Monday 5th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 21 ربيع الاول


المال والاستثمار
القبول في الجامعات ومتطلبات سوق العمل
الدكتور/ مفرج بن سعد الحقباني *

تحظى الموارد البشرية باهتمام بالغ من قبل المخططين وصناع القرار في جميع البلدان الطامحة إلى تحقيق مستويات متقدمة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإلى تحقيق درجات متقدمة من الأمن الوطني بشتى فروعه ومكوناته, ولعلنا في البداية نشير إلى التجربة الشرق آسيوية وبشكل خاص تجربة اليابان ومجموعة النمور الآسيوية التي استشعرت مبكراً أهمية الموارد البشرية في التنمية الاقتصادية مما قادها إلى صياغة سياسة تعليمية متميزة ارتبطت أهدافها بحاجة السوق ومتطلبات التنمية, وفي هذا الخصوص أذكر مقالة السفير الياباني لدى المملكة في إحدى المقابلات الإذاعية عندما قال لقد كنا نعلم مسبقاً بأننا دولة لا تتمتع بموارد اقتصادية وطبيعية جيدة وبالتالي كان خيارنا الوحيد أن نهتم بالموارد البشرية كيفاً وكماً حتى نستطيع استغلال المتاح لدينا من الموارد استغلالاً أمثل يمكننا من تحقيق طموحاتنا التنموية والاقتصادية, وهذا يعني أن العنصر البشري هو الأساس الرئيس لأي عملية تنموية وبالتالي يجب علينا ان نعطيه الوزن الأهم في سياساتنا المحلية وأن نتعامل معه كعنصر ثمين لا نقبل بأي حال من الأحوال أي سياسة لها أو مقترح له مساس مباشر أو غير مباشر بالكيفية التي نعالج بها هذا المورد الثمين ما لم تثبت التجارب نجاح هذه السياسة او هذا المقترح, بعبارة أخرى يجب أن نحمي سياساتنا المتعلقة بالعنصر البشري من الاجتهادات والمقترحات الشخصية التي عادة ما ترتبط بالأهواء والرغبة في تحقيق المكاسب الشخصية أقول ما تقدم كمقدمة لموضوع مهم خاصة في هذه الأيام التي تواجه فيها الجامعات والكليات المتخصصة الأخرى أعداداً هائلة من المتخرجين الراغبين في مواصلة دراستهم الجامعية وبالشكل الذي يفوق المتاح من المقاعد الدراسية ماذا سيفعل الشباب الذين لم يستيطعوا الحصول على مقعد دراسي؟ وإلى أين ستكون وجهتهم؟ وما الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع المر؟ أسئلة عديدة يمكن مناقشتها من خلال التعرض لعناصر المشكلة على النحو التالي:
أولاً: خريجو الجامعات
على الرغم من بروز بعض الأصوات التي تدعي وجود فرص العمل كافية لاستيعاب الأعداد المتخرجة للتو من الجامعات والكليات المتخصصة الأخرى إلا أن الواقع يفرض على العاقل عدم قبول هذه الأصوات نتيجة لوجود أعداد متراكمة من الخريجين خارج أسوار سوق العمل سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص مما يعني وجود ظاهرة البطالة المفتوحة التي يعرفها الاقتصاديون بأنها الحالة التي يكون فيها الأشخاص قادرون على العمل ويرغبون في العمل في مقابل الأجر الشائع في السوق والمدفوع لمن هو مثلهم من حيث القدرة والكفاءة ولكن لا يستطيعون الحصول على فرص عمل.
وهنا أعتقد أن أهم الأسباب وراء بروز هذه الظاهرة تأتي على النحو التالي:
1- التقلبات الاقتصادية المحلية والاقليمية والعالمية وما نتج عنها من ركود اقتصادي مؤثر أدى إلى انحسار الأنشطة الاستثمارية وفرص العمل المتاحة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.
2- سياسة الاستقدام المفتوحة التي فرضت على عنصر العمل السعودي بيئة تنافسية غريبة لم يكن لها أن تكون لو نجح المخطط وصانع القرار في قراءة المتغيرات الاقتصادية السائدة ابان الطفرة الاقتصادية التي شهدت طلباً متزايداً على جميع عناصر الانتاج وبشكل خاص على عنصر العمل, إضافة إلى ذلك، فقد ساهم غياب المنطق الاقتصادي السليم في تغليب نظرة البعض التي ركزت على الحرية الاقتصادية المكفولة لجميع العناصر النشطة في الاقتصاد السعودي واعتبرت ذلك مبرراً للدفاع عن حقها في الاستقدام متى ما كان قرارها الاستثماري يتطلب ذلك بغض النظر عن العوامل المؤثرة الأخرى, لقد ساهمت سياسة الاستقدام المفتوحة في إيجاد سوق عمل سعودي يتميز بالخبرة القليلة والتكلفة العالية وسوق عمل أجنبي يتميز إلى حد ما بالخبرة والتكلفة القليلة مما جعل المستثمر السعودي في خيار بين المواطنة التي تتطلب توظيف العامل السعودي وبين الرشد الاقتصادي الذي يتطلب توظيف العامل الأجنبي, وهنا أعتقد أن معادلة تعظيم الربح قد افترضت الرشد الاقتصادي ولم تفترض المواطنة مما يعني ان المستثمر لن يجد صعوبة في تغليب خيار توظيف العامل الأجنبي لكونه الخيار الأنسب اقتصادياً, إذاً يجب ان نعترف بأن العقبة الكبرى في وجه توظيف العامل السعودي تتمثل في وجود فئتين من العمالة في سوق العمل السعودي كما يجب أن نعترف بأننا لن نحقق أي تقدم في هذا المجال ما لم نستطع إذابة الفوارق الكمية والنوعية بين هاتين الفئتين أو ما لم نستطع التخلص من إحدى الفئتين, وهنا أيضاً لنا الخيار إما أن نتخلص من الفئة التي لها حق البقاء أو من الفئة التي لاحق لها في البقاء وهنا أيضاً لنا الخيار إما أن نغلب المصلحة العامة ونحفظ للبلد ومواطنيه الأمن الاقتصادي والسياسي المنشود أو أن نحمي مصلحة المستفيدين المدافعين عن بقاء العمالة الأجنبية.
3- السياسة التعليمية غير المناسبة التي لم تأخذ في اعتبارها حاجة السوق ومتطلبات التنمية عند صياغتها لأهدافها واستراتيجياتها ومناهجها التعليمية لا أعتقد أن عاقلاً قد يرى بعدم أهمية التعليم ولكن أعتقد أن كل العقلاء يتفقون على أن التعليم بدون هدف يكلف الكثير من الأموال ويسهم في لخبطة أوراق التنمية وتقدير متطلباتها, لقد انفقت الدولة حفظها الله الأموال الطائلة على التعليم بجميع مستوياته رغبة منها في تحقيق مخرجات قادرة على خدمة وطنها الخدمة المتميزة التي لا تحتاج معها إلى الآخرين ولكن المتابع يرى بأن القطاع الخاص يشتكي كثيراً من عدم قدرة مخرجات التعليم على الوفاء بمتطلبات العمل مما يدفعه إلى الاستمرار في الاعتماد على العمالة الأجنبية, وهذا بطبيعة الحال يعطينا انطباعا أوليا على أن مشكلة البطالة المفتوحة ناتجة أيضاً عن سياسة التعليم المتبعة التي أعتقد أنها أعطت الكم الكثير من الاهتمام وتناست الكيف مما ولّد أعداداً كبيرة وغير فاعلة من مخرجات التعليم.
4- عجز الجهات المعنية عن تقدير الحاجة الحالية والمستقبلية لسوق العمل من التخصصات المختلفة مما ساهم في تظليل الكثير من أبناء البلد واتجاههم إلى تخصصات غير مطلوبة من قبل القطاعين العام والخاص.
وعليه نستطيع القول إن معضلة التوظيف ليست مشكلة وقتية تحل بجرة قلم أو بحماسة صانع قرار ولكنها مشكلة لها أسس تاريخية وتنظيمية نحتاج معها إلى مراجعة الكثير من سياساتنا المحلية حتى نستطيع إعادة هيكلة سوق العمل بالشكل الذي يحقق التوظيف الكامل لعنصر العمل السعودي.
ثانياً: خريجو الثانوية العامة وما يعادلها
أعتقد أن المجتمع السعودي يعي معاناة أبنائه الطلبة الذين يتنقلون من جهة تعليمية إلى أخرى يبحثون عن مقعد دراسي يكفل لهم البقاء مؤقتاً خارج إطار البطالة المفتوحة, وهنا أعتقد أن المشكلة تبدو أكثر حدة لأننا نفقد ثروة وطنية هائلة إذا نحن لم نحسن استغلال طاقة الشباب السعودي وفي المجالات الأكثر ملاءمة لحاجة سوق العمل السعودي, ولكن ما الوجه الحقيقي للمشكلة؟ هل هو في عدم وجود مقاعد دراسية تكفي لاستيعاب كامل الأعداد المتخرجة؟ أم هو في عدم وجود البديل المناسب للدراسة الجامعية؟ أم في عدم وجود فرص عمل مناسبة لحملة الثانوية العامة؟ يمكن الإجابة على هذه التساؤلات من خلال النقاط التالية:
1- النظرة الاجتماعية الخاطئة التي ترى أن التعليم الجامعي حق للجميع يجب العمل على توفيره بغض النظر عن تكلفته المالية والبشرية وبغض النظر عن معطيات ومتطلبات الخطط التنموية.
وهنا أعتقد أن استجابتنا لهذه النظرة الاجتماعية قد قادتنا إلى واقع تعليمي بمخرجات بعيدة كل البعد عن متطلبات سوق العمل, لقد حققنا الاكتفاء الذاتي من بعض التخصصات ولكن باب القبول فيها مازال على مصراعيه مفتوحاً أمام خريجي الثانوية العامة نشتكي من نقص حاد في بعض التخصصات ومازال القبول فيها محدوداً بحجة نقص الموارد البشرية والمادية.
أعتقد أن المصلحة الوطنية تقتضي المحافظة على مواردنا البشرية من الضياع في غياهب التخصصات غير المطلوبة كما اعتقد أن أنظمتنا المالية لا تتسم بالجمود الذي لا يسمح بمناقلة الموارد المالية من تخصص إلى آخر ومن حين إلى آخر تبعاً لحاجة السوق ومتطلبات التنمية, يجب أن نعي أنه كلما كان المورد البشري متخصصا قلت فرص العمل المتاحة أمامه وبالتالي فإن الخطأ في اختيار التخصص يعني البقاء خارج أسوار العمل, إضافة إلى ذلك فإن بقاء الطالب على مقاعد الدراسة لمدة أربع سنوات على الأقل وفي تخصص غير مناسب لا يعني أننا أوجدنا الحل المناسب للمشكلة الأم، ولكننا بالفعل استطعنا أن نؤجل مواجهة المشكلة وأنفقنا في سبيل ذلك الكثير من مواردنا المالية النادرة, يجب أن نعي أن مشكلة البطالة لا تحل بالمهدئات ولا بالحلول المؤقتة لكونها مشكلة تراكمية لها آثار عديدة ومتعدية وبالتالي يجب أن نكون أكثر وضوحاً في تحديد حاجتنا من عنصر العمل وأكثر وضوحاً في مواجهتنا للمشكلة وأكثر دقة في تحديد التخصصات المطلوبة بعيداً عن النظرة الاجتماعية الخاطئة.
2- عدم وجود البديل المناسب لاستيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الثانوية العامة أو ما يعادلها مما جعل التعليم الجامعي البديل الوحيد المتاح وهنا لا أقلل من دور المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني ولكن الخدمات المقدمة من قبل هذه المؤسسة مازالت قليلة نسبياً وبالتالي يجب ألا نلوم المواطن السعودي الذي يسعى بكل ما أوتي من وسيلة لتأمين مقعد وأي مقعد في جامعة وأي جامعة أو أي كلية لكونه يعلم مسبقاً بأن مصير ابنه البقاء في المنزل إن لم يستطع الحصول على مقعد دراسي, فحتى نستطيع تخفيف الضغط على الجامعات والكليات المتخصصة الأخرى يجب أن نعمل المستحيل لتأمين البديل المناسب خاصة في المجالات الفنية والمهنية المتوافقة مع متطلبات سوق العمل السعودي.
3- عدم وجود فرص عمل مناسبة لاستيعاب خريجي الثانوية العامة أو ما يعادلها مما زاد من الطلب على التعليم الجامعي ومن الضغط على الجامعات, وهنا أعتقد أن سياساتنا العمالية تحتاج إلى إعادة نظر حتى تستطيع حماية شبابنا من المنافسة ا لشرسة التي فرضها عليه التواجد الأجنبي في سوق العمل السعودي, وقد يقول قائل ان الشاب السعودي لن يعمل في المهن والحرف التي يعمل بها العامل الأجنبي ولهذا أقول بأن الواقع الاقتصادي الحالي قد هذب النظرة الاجتماعية لهذه المهن ولكن كيف للمواطن السعودي أن يعمل في ظل الحرب الشرسة التي يشنها عليه العامل الأجنبي وتكفي زيارة واحدة لأسواق الخضار المنتشرة في المدن السعودية لنتعرف على حالة احتكار القلة التي تفرضها العمالة الأجنبية على السوق مما أدى إلى طرد أو منع دخول العامل السعودي.
4- عدم تمكين القطاع الخاص من أداء دوره في توفير الخدمات التعليمية مما أدى إلى الضغط على التعليم الجامعي الذي يقدمه القطاع العام, وهنا اعتقد أن التأخر في فتح المجال أمام القطاع الخاص سيكلفنا الكثير من الإنفاق الحكومي الذي يمكن تحويله إلى مجالات أخرى ذات عائد ومردود اجتماعي ووطني أكبر, إضافة إلى ذلك فإن إعطاء الفرصة للقطاع الخاص سيكفل الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة والاستثمار في المجالات التعليمية التي تتوافق مع متطلبات سوق العمل لكونه لا يعطي اعتبارا مؤثرا للمتغيرات غير الاقتصادية التي عادة ما تؤثر على سياسة التعليم العام.
* أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
الاســـواق
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الادارة والمجتمع
الاقتصـــادية
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved