(قطة)
قطتهم الصغيرة من خلف الشباك أغمضت عيناها بقوة ونفثت من جوفها صديداً كريها لوحدتها , جفل الصغير من بؤسها وركض لوالدته ,, تبكى إنها تبكي اقتربت الأم بكل ثقل قدمها وركلتها وعبرت , ولأنