Saturday 10th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 26 ربيع الاول


العولمة اصطلاح عائم وهدف محدد
أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري

قال أبو عبدالرحمن: من يستعمل كلمة التناقض استعمالا عاميا عاديا صحفيا بغير معناها العلمي المنطقي ذي الشروط الثمانية: قد يظن أن في هذا العنوان تناقضا، فكيف يكون المدلول عائما، ثم يكون الهدف - الذي هو غاية المدلول - عائما؟!,, ولا يضيرني ان يعيش بعض القراء على هذا الاستغراب ريثما تعنُّ مناسبة للحديث عن بواعث الهدف المحدد التي اتخذت من مصطلح العولمة أداة تضليل.
والعولمة نسبة الى العالم البشري تعني - كما ينبغي ان يكون الاصطلاح، لا كما هو كائن - كل إنساني مشترك في الافكار والمشاعر والبنى (جمع بنية) الفطرية، وأدوات الاستعمال كالكهرباء والطائرة والساعة، فكلها عالمية,, ولكن مصطلح العولمة لا يعني شيئا من ذلك إلا بقدر ما يحتاج إليه التضليل، وإنما تعني - هدفا لا مضمونا اصطلاحيا - فرض سيادة أوضاع منها العالمي، ومنها الذاتي، ومنها ما يستحيل طبعا ان يكون عالميا، ومنها ما يرفضه العقل والنظر.
وفي اصطلاح العولمة المضطربة انماط من السلوك تمتشج من العلم والثقافة والذوق والاقتصاد والسياسة,, إلخ، فالأيدي العاملة لتكون عالمية لا بد لها من التحرر من حدود الاقليم، والوطن، والدين أو أي انتماء,!!,, وقل مثل ذلك عن حركة السلع، والخدمات، وتداول رأس المال، والشركات التي لا يربطها - تأسيسا وتوظيفا - أي انتماء متميز محدود,, وتسمى ايضا كونية، فيقال: السوق الكونية,, وتوصف قوى السوق بأنها عالمية.
قال بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة سابقا: ثمة عولمات عديدة في مجال المعلومات والبيئة والعمال، وعولمة في مجال المخدرات والأوبئة والجريمة التي صارت تتعاظم في المجالات المختلفة (1) .
قال أبوعبدالرحمن: جرائم عصابة المافيا مثلاً ليست من الإنساني المشترك، لأنها ضد العقول والدين والفطرة السوية، وإنما جاء معنى العولمة من تكوينها من عدة أقاليم وأمم، فعولموها تجوزا.
أما الهدف الذي اصطنع مصطلح العولمة تضليلاً فيعني هيمنة الدولة القطبية الواحدة في الدرجة الأولى، وهيمنة حلفائها الأقوياء في الدرجة الثانية,, ولما سقطت روسيا الشيوعية صارت العولمة تعني سيادة الإمبريالية، وسقوط التعدية القطبية,, أي أمركة العالم، وإن لم يكن كل امركة من الإنساني المشترك، يساهم في العولمة الحلفاء الأقوياء من اوروبا لأنهم سدنة النظام العالمي الجديد، ومضمونه الهيمنة على الموارد إيرادا وتصديرا، والتحكم في القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والقانوني,, إنه نظام قسري يجعل ما ليس بعالمي عالميا، وينفي الآخر، ويذيب الحدود,, قال الاستاذ محمود طه شيخه: فالعولمة تحبذ فكرة توسيع الحدود، والسماح بحرية انتقال الأفراد ورأس المال والسلع والتقنية (التكنولوجيا) والاستثمار، وزيادة نظريات الاعتماد المتبادل والتفوق النسبي الاقتصادي,, والعولمة أفرزت ظاهرة الشركات العابرة للقارات، والشركات المتعددة الجنسيات,, وهي في مجال السياسة تطرح قيما معينة في الحكم، لفرضها على الدول المختلفة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان،، إلخ.
ونقل محمود قول جيمس روزينو عن حركة العولمة أنها تسير الى التغيير في طبائع البشر، وتحرير الفرد من قيوده، وتعديل نظام الدولة، وعدم التقيد بالحدود الجغرافية، فيمكن العولمة الانتشار عبر اتجاهات متعددة عبر الحدود الوطنية، والدخول الى أي مجتمع في العالم لتوحيد الافراد والجماعات والمؤسسات، وتعبئتهم في شكل عمل واحد، وتوحيد قوى العمل القادرة على هذه التعبئة (2) .
