Monday 5th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 21 ربيع الاول


طباق وجناس
من سره زمن ساءته أزمان

خلال حفل الافتتاح الذي حضره بصحبة الامير سلمان بن عبدالعزيز للمركز الثقافي الاسلامي في مدريد قبل نحو سبع سنوات وبالتحديد في 24 ربيع الأول من عام 1413ه، قال العاهل الاسباني خوان كارلوس وهو يرحب بالامير ويتحدث عن التاريخ والارتباط العريق بين الشعبين العربي الاسلامي والاسباني، ان اسم مدينة مدريد له اصل عربي فقد كانت تُسمى (مجريط) ثم حرف اسمها حسب النطق الاوروبي للكلمة، وفي خطابه خلال الحفل ضمن ملك اسبانيا الخطاب العديد من الاشارات الى التاريخ والمجد العربي في الجنوب الاسباني الاندلس وما تركه اولئك الفاتحون من حضارة ومعالم عظيمة لم تزل مثار اعجاب الزائرين والسياح من شرق وغرب حتى عصرنا الحاضر، وقد تذكرت ما قيل في تلك المناسبة، وانا ازور مدريد خلال الايام الماضية في مهمة عمل تتعلق بالمركز الإسلامي ضمن وفد يمثل رابطة العالم الاسلامي ووزارة المالية والاقتصاد الوطني في شخص الاخ الاستاذ محمد المقيطيب مدير عام التعاون الانمائي الدولي بالوزارة والمهندس هشام الكيالي ممثلا للاستشاري المشرف على تنفيذ مشروع المركز لدراسة بعض المقترحات الجديدة المقدمة من قبل مدير المركز الدكتور صالح السنيدي.
ولا بد لمن يزور اسبانيا أن تتداعى الى ذهنه صور تاريخ عربي اسلامي عريق امتد نحو ثمانية قرون او سبعة قرون على حد قول نزار قباني في قصيدته المشهورة عندما كان يحاور دليلته السمراء ذات الملامح العربية وهي تفاخر بأمجاد آبائها واجدادها:
قالت هنا الحمراء زهو جدودنا
فانظر على آثارها أمجادي
فكان سؤاله الشاعري الحاد:
أمجادها؟ وصمت قرون سبعة
في تينك العيني بعد رقاد
يا ليت وارثتي الجميلة أدركت
ان الذين عنتهمُ أجدادي
مختتما قصيدته الرائعة بذكر الفارس المسلم الذي مهد للوصول الى اسبانيا قبل صقر قريش عبدالرحمن الداخل,, طارق بن زياد.
عانقت فيها عندما ودعتها
رجلا يسمى طارق بن زياد
والقصيدة طويلة ومعروفة، وهي واحدة من قصائد عديدة قالها شعراء عرب كبار منذ سقوط الاندلس وخسرانها من قبل المسلمين حتى يومنا الحاضر,, وكلها تحسر ولكن ماذا تنفع الحسرة؟!
والمركز الاسلامي في مدريد يعتبر حاليا احد المعالم الرئيسية الرسمية المعترف بها، وقد وضعته بلدية المدينة ضمن المعالم التي تزار من قبل السياح ولذلك فلا يمر يوم الا وتقف حافلة او اكثر حاملة سياحا او طلاب مدارس لزيارة المركز والمسجد والدخول في حوار مع المسئولين فيه عن الحضارة الإسلامية اما في يوم الجمعة فإن المسجد وصالات المركز تعج بالمصلين الذين يتقاطرون من كل انحاء العاصمة الاسبانية لاداء صلاة الجمعة، حيث يساهم البوليس الاسباني في تنظيم حركة المرور خارج المسجد الجامع الذي يقع على ربوة عالية جميلة جدا في موقع من اهم واجمل المواقع في مدريد.
ولقد حمدنا للاخ الدكتور صالح السنيدي مدير المركز حماسه ورغبته في تطوير وتفعيل دور المركز في المجتمع الاسباني ولدى سعادته العديد من الخطط والبرامج التي نفذ بعضها ويحتاج بعضها الآخر الى تنفيذ، والمركز ملك للحكومة السعودية ارضا وبناء وتتحمل ميزانيته السنوية مشكورة وتشرف على إدارته وتسييره بالتنسيق مع وزارة المالية، رابطة العالم الاسلامي وبه مدرسة عربية إسلامية تدرس المناهج السعودية والمنهج الاسباني وبها ثلاث مراحل تعليمية عامة الابتدائية والمتوسطة والثانوية ولها ميزانية مستقلة لرواتب المدرسين وهي تحت الاشراف التربوي لوزارة المعارف بالتعاون مع السفارة السعودية في مدريد ولكنها من الناحية القانونية امام السلطات الاسبانية جزء من المركز الثقافي الاسلامي وقد فرح بافتتاحها العاملون في السفارات العربية لأنها تحتضن ابناءهم اضافة الى ابناء بعض الاخوة العرب الذين يقيمون في مدريد وقد انشأها باجتهاد شخصي المدير الاسبق الدكتور عبدالعزيز سرحان لتكون مدرسة تحمل اسم ام القرى ثم طورت الفكرة وضمت رسميا الى قائمة المدارس السعودية بالخارج وقد تتوسع اكثر حتى يضيق بها المركز من حيث المساحة مما يجعلها بحاجة في المستقبل الى مبنى خاص وكيان قانوني مستقل مثل غيرها من الاكاديميات السعودية الموجودة في الخارج.
