عزيزتي الجزيرة
كان,, يا ماكان في تلك الايام البعيدة حيث لا يوجد اعلام مرئي او مسموع,, كانت كل منطقة في الجزيرة العربية وبلاد الخليج العربي تتميز بلهجة خاصة ترسم الاطار الاقليمي للمتكلم وتحدد كنه الشخصية وتؤكد على الاصالة العربية والانتماء.
وكانت هذه اللهجات تتفرع بتحوير بسيط محبب عن اللغة الام,, لغة القرآن الكريم في اغلب الاحيان,, فقط حاول ارجاع الكلمة الى اصلها,, فتجدها كلمة عربية الى النخاع.
وقلما توجد مفردات دخيلة على لسان العامة وان كانت توجد بشكل بسيط في اغلب مناطق مرور الحجاج والمناطق الساحلية والتجارية.
ومع بدايات انتشار الاعلام الصوتي المذياع في الاربعينات والخمسينات تمكنت بعض المفردات العامية المصرية غالباً من اقتحام الآذان والالسن ولو انها كانت بصورة متحفظة جداً لا يستطيع العامة المجاهرة بها.
وقد اعتمدت اللهجة المصرية على اسس ايجابية ذات شأن للانتشار كاغاني ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب اضافة الى قنوات الاذاعات المصرية التي كان لها السبق والتميز.
وابتدأ دخول المسميات الاجنبية لعموم المخترعات الحديثة التي فشل الافراد في ايجاد اسماء عربية لها اضافة الى اصرار مجمع اللغة العربية على اختيار اسماء لا تؤدي الغرض مثل دركسون- بطاريه- كلتش- ونش- اتريك- تليفون .
ثم اتى الرائي في الستينات ليدخل الى البيوت ويتحادث طويلاً مع اهلها ويردد الالفاظ الغريبة التي مالبثوا ان عرفوا معناها,, واستخدموا بعضاً منها سواء كانت شامية او مصرية او سواها على نطاق محدود وعلى استحياء.
ثم تأتي السبعينات مع دخول الفيديو الى معظم المنازل بسيل جارف من الافلام والمسلسلات والاغاني والمسرحيات المليئة بالكلمات والجمل والامثال المصرية التي بدأت تتردد على الالسن علانية وخصوصاً مع وجود اعمال فنية متقنة مثل مدرسة المشاغبين حيث اصبح الشارع ولفترة طويلة يردد جميع الافيهات والنكات بلهجة مصرية شملت افراد الاسرة.
ولم تعد آنذاك اللهجة المصرية مستغربة او غير مفهومة في المدرسة او البيت او الشارع.
واستمر الوضع على ماهو عليه مع وجود محاولات جيدة للسيطرة على الوضع ببرامج ناطقة باللغة العربية مثل افتح يا سمسم وغيرها, غير ان المحاولة ما لبثت ان اصيبت بالفتور.
حتى اتت الاقمار الصناعية مع تزامن عودة الاستقرار الى بيروت فانتشرت اللهجة اللبنانية بشكل انفجاري انشطاري لم تستطع اي لهجة اخرى الصمود امامها.
حتى انك تجد قنوات كاملة تبث من الخليج او تبث من الخارج للخليج بطاقم لبناني صرف يمتلك من ادوات الجذب الكثير,, ويغرق في اختيار الالفاظ اللبنانية المصاغة بأسلوب رقيق واثق.
وتفتقت اذهان اهل الجزيرة والخليج عن قدرات عجيبة لاستيعاب ما يقال مهما اغرق في الاقليمية مثل كيف وليش اسماع,, اقشاع فشة خلق,, شوهيه الغنية,, من هلا عابكره وغيرها وتعدى ذلك لنبدأ في ترديد بعض الكلمات الاجنبية بنجورين,, مرسي,, بنصوار,, تكت علينا فيزا عليك! وغيرها وغيرها,.
وازداد سيل الاختراعات وتقبلناها بأسمائها حرفاً حرفاً فاكس- فيديو- تيلكس- رسيفر- كبيموتر- بيجر وغيرها.
ومازال ذلك يتراكم بصورة مستمرة مركزة على آذان وعقول اجيالنا الحالية والقادمة، اضف الى ذلك كلمات عابرة يلتقطونها عن لسان راعي البقر او الرفيق او عمال وعاملات المنازل على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم.
هل هذا المسخ الكلامي هي اللهجة التي نحلم بها لاطفالنا او لأجيالنا القادمة؟
هل ستتفاقم المشكلة مستقبلاً فلا نستطيع ايجاد لغة مشتركة مع احفادنا نقية من الشوائب؟
هل ننتظر حتى تتكسر لغتنا,, وتتغير ملامحها وتصاب بالوهن,, والشحوب والمرض؟
اين الاعلام الخليجي المشترك؟,, اين اللغة العربية الام,, التي يطرب لها,, ويفهم مغزاها العربي في الجبل والوادي والصحراء وعلى الشاطىء؟
سؤال هل له من جواب؟
د, شاهر شاهر النهاري