Monday 5th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 21 ربيع الاول


من الاثنين إلى الاثنين

العاشرة صباحاً في مكتب أنيق لمدير عام,, رجل أنيق في الأربعينيات يقرأ باهتمام,, يؤشر,, يوقع,, يضع بعض الخطوط تحت بعض الأسطر,, صوت هاتف داخلي,, محادثة سريعة,, يدخل شاب جامعي في العشرينيات,, مصافحة عادية,, يقدم الشاب إلى المدير بعض الأوراق,, يحدث الرجل نفسه ما شأني ,,؟
الشاب يطلب وظيفة وشؤون العاملين في الطابق السفلي,, ودون أن يرفع رأسه يهم بارسال الشاب مع أوراقه إلى الإدارة المعنية وقبل أن ينطق ينظر إلى الشاب فتتوقف الكلمات قبل أن يقولها,, إنه يعرف الشاب,, نعم إنه يعرفه، ينظر مرة أخرى إلى الأوراق ليجد إنه يجهل اسم الشاب وعائلته,, قطعاً إنه التشابه العجيب بين الناس، لنفترض ذلك جدلا,, لكن هذا الفم الصغير الذي يوحي بأن صاحبه يهم بابتسامة عذبة وهاتين العينين اللامعتين,, إنني أعرفها نعم أعرفها,, إنها لم تمر بي مرورا عابرا يا لضعف ذاكرتي,, كل ذلك كان يدور في مخيلة المدير وهو يتظاهر بقراءة أوراقه,, وحتى يعطي نفسه مجالا لمعرفة هذا الشاب طلب منه مراجعته بعد أسبوع مستبقيا جميع الأوراق معه.
يتعب من البحث عمن يشبه هذا الشاب ويكتب عجزه,, يلتفت إلى جهاز الراديو على يمينه ويديره لينطلق صوت أم كلثوم في ثنايا برنامج منوع فكروني ازاي هو أنا نسيتك وكعادة هذه الأغنية التي تحدث لديه شيئا من الارباك كلما سمعها,, وربما لاحظ من يجلس معه:
من يضيّع عشقته ضيّع القبله
الله أكبر ينعش الروح طاريها
كلما أبعد قمت أوصي وانجب له
دايمٍ رجلي على الدرب محفيها
الثالثة بعد الظهر ومزيج من ذكريات وأوجاع الأمس وحادثة اليوم الغريبة تتقاذفه وتأكل الدقائق بنهم, رنين هاتف,, يبدو أنها زوجته,, آه نعم دقائق وأكون معكم.
في الطريق إلى منزله يقف عند إحدى إشارات المرور طويلا ولا ينتبه إلا على أصوات منبهات السيارات تحثه على السير,, يجلس إلى مائدة الغداء بغير رغبة على عكس عادته,, يحاول أخذ قسط من الراحة ويتعذر عليه ذلك، يذهب مرة اخرى إلى المكتب يلهو في بعض الأوراق التي يلهو عنها بأفكاره,, في الثامنة يتناول أوراق الشاب ويمد يده إلى الصور,, يدس واحدة منها في جيبه ويخرج متجها إلى استراحته الخاصة وفي طريقه يشتري شريط فكروني يمتد به البقاء هنا إلى ما بعد الحادية عشرة ليلا,, يحاول النوم دون جدوى فقافلة من الذكريات تمر أمام عينيه اللتين أقفلهما ظاهريا,, يصحو مرهق الوجه والجسد ويذهب متأخرا على غير عادته,, ويفاجأ بعدد من المعاملات والزوار والذي يسهم في طرد هواجسه قليلا وما بين الورقة والورقة والمكالمة والمكالمة واللقاء واللقاء يعود إلى ذكرياته:
لو اتجلد وآخذ الصبر بعزوم
قلبي يخالف شوفتي لو عذلته
وإن صحت مما شفت مانيب مليوم
حمل العنا من هول ما شفت شلته
يحاول الخروج من دائرته,, وذكرياته العتيقة التي تجددت,, بلوم نفسه هل يسمح له مركزه الوظيفي بذلك,, موقعه الاجتماعي كأب وكقدوة يلاحظ أنه يفسد بهذه الأفكار هاجسه المتعب والعذب في آن معاً,.
ياما على فقدك زعلت وتعومست
ليهزني لك بين الأضلاع رواد
وين أنت عن عيني تنحيت وأرمست
ما عنك رداد الخبر يا ابن الأجواد
تلازمه تلك الحالة لعدة أيام,, تباغته زوجته بسؤال عن حالته التي تبدلت,, يعزو ذلك لكثرة المشاغل والمشاكل البسيطة في العمل والتي لن تلبث أن تزول، يقول ذلك وهو يحاول ألا ينظر إليها مباشرة خوفا من رؤية الصورة العذبة التي تتراقص في عينيه من ذكريات الأمس البعيد:
جدد العهد وأرجع يا الحبيب العنيد
إن رضى عاذلك والا بعد ما رضى
انت غالي وحبك كل يوم يزيد
من ينابيع قلبي منهلك ما قضى
وقبل الموعد الذي أعطاه للشاب بيوم واحد وهو في غمرة العمل يسمع صوت الهاتف الخاص، يتجاهله حتى يسكت وبعد دقائق يعاود الرنين وبالحاح هذه المرة يتناول السماعة بلا مبالاة وإذا بالمتكلم صوت محبب إليه جداً إنها اخته القريبة جدا إلى قلبه دون اخواته الأخريات,, يتبادلان التحايا والسؤال عن الحياة والأولاد والعمل,.
وتسأله وفي لهجتها شيء من الخبث:
- بالطبع أنت على موعد جميل في الغد,, مين قدك ,,؟
يستغرب من سؤالها الذي كان يعتقد إنه لا مبرر له,.
- وأي موعد تتحدثين عنه,,؟
- موعد الشاب الذي زارك قبل أيام يطلب العمل في الشركة,, لن أصدقك لو أقسمت إنك لم تعرفه ,,؟!
- بالفعل لم أعرفه برغم إنه يسبب لي حيرة كبيرة منذ أن رأيته,, وما دخلك به,؟
- يا خسارة ,, بهذه السهولة تنسى أهم الناس,.
- ,, أي ناس ,,؟؟
إنني في حيرة,,!!
- ألم تلاحظ الشبه بينه وبين فلانة,, إنه ابنها البكر,,!!
وقبل أن يستأذن من أخته يقفل الخط ويعود إلى أوراق الشاب ويرى حبيبة وخطيبة الأمس وتلكما العينين اللامعتين والفم الصغير,, وتعود به الذكريات مرة أخرى حين تقدم إلى ابنة الجيران وشريكة الطفولة خاطبا,, وموافقة الأهل وهو في السنة الثانية من دراسته الجامعية إذ لم يتبق على زفافه إلا عدة اشهر حين دب الخلاف بين العائلتين على أرض زراعية أوصلهما إلى المحاكم وقطع كل أواصر الصلة بينهما وإلغاء الخطوبة وصدمته التي لم يخرج منها إلا بالهرب إلى الخارج لإكمال دراسته الجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية.
* هامش:
الأبيات من كتاب ديواني لعبدالله السياري.
علي المفضي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
الاســـواق
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الادارة والمجتمع
الاقتصـــادية
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved