسمو النائب الثاني الذين وهبوا أنفسهم جميعا لراحة وامن هذا المجتمع الذي يدين لهم بعد الله بفضل هذا الامن المستتب، والطمأنينة الوارفة ظلالها على القاصي والداني، في بلد مترامي الاطراف متباين التضاريس متعدد المواسم يحتضن مئات الالوف من الاجناس البشرية من مختلف بلدان العالم، اذ وجد فيه الكل محطة امن وامان، وبلد سخر كل امكانياته لخدمة ضيوف الرحمن من زوار ومعتمرين وحجاج، وذلك على مدار الساعة ولعل الحديث هنا قد يحتاج كما اسلفت الى اكثر من وقفة ولست موجها فقد كفاني ذلك ايضا سعادة اللواء البراك، والذي اكد فيه ضرورة تعاون رجل الشارع مع رجل الامن فالجميع رجال امن، ومثل ذلك التعاون يسهم في مزيد من الامن والطمأنينة، ويؤكد على يقظة رجال الامن وخبرتهم التي جعلت الوصول الى الجناة في مجمل الحوادث وبنسبة متميزة امراً وارداً بفضل الله اذ نبه سعادته الى ضرورة اتخاذ الحيطة وتوخي الحذر من خلال الالتزام بالانظمة واللوائح، التي وضعت اساسا لحفظ الامن واستتبابه وراحة المواطن والوافد، وحذر من تشغيل العمالة غير النظامية او منح الثقة المفرطة لغير اهلها، لما قد يترتب على ذلك مستقبلا من جوانب سلبية الجميع في غنى عنها، ولعل في ذلك ما يؤكد كما اسلفت على ان نعايش الامن الشمولي بكل ابعاده، وان ذلك مدعاة لتكاتف الجميع للمحافظة على تلك المنجزات، التي تعتبر من اهم مقومات الدول، وتنامي المجتمعات المثالية الخالية بفضل الله من ممارسة الجريمة المنظمة، ولعل ذلك يدعونا الى ان نعود الى صلب موضوعنا لنستخلص من تلك الحالات جانبا مهما وهو مسئولية الطرف الاخر في هذه الحوادث (الضحايا) ان جازت التسمية، فما هي مسئولية المنزل او ادارة الشركة، وصاحب العربة واصحاب المؤسسات المفرطين ومن في حكمهم ممن يشكلون بغير قصد طبعاً عاملا مساعدا لان يقدم اولئك المجرمون على افعالهم المشينة.
ان هناك اخطاء للاسف يرتكبها بعض المواطنين من غير قصد ولكنها بالتالي تشكل مكمن الخطر ومنطلقاً للجريمة، لقد تعاطفنا مع مجمل تلك الحالات بحكم الطيبة التي تطغى على معظم تصرفاتنا والتعامل مع ما يجري بحسن نية، لكننا في المقابل ندفع ثمناً لتلك الطيبة حينما تكون في غير محلها، او تكون في بعض الاحيان نتاج عامل اللامبالاة، فيصطلي بنارها اناس كثيرون، وتشغل رجال الامن الذين وهبوا انفسهم لخدمة هذا الكيان,, لذا يجب ان يكون هنالك مساءلة جادة تحدد درجة تلك الاخطاء والعقاب الرادع وحدود مسئولية كل طرف، وذلك درءاً للمخاطر وجنوحا الى مواطن السلامة، وحثا للجميع وبدون استثناء من مواطنين ومقيمين لان يكونوا عونا لرجال الامن في توخي الحيطة والحذر والاخذ بمبدأ السلامة في كل تصرفاتنا، وتفعيل دور الجميع كأقل ما يمكن ان يقدمه المواطن والمقيم خدمة لهذا المجتمع المثالي، ولنكون خير معين على استتباب الامن لا ان تكون سلبياتنا مصدر عبء على مهام رجال الامن الرئيسية، ولعل الحملة الوطنية القائمة الآن ضد التخلف يجب ان تدعم من قبل الجميع وألا تتقيد بمكان او زمان بل تستمر لما فيه مصلحة هذه البلاد التي ينعم فيها الجميع من مواطنين ووافدين بأمن وامان منقطع النظير,, وفي نفس الوقت نؤكد لسعادة اللواء البراك اننا حينما نتطرق الى تلك الجوانب فما ذلك الا بدافع الغيرة والمحافظة على مكتسبات هذا الوطن، التي يأتي في مقدمتها الامن المميز الذي نعيشه، وان الاقلام الصحفية هي من عيون الامن التي لا تنام، معتذرين لسعادته عن اي تقصير او خطأ والكل في هذه الحياة تلميذ يتعلم,.
هذا وبالله التوفيق.
صالح المعيض
جدة