والاسبان يفخرون جدا بتراثهم الخاص مثل (الفلامنكو) الرقصة الشعبية التراثية التي تجسد قصة رومانسية من العصور الوسطى، وبمصارعة الثيران، ولم نحضر ايا منها ولاسيما المصارعة لأن ما يحدث فيها يعتبر منافيا لأبسط المشاعر الانسانية وفيه ظلم وتعذيب لحيوان مسكين، ولكن الانسان الذي يدعي الحضارة يأتي من كل مكان في العالم ليشهد ذلك التعذيب ويستفزه منظر الدماء وتعالي الصيحات الهستيرية اثناء المصارعة ويغلق الستار على تصفيق حاد للفارس الذي ارجع الثور المسكين وغرس في جسده عدة حراب حادة حتى نزف وخرَّ على الارض ليجره العمال وهو بين الحياة والموت,,!!
وخلال ايام الزيارة اخذنا الدكتور السنيدي مدير المركز الى الريف الاسباني وصعد بنا جبالا لم تزل بقايا الثلوج تكسو بعض قممها على الرغم من ان درجة الحرارة في مدريد نفسها كانت حوالي ثلاثين درجة ثم نزلنا الوادي فرأينا جداول مياه باردة ونظيفة كالفضة احتسينا القهوة على احد ضفافها وتذكرنا قول الشاعرة الاندلسية:
وقانا نعمة الرمضاء واد
سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحة فحنا علينا
حنو المرضعات على الفطيم
يصد الشمس أنى واجهتنا
ملاطفة ويأذن للنسيم
ولم يزل أهل البلاغة معجبين بالصورة الشعرية الواردة في البيت الثاني ولهم الحق في ذلك.
ولقد سعدنا بلقاء الاخوة العاملين في السفارة وعلى رأسهم نائب السفير الاستاذ عبدالاله المهنا العبدلي، وذلك لغياب سمو السفير الامير عبدالعزيز الثنيان عن اسبانيا خلال وجودنا فيها وهناك نحو عشرين موظفا في السفارة ومعظمهم شبان يتدفقون حيوية وحركة واذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الاستاذ منير بنجابي والمقدم خالد الموسى الملحق العسكري وهم يمثلون اسرة واحدة تتعاون فيما بينها لخدمة السفارة وتخفيف الشعور بالغربة حتى لو كان العمل في اسبانيا حيث الماء والخضرة وغير ذلك,!
لقد سبق لي زيارة الجنوب الاسباني الاندلس ومنها مثل غرناطة واثارها وتذكرت ما قالته والدة آخر حكام غرناطة المدعو ابوعبدالله الصغير عندما راته ينتحب وهو يرى الغزاة وقد اعتلوا سريره واقتربت سيوفهم من رقبته، وقد كان قبلها سادرا في غيه لا يرعى الحكم اموره,, حيث قالت له:
فابك مثل النساء ملكا مضاعا
لم تحافظ عليه مثل الرجال !!
وقد بكى أبوعابد ثم اختلطت دموعه بدمه واصبح جزءا من التاريخ الغرناطي الذي كتب على جدران قصوره الاربعة لا غالب الا الله ,!! وقد يزيد الأسى وتتفاقم الحسرة عندما يزور الانسان المسلم قرطبة ويرى مسجدها العظيم مساحة وبناء ونقشا وارتفاعا وقد حول الى كنيسة تدق فيها الاجراس ووضع عند محرابه فاصل يحول دون الوصول اليه للصلاة فيه ليصبح معلما حضاريا يزار ويضخ للأسبان مئات الملايين من الدولارات سنويا ولا شيء غير ذلك,,!
وقد حدثني الدكتور السنيدي وهو متخصص في التاريخ الاسلامي في اسبانيا وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة غرناطة ويجيد الاسبانية، أن باحثا غربيا منصفا تتبع الفتوحات الاسلامية في الاندلس فوجد ان المسلمين خلال ثمانية قرون لم يهدموا كنيسة واحدة ولم يعتدوا على معبد واحد، ولكن خصومهم الاوروبيين فعلوا عكس ذلك فلم يتركوا مسجدا الا هدموه ولا جامعا الا طمروه ولا معلما إسلاميا إلا جعلوه انقاضا ثم تداركوا بعض المعالم الحضارية كقصور غرناطة ومسجد قرطبة وبعض مساجد طليطلة فابقوا عليها للاستفادة منها سياحيا، بل ان احد الاخوة دخل محلا للفلامنكو لمشاهدة هذه الرقصة الشعبية ثم فوجئ ان المكان هو عبارة عن مسجد قديم مهجور حول الى مرقص ودله على ذلك آيات قرآنية مكتوبة تحت سقفه ومحراب توارى خلف منصة العازفين,, فلم يطق المنظر فخرج لا يلوي على شيء,!!
وفي هذا العصر حيث الدعوة الى التسامح الديني والحرص من قبل بعض الحكومات الاوروبية على احتضان الاقليات المسلمة المقيمة على ارضها، ثم بجهود ومثابرة من بعض الحكومات والهيئات الاسلامية، فقد تم السماح بإنشاء بعض المساجد والجوامع ضمن شروط صعبة ومعقدة تتصل بالاستخدام للمنشأة ومراقبة ذلك مراقبة لصيقة، وهو ما يؤكد على وجوب تضافر جهود وقلوب تلك الاقليات حتى يستفيدوا من القوانين المحلية بصورة جيدة لأن اختلافاتهم ستزيد من صعوبة الموقف وقد تحرمهم مستقبلا حتى من هذه الحقوق الدينية المشروطة التي حصلوا عليها في السنوات الاخيرة.
ونختتم هذه الانطباعات الاندلسية العامة بحكمة الشاعر الاندلسي الذي رأى المأساة وعاش تساقط الحكم الاسلامي في الاندلس فأنشد قصيدة حزينة كان مطلعها الحكمة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الليالي كما ألفيتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على احد
ولا يدوم لها حال ولا شان
فاللهم رحمتك,,!!
زياد الدريس في المحيط!
في مطار الدار البيضاء قابلني الاستاذ الاديب ابن الاديب رئيس تحرير مجلة المعرفة زياد بن عبدالله بن ادريس,,, كان قادما من موريتانيا قاصدا الرياض وكنت قادما من مدريد قاصدا جدة فالتقينا على رحلة مشتركة للخطوط السعودية تحط فجرا في جدة ثم تواصل مع بقية الركاب الى عاصمة المجد.
وكان زياد اكثر ذكاء وشبابا مني فقد عرفني من خلال صورتي الصحفية وعرفته انا بعد ان قدم لي نفسه فهو محل اعجابي وتقديري صحفيا وادبيا وكنت سعيدا بهذا اللقاء ولا سيما على رحلة طولها ست ساعات وقد عبرت له عن سروري وتقديري لما ينشر في مجلة المعرفة من آراء ودراسات ولقاءات ونقد صريح للعملية التربوية والادارية بوزارة المعارف وما يتبعها من ادارات تعليم ومدارس، فأكد لي ان المجلة تسير بروح وثابة متطلعة للمزيد من الاصلاح يحملها عقل وقلب معالي المشرف العام على المجلة وزير المعارف الدكتور الرشيد فحمدت للرجلين هذا العطاء ثم ذهب زياد الى مقعده واتاني بكتاب جميل من تأليفه يحمل عنوان محيط العط,, لنطي والكتاب يسجل لموظف بيروقراطي تولى اعمال ادارة ما في مكان ما بالنيابة فرصدت عدسة الدريس حركاته وسكناته وتصرفاته الادارية والخلقية والاجتماعية ونقدتها نقدا لطيفا وقويا وساخرا في آن,,!!
وقد شكر المؤلف لجريدة الجزيرة في عهد الاستاذ محمد ابا حسين تفضلها بنشر الكتاب على حلقات ومشاركته مسئولية النشر بعد ان اعتذرت صحيفة اخرى عن ذلك بحجة انها تحمل جرعة زائدة عن الحد المسموح به من الصراحة، ولعل ذلك من الوهم الذي يبتلى به بعض الذين يجيزون الموادالصحفية من مقالات وغيرها حيث يوسعون تفسيرالكلمات ويحملونها فوق طاقتها ويحذفون وقد يضيفون على اساس ان (من حذر سلم) وقد قرأت الكتاب من الغلاف الى الغلاف فلم أجد فيه الا نقدا بناءً لصور اجتماعية وادارية تحدث في اي مكان وزمان ما عدا المدينة الفاضلة التي لا وجود لها اصلا إلا في خيال الفلاسفة المنقرضين.
وقد زين الكتاب واضاف عليه نكهة خاصة الرسام الفنان فيصل المشاري بلوحاته الجميلة المعبرة التي يسرح في آفاقها العقل والخيال وقد انصف الدريس نفسه وانصف المشاري عندما اعتبره مشاركا له في تأليف الكتاب .
أهلا بالشباب الذي يحرك المياه الآسنة.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
الاســـواق
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الادارة والمجتمع
الاقتصـــادية
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved