Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


شخصيات قلقة
ماكس بلانك (1858م - 1947م)
الحياة تحت وهم القوة

كان ماكس بلانك يعيش حياة عادية فقد وهب نفسه للعلم، ولا يعرف عن الحياة سوى الابحاث والمعمل والنظريات، يعمل أستاذا للفيزياء الحرارية في ميونخ,, في برلين,, وفي اوقات الفراغ يؤلف كتبا مطولة عن فيزياء الحرارة لكنها لا تثير الا القليل من الاهتمام!! وهكذا تمضي به الحياة هادئةوعلى وتيرة واحدة، خاصة ان طبيعته الذاتية تتوافق تماما مع أسلوب حياته، فمنذ الصغر كان يحصل على الجوائز السنوية لسلوكه الديني الصالح، ووصفه اساتذته بأنه ذو ضمير حي وصريح وانه مرح وموهوب.
وفي عام 1900 بعد ان تخطى بلانك سن الاربعين بقليل - قاد بلانك ثورة من اعظم الثورات البيضاء في تاريخ العلم البشري، لم يرق قطرة دم واحدة لكنه قلب الافكار رأسا على عقب، لقد كان مشغولا بالتأثير المتبادل بين الاشعاع والمادة وكان ثمة صعوبة في اثبات ذلك معمليا، فكل ما يطرحه بلانك مجموعة من الافكار المجردة والمعادلات الرياضية التي يعتمد فيها على نوع من التخمين الموفق، فإلحاح بلانك على (واقعية) الذرات (رغم انها لا ترى) وكذلك اصراره على وجود ثوابت فيزيائية مستمدة من قوانين الحرارة كل هذا تصادم مع عقلية القرن التاسع عشر الوضعية التي لا تؤمن الا بما يختبر معمليا ومن هنا فقدنا ناهضه الفيلسوف والفيزيائي ارنست ماخ وقال إن المعرفة الواقعية كلها تقوم على وضع منظومة من المفاهيم وعلى انجاز تجربة مباشرة,, ولاول مرة يتحول بلانك المسالم الودود الى مقاتل، فأكد بقوة واقعية العالم غير المرئي الذي انبثق من عمله الرياضي وصرح بأن الفيلسوف الذي يقيد نفسه بصدد كل فكرة جديدة، بالسؤال: ترى الى اي مدى هي ذات معنى واضح سلفا؟ هو فيلسوف يعيق تطور العلم اذ ليس ما يهم ان تكون الفكرة واضحة مسبقا بل المهم هو ان تؤدي تلك الفكرة الى عمل مفيد, والوضعية التي تدحض كل فكرة متسامية هي رؤية ملتزمة بجانب وحيد,, وقد رد ارنست ماخ بازدراء قائلا: اذا كان الايمان بواقعية الذرات اساسيا بالنسبة لك الى هذه الدرجة فلن يكون لي انا بعد الآن اي تعامل مع التفكير الفيزيائي.
ورغم ان بلانك كسب تلك الجولة وفتح عهدا جديدا في علم الفيزياء من خلال نظريته عن الكمَّات الا انه كان دائما يشعر بالأسى ويقول:
لم انجح قط في جعل الجميع يوافقون على نتيجة جديدة استطيع اثبات صحتها بحجة حاسمة رغم كونها (نظرية) بحتة,, وكان ذلك اكثرما عانيته ايلاما,, وبعيدا عن هذا الأسى فقد نال بلانك شهرة عظيمة تكاد ان تتكافأ مع شهرة صديقه الحميم اينشتاين، حيث كان كلا الرجلين يكن الاعجاب والتقدير لصاحبه فتطوع بلانك واستحدث لاينشتاين منصب الاستاذ الباحث المتحرر من جميع الواجبات تكريما له، وفي المقابل قال اينشتاين إن افضل ذكرى لديه عن برلين كانت شعوره الدائم بالبهجة لكونه بالقرب من بلانك.
التفوق العلمي,, الشهرة,, المال,, كل هذا لا يصنع انساناً سعيداً هكذا يقول لسان حال بلانك بعدما وصل الى ما وصل اليه,, فقد اصبح امين سر اكاديمية العلوم البروسية وعميدا للعلم والعلماء الالمان الا ان شيئا واحدا في شخصيته جلب له التعاسة من كل جانب، هذا الشيء هو حبه المتعصب لالمانيا,, المانيا فوق الجميع,, فوق كل شيء,,!! حتى عندما مات اخوه الاكبر في الحرب الفرنسية - البروسية (1870 - 1871م) لم يشعر بالاسف لاخيه بقدر ما شعر بأنه متوحد مع هؤلاء الابطال الذين مهروا بدمائهم حبهم الحقيقي لأرض اجدادهم,, ويعيد التاريخ نفسه ويفقد بلانك هذه المرة ابنه البكر في الحرب العالمية الاولى لكن لا بأس طالما كان هذا فداءً لالمانيا! لدرجة ان حمى التعصب تلك جعلته يتعامى عن فظاعات الالمان في بلجيكا ويرفض تقارير الحلفاء ساخطا بحجة انها دعائية الى ان اقنعه احد اصدقائه الفيزيائيين بعكس ذلك فتعرض قلبه الكبير الساذج لاول اهتزاز نفسي ثم كان الاهتزاز النفسي الاشد نتيجة للتهجمات الباطلة على صديقه اينشتاين من جانب العلماء اللاساميين الذين رفضوا نظرية النسبية نكاية في صاحبها، ورغم ان بلانك تهجم على السامية في مناسبتين الا انه بخصوص صديقه دعا الى ترتيب مناقشة عامة بين اينشتاين وزعيم المعارضين إلا أن هذا العرض الحضاري لم يسكت حملة الافتراء وانتقل اينشتاين الى الولايات المتحدة وهناك صرح علانية بانه لن يعود الى المانيا لانها لم تعد تعترف بالحرية المدنية والتسامح والمساواة بين المواطنين امام القانون وبالمثل ردت الصحف النازية على تصريح اينشتاين بمزيد من الشتائم والمهاترات.
وهنا ادرك بلانك بأن لا امل في التفاهم بين الطرفين كما انه كان مذهولا لا يتصور كيف ان ألمانياً يهاجم ألمانيا! فنصح اينشتاين بالاذعان كي يحافظ على علاقته المشرفة مع الاكاديمية ويجنب أصدقاءه احزانا وآلاما لا حدود لها ولم يبد تفهما لاحتجاجات اينشتاين العلنية لاعتقاده بان على اينشتاين الوقوف بجانب بلده خاصة في الخارج مهما كانت اخطاء النظام الجديد! وفي المقابل كان اينشتاين يتساءل كيف يمكن لبلانك ان يتوقع منه الاخلاص لحكومة تعامله معاملة المجرمين؟! انها اشكالية معقدة وصلت بالصداقة الحميمة الى برود تام ولم يغفر اينشتاين لصديقه اطلاقا ما رأى انه إخفاق جبان في مناصرته والحقيقة,, ان هذه السلبية في شخصية بلانك لا ترجع إلى الولاء للنظام الحاكم وانما ترجع الى التعصب القومي لوطنه وهو نفسه سبق ان قال لاينشتاين (قبل ان يصل هتلر الى الحكم) اني اشعر بشيء لن تفهمه انت مطلقا, واعني به ولائي وتعلقي الذي لا يقهر بالدولة التي انتمي اليها والتي تجسدت في شخص العاهل الكبير,, اي ان النظام الحاكم - ايا كان - يمثل لبلانك رمزا وطنيا يستحق المساندة وايضا التغاضي عن سلبياته حفاظا على هيبة المانيا ولان بلانك كان يشعر بمساوىء الحزب النازي، فانه آثر ان يتعامل معه بدبلوماسية وان يحجم عن الاحتجاجات العلنية قدر الامكان، حتى فيما يخص اعادة بناء الفيزياء الالمانية رغم الظروف المضطربة, حرص بلانك على ان يبقي السلطة الادارية في يده ايضاً الا ان اينشتاين لم يكن الضحية الوحيدة، فثمة زملاء كثيرون ابعدهم النازي، وآخرون فضلوا ان يهاجروا الى خارج البلاد قبل ان يُطردوا,, وملأ احساس الخيبة والاحباط نفس بلانك وقام بمناورات سرية من اجل انقاذ العلم الالماني، لكنه فشل في ان يثني زملاءه عن قرار الهجرة,, لقد عاش بلانك موقناً بأن العلم لا يعرف تعصباً لجنس او لدين ثم هاهو يدرك ان الضمير النقي والوفاء لم يعودا ملائمين لهذه الايام الشريرة!!
وبدأ بلانك رحلة مناصرة فعلية لزملائه المبعدين، خاصة الكيميائي فريتز هابر الذي ركّب الأمونيا من ازوت الهواء وبذلك انقذ الجيش الالماني من نفاد المتفجرات لديه عقب بدء الحرب العالمية الاولى, لكن هذا لم يشفع لهابر الذي صرفه النازي من الخدمة دون ان يرتكب اي عمل طائش, فالتمس بلانك مقابلة هتلر بوصفه عميد العلم الالماني، وكانت بينهما هذه المقابلة الطريفة:
في البداية امتدح بلانك إسهامات هابر ويهود المان آخرين في العلم، فاجابه هتلر بإيجاز كي يغلق باب النقاش بأنه ليس لديه شيء ضد اليهود في هذا المجال,, (وهذا كلام اراح بلانك مبدئياً) ثم اردف هتلر قائلاً: لكنهم كانوا جميعاً شيوعيين,, فحاول بلانك ان يحتج على هذه التهمة الثانية ايضاً فاذا بهتلر يصرخ في وجهه: يقول الناس اني مصاب بضعف عصبي، ولكني املك اعصاباً كالحديد,, ثم راح يلطم ركبتيه في غيظ مستمر الى ان آثر بلانك الانصراف في هدوء! لقد حطمت المقابلة كل الآمال في انقاذ العلم والعلماء! وهابر نفسه توفي في المهجر بعد سنتين، وقد حاول بلانك ان يعقد اجتماعاً لاحياء ذكراه، ثم فوجئ بوزير الثقافة يمنع موظفي الحكومة من الحضور، وعاند بلانك وقال انه سيعقد الاجتماع حتى ولو اخرجته الشرطة بالقوة.
هكذا تحول الانسان المسالم المحب لوطنه الى نمر جارح, لقد افقده النازي الايمان بالدولة وبالاخلاقيات المتعارف عليها، لدرجة ان بلانك المتعصب القومي بدأ يشعر بالحاجة الى الثورة والتغيير، ويقال ان ابنه ارون الذي يعمل موظفاً كبيرا بوزارة الدفاع كان يحرك تنظيماً سرياً للاطاحة بالنازي، كما يقال ايضاً ان بلانك كان على علم بهذا وراح يتكلم عن ايام مقبلة ستكون افضل! الا ان النازي قبض على الابن وحكمت عليه محكمة الشعب بالموت, فعاش بلانك ممزقاً بين الأمل واليأس، وفجأة كتب الى هتلر مؤكداً ان ابنه لم يكن لديه اي علم بالمؤامرة , وفي اوائل فبراير سنة 1945م اخبر بتأجيل وشيك للحكم الا ان ابنه شنق بالفعل بعد ايام قليلة دون ان يشفع لبلانك انه من اعظم علماء المانيا، او انه رجل عجوز فقد كل أبنائه في حياته,.
ان مأساة بلانك في كونه لا يتصور الحياة بدون نظام,, بدون اخلاقيات، حتى انه اجتهد في وضع اخلاقيات للفيزياء وقال: يجب ان تخلو الفيزياء من التناقضات، وهذا يؤول من حيث الاخلاقيات الى الاستقامة والامانة, ولان العدالة لا تنفصم عن الامانة، فيجب ان تكون هي نفسها بالنسبة للجميع، مثلها مثل قوانين الطبيعة, وكان تصوره عن الكون منسقا الى ابعد حد، فرغم رفضه للتصور الكنسي المسيحي الا انه كان يرى دائماً ان هناك الهاً قديراً يقف وراء هذا النظام الكوني البديع, وهو القائل: الدين والعلم الطبيعي كلاهما يحتاجان الى الاعتقاد بالله, ولكن الاله بالنسبة للدين هو نقطة البدء، وبالنسبة للعمل هو غاية كل تسلسل للفكرة.
هكذا كانت تصورات بلانك القائمة على النظام والاخلاقيات، وعلى حبه الجارف لموطنه وللعلم والعلماء، الا ان تلك التصورات تهاوت تباعاً في صراعه مع النازي، وانتهت باعدام ابنه، ليجتر بلانك احزانه في الحياة وحيداً لا يمكن لحزني ان يصب في كلمات، اني اكافح لاقوي عزيمتي من اجل ان يكون لحياتي المستقبلية معنى!!
شريف صالح

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved