Saturday 10th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 26 ربيع الاول


أناشيد مبللة بالحزن

نال هذا الديوان جائزة عبدالوهاب البياتي من بين تسع وسبعين مجموعة شعرية تم قبولها للمشاركة الرسمية ومجموعة الشاعر الشاب عيسى الشيخ حسن وهو ابن محافظة الحسكة، مدينة القافلي حيث تعد المجموعة الشعرية محاولة اخرى في محاورة نشيد الانسان الخالد، الحزن بلغة بسيطة لاتسرف في اوهام الاكتشاف، بل تنطوي على دلالات واضحة تكشف بها عن ارهاصات الروح بايقاعات يقارب بها صوت الشاعر اصوات وأشياء العالم.
استند الشاعر الشاب على ارضية فكرية راسخة، مستفيدا بنجاح من آصرة واضحة مع تراث القصيدة العربية، بعيدا عن المفردات الاعجمية التي لم تعد تأنس بها الاذن او يستسيغها الذوق، ولذلك كانت مفردات الديوان خاصة بصاحبها، مما قد تدفعه الى مكانة متميزة ينفرد بها في عالم الابداع عبر شفافية رائعة، ومشاعر عضوية صادقة، ولكن الطابع العام للديوان يتشح بثياب الحزن والكآبة والقلق، وهذه السمات السوداوية على ما يبدو ملازمة لشخصية الشاعر، وتعبر عن اصطراع العواطف والانفعالات في داخل نفسه كما يبدو في خاتمة ديوانه عبر قصيدته بيان .
قرائي خمسه
أمي حين تلامس حزني
وتفتش في روحي عن نكسه
وصديقي يقرؤني كي يتذكر نفسه
ورقيب يتصيد اخطائي المندسه
وأنا، آه من ولدٍ أهمل درسه
مما لاشك فيه، يلاحظ القارىء في هذا المقطع الشعري الغنائية المحببة، وفق ألفاظ سلسة، رقيقة، عذبة المعاني.
وتتوزع الومضات الشعرية في بساتين ديوانه ليؤكد لنا على قدرته في التكشيف، ثم بعد ذلك الدهشة، واستخلاص النتيجة من خلال صور فنية جميلة في مقاطع صغيرة جدا، كما في قصيدته مدخل يدخل أكواخ الوراقين
يتلمظ شفتيه
ويغني ، والشارع تفاح سيرد عليه
ان الرومانسية الحزينة تعشش في وجدان الشاعر، فلاترى في لوحاته الشعرية سوى قتامة النفس، وشحوب الوجه، ولوعة الذاكرة، وحلكة الرؤى، والألم الدفين، فالشاعر يكاد يحترق من هذه الاشجان، كما في قصيدته اغنية للضفة الاخرى :
تناسلت من حزن امي، وقلت اقرؤوني
جثوت على مكتبات الرصيف، وسطرت عيني فوق الرخام
أشد وثاق الحروف لاطلق حزني قصيا يطوف براري الكلام.
ان الابداع عند الشاعر، ينصهر فيه الوجد الانساني حيث تذوب الانا وتنصهر في الجماعة لتؤكد على الجوهر النبيل في اعماقه، وهو يشارك المتعبين بؤسهم وفاقتهم وقلقهم في قصيدته فصل في القصيدة .
على شاطىء الليل تبكي القصيدة
تَعدُّعشاء لكل الجياع
تقدم ورداً لحزن اليتامى
وفاكهة لانتظار الجنود
ونارا لمن يسهرون على صوتها الى دفئها المستريب.
من الطبيعي ان يعبر الشاعر عيسى الشيخ حسن عن ولائه لمنطقة الجزيرة السورية وان يشتل اغراسها في وجدانه من خلال توق وحنين ومحبة ووفاء وهذا ما نلمسه عند اكثر الشعراء الذين سطروا سفر الوداد للاماكن التي عايشوها، فتركت ابلغ الاثر في نفوسهم حيث نلمس ونحس بحرارة الصدق في قصيدته في الانتظار والحزن .
فاذا ما جئت مكتوبا
فغطوا أول الورد بشالي
واسألوا قمح الجزيرة
هل أتى يوماً إليه
بعض غيم من سؤالي
وتنطلق الآهات ، وكأنها حبات من الجمر تجيش في صدر الشاعر وهو يستقرىء الواقع الراهن، الواقع العربي المتردي، فالسبات يخيم على الشعوب، والدموع تتحول الى دماء، وكان من الطبيعي ان يشعر الشاعر بهذا الألم عبر قصيدته وجع
سيفنا الممتطي
فسحة في الجدار
نائم يحتفي بالصور
كلما داعبت خصره
موجة من غبار
غاب في دمعه وانتظر
فارسا من بلاد النهار.
ورغم انهار الحزن واللوعة والألم، هذه الانهار الكئيبة التي كانت تتدفق في حقول قصائده، يقف وقفة الكبرياء مع شموخ المرأة محاولا فك الحصار عن احاسيسها ويمنحها التقدير والاحترام، والمكانة التي تليق بها في قصيدته أغنيات :
فتنة من غضار
فتنة ممكنة
طفلة في دمي تنحني للنهار
وأنا افتح الأمكنة
رايه يصطفيها الحصار
وان كان للحزن مساحات واسعة في فضاء الشاعر، فهذا لايعني ان هذا التشاؤم سوف يلازم الشاعر الذي منح جائزة رفيعة المستوى تنبىء بولادة مبدع حقيقي، قادم من حقول منطقة الجزيرة السورية.
جاك صبري شماس

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved