الأقوياء أكثر قدرة على صنع السلام,, بشرط أن تكون لديهم نوايا صادقة ورغبة أكيدة لصنع السلام.
هكذا علمتنا التجربة مع الإسرائيليين، فكل ما تم من خطوات سلام بين العرب والإسرائيليين تم من قبل حكومات إسرائيلية قوية على اعتبار أن الحكومات العربية دائما مستعدة للسلام ,, وجهود السلام دائما ما تحقق نتائج إيجابية إذا ما توفرت للطرف الآخر حكومة قوية ترى أن مصالح إسرائيل تتحقق أفضل في أجواء السلام، هذا ما تم في عهد مناحيم بيغن وإسحاق رابين اللذين حققا لإسرائيل ما عجزت كل الحروب الإسرائيلية عن تحقيقه، بيغن حقق عن طريق اتفاقية كامب ديفيد السلام مع أكبر دولة عربية وأمن الجبهة الجنوبية ورابين فتح ملف السلام مع الفلسطينيين وأبرم اتفاق سلام مع الأردن وأوشك أن يحقق السلام مع سوريا ويتم المسيرة مع الفلسطينيين،إلا أن الإرهاب الإسرائيلي والتعصب الأعمى لم ير ما يراه رابين، فاغتيل آخر أقوياء إسرائيل الذين كان بمقدورهم صنع السلام دون أن يشكك أحد بتنازله عن المصلحة الإسرائيلية، فرابين ابن المؤسسة العسكرية، سياسي يصنف ضمن معسكر المتصلبين وليس المتعصبين، وهنا يبرز الفارق بينه وبين اسحاق شامير وبنيامين نتنياهو، وكذلك بينه وبين شيمون بيريز، فبالنسبة للفارق بينه وبين المتعصبين من تكتل الليكود الذين يتجمد فكرهم وفعلهم السياسي ضمن أطر وقوالب فكرية وسياسية تحد كثيرا من تفاعلهم مع العملية السلمية العادلة.
أما الفارق بينه وبين سلفه شيمون بيريز فهو ضعف الثاني قياسا بالأول بالنسبة للناخب الإسرائيلي والسياسي القيادي الإسرائيلي معا، فالذي يستطيع رابين اقناع الإسرائيليين به ساسة وعامة لا يستطيع بيريز أن يحققه.
الآن تقترب إسرائيل من تبوُّء شخصية سياسية شبيهة إلى حد ما بإسحاق رابين، فالجنرال إيهودا باراك قادم من نفس المؤسستين العسكرية والسياسية، فكلاهما جنرال ورئيس أركان سابق، وعضو في حزب العمل الإسرائيلي، ولهما تقريبا نفس النظرة الحذرة من السلام مع العرب,, وأيضا كلاهما يصنفان ضمن معسكر المتصلبين,, وليس المتعصبين، ولهذا فإن كثيراً من الذين يتحدثون عن باراك فانهم يصفونه بأنه تلميذ رابين، وأنه أقرب لفكره من صديقه شيمون بيريز، وهم في ذلك على حق إلى حد ما، إذ ان باراك يختلف في العديد من الصفات عن رابين، إذ يتميز بصفات ويختلف بصفات، ولعل أبرز صفاته عدم تسرعه وتأنيه في اتخاذ القرار وقدرته على التفاوض الطويل حتى الوصول إلى ما يحدده من أهداف، وهذا ما ظهر في مشاوراته الأخيرة لتشكيل الوزارة الإسرائيلية الجديدة التي يلاحظ أنها ضمت إلى جانبه العديد من الشخصيات القوية التي ترى في السلام مصلحة لإسرائيل أكثر من حالة الحرب والتوتر، فشخصيات من أمثال شيمون بيريز مهما كان موقعه رئيسا للكنيست أو وزيرا,, وديفيد ليفي، ومردخاي وبلين جميعهم شخصيات ترغب في السلام دون المساس بالمصالح التي حصلت عليها إسرائيل في حروبها السابقة، وهذا ما يحصنها بمصداقية تجعل الخطوات القادمة التي ينتظر أن يقوم بها باراك لتحريك عملية السلام مأمونة الجوانب سواء داخل الكنيست أو في الشارع السياسي الإسرائيلي.
جاسر عبدالعزيز الجاسر