قال أبوعبدالرحمن: تحرير الفرد من قيوده عولمة وعلمانية (3) في آن واحد، واللفظان مادة واحدة، واشتقاق واحد، وهدف واحد,, إلا أن العلمانية تتظاهر بعدم الارتباط بأي دين، والعولمة إنجيلية فيما يظهر لقادتها، ولكنها تلمودية على ما تراهن عليه الصهيونية في الخفاء,, وقد أضاف الدكتور محمد عمارة عناصر علمانية لم تكن على بالي حينما حررت مصطلح العلمانية وكان ذلك على سبيل التقصي، فقد جعل مضمونها هو الدنيوي والواقعي والعالمي، وعلل ذلك بقوله: العلمانية نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفيا بذاته تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه (4) ، فالعالم والواقع والدنيا هي مرجعية التدبير للاجتماع الإنساني والدولة والحياة، ومن ثم فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست في حاجة الى مدبر (5) من خارج هذا العالم، ومن وراء هذه الطبيعة (6) .
وذكر الدكتور عمارة ان للعلمانية تيارين:
(أ) تيار مادي ملحد طمح إلى تحرير الحياة - كل الحياة - من الإيمان الديني,, وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار.
(ب) تيار مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق، فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين مع بقاء الإيمان الديني علاقة خاصة فردية بين الإنسان وبين (7) الله,, ومن فلاسفة هذا التيار هو بزولوك وليبينتز وروسو وليسينج (8) .
قال أبو عبدالرحمن: الإيمان بالخالق إيمان بأوحديته في القدرة والعلم، فأي إيمان يبقى إذا نزع نظام الله الديني عن خلقه الطبيعي,؟! إن التيارين كلاهما ملحدان,, والإيمان يتفاضل ويزيد وينقص من ناحية درجة اليقين وكمية العمل وكيفيته، ولكنه لا يتجزأ في علاقته بما يجب الإيمان به، فإذا حصل الإيمان بالله وجب الإيمان بدينه، فلا ينوب إيمان عن إيمان.
وإن من صور العولمة فرض العلمانية بقوة القانون الوضعي الواحد، وسياط الارهاب والتسويل الإعلامي عن سحر الديمقراطية، وحقوق الإنسان والحيوان، وحرية الشهوات والشبهات، وكسر حاجة الالتزام البرهاني بسحر ثالوث الحرية والمساواة والعدالة,!!
إن ما هو عالمي قد يكون عالميا حقيقة من الفطرة الجبلية المشتركة في ضرورات الفكر والغرائز، وقد يكون مجازا لأغلبيته في الاستعمال، وتعدد العوالم المتفوقة التي أنجزته، وكونه سبيلا للاتصال بالعالم كله - وإن لم يرق للعالم كله - مثل اللاسلكي والقنوات الفضائية,, قال الاستاذ محمود طه شيخه: ما يستحدثه العلم من نظريات في أمة من الأمم يلقى الاتفاق عليه في بقية الأمم، بحيث لا يضير واحدة من الأمم أن تفيد من منجزاته الحادثة، في أمة اخرى (9) .
قال أبو عبدالرحمن: المعلوم اكتشافا قد يُختلف في تعيين علته الكافية بين المؤمن والكافر، فليس هو عالمياً من هذا الجانب,, والمعلوم صناعة قد يُختلف في ضرورة أو كيفية استعماله وتوظيفه، فليس هو عالميا من هذا الجانب,, ولكن العلم بشقيه الكشفي والصناعي حقيقة ملموسة غير مختلف في وجودها، فهو عالمي حقيقة,, وقد تقتنيه وتوظفه وتعلله تعليلا ماديا في جمهرة عوالم تقدمية، فيكون عالميا مجازا.
إن العولمة اصطلاح مضلل تقنع بلفظ يدل على الكلي الإنساني المشترك، وعلى ما ينبغي بالبرهان ان يكون عالميا مشتركا,, ولكن المراد فرض ما ليس بعالمي لغاية تمليها روح العظمة والتسلط، ولغاية ميتافيزيقية تبدو للصليبية، ولغاية ميتافيزيقية اخرى تراهن عليها الصهيونية,,,ولكل ذلك حديث يأتي إن شاء الله، ولهذا وردت ومضات تنفي ما كان عالميا من ممارسات العولمة,, قال الاستاذ محمود طه بعد تلخيصه لبعض افكار نبيل زكي الخبير المتخصص في الدراسات الدولية في بحثه: ايديولوجية الهيمنة على العالم - : فالعولمة إذن ليست مجموعة من العمليات تغطي الكوكب، او مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي (10) .
وينقل عن المفكر السوري صادق العظم: ان العولمة - في إطار النمط الحضاري - ليست مجرد انتشار المعلومات، او تذويب الحدود بين الدول، او زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات (11) والمؤسسات، وليست هي سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع والخدمات والنقود وأشكال السلوك والتطبيقات بين الدول على النطاق الكوني,, وكذلك فإن العولمة ليست مجرد تعميق في مستوى التفاعل، والاعتماد المتبادل بين الدول والمجتمعات,, وليست تداخل الصناعات عبر الحدود، وإعادة تنظيم الإنتاج، وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول,, ولو كانت القضية ما ذكر لما ظهرت الهواجس والمخاوف من آثار هذه العولمة ,, ثم انتهى الى تفسيرها بالأمركة (12) .
قال أبوعبد الرحمن: الهواجس والمخاوف هي ما سأبحثه إن شاء الله في عناصر معادلات العولمة.
وأما الأمركة فقد أسلفت انها صفة أغلبية مشاركة بالحلفاء التقدميين، وأسلفت أن العولمة والعلمانية ذات هدف واحد، وذلك في العولمة يقتضي التوحد عالميا على ما يُرَفِّهُ الدولة أو الدول القطبية، وذلك بمنطق تحليلي ونفعي,, ويعني - في العولمة والعلمانية - بمنطق أيدلوجي التبشير بدين واحد، والتحييد عن الأديان المعارضة ولو بالإلحاد والإباحية,, وذلك الدين الواحد ذو بُعدَينِ في الميتافيزيقيات الصليبية والصهيونية.
وكانت العولمة في كثير من عناصرها تلقائية بناء على سنة الله الكونية في تقليد الضعيف للقوي، وبناء على حاجة الضعيف الى الأقوى، وبناء على غريزة استملاك واستهلاك الأجود والأجمل,, ولكن من يدري ان تسلط العولمة إعلاما وضغوطا وتدبيرا قد ينتج اعتزازا بالمحلية وارتدادا إليها حتى في الأمور الشكلية التي كانت تلقائية,؟!,, ولعل احتمال أيِّ جواب يكون ضمن عناصر النبوءات أو التنبؤات العولمية والله المستعان.
***
* حواشي :
(1) مجلة الفيصل العدد 125271 - 126 عن فخ العولمة، ومجلة المعرفة السعودية عدد 46 ص 97.
(2) مجلة الفيصل عدد 269 ص 18.
(3) قال أبوعبدالرحمن : حققت مدلولها لغة واصطلاحا في احد كتبي المطبوعة، واظن ان ذلك في كتابي الحق الطبيعي وقوانينه .
(4) قال أبوعبدالرحمن: ولكن من الموجد أولا، والمودع ثانيا؟!
(5) قال أبوعبدالرحمن: وهل أحق بالتدبير، وأقدر عليه من الموجد المودع؟
(6) جريدة الجزيرة عدد 9740 في 15/2/1420ه، بعنوان العلمانية هل لها عندنا مكان ص 13.
(7) قال أبو عبدالرحمن: بين لا تكرر في مثل هذا الموضع وانما تكرر مع الضمير، ومع طول الفاصل.
(8) جريدة الجزيرة في العدد المذكور آنفا.
(9) مجلة الفيصل العدد 269 ص 16.
(10) مجلة الفيصل عدد 269 ص 20.
(11) قال أبوعبدالرحمن: الجماعات جمع جماعة، وهم من يربطهم ربط مؤقت، أو دائم ولا يجمعهم وطن,, والمجتمعات جمع مجتمع، وهم من جمعهم إقليم: فإن كانوا متجانسين، فهم مجتمع وجماعة، وإن كانوا متباينين فهم مجتمع وجماعات.
(12) مجلة الفيصل 269 / 21 - 22.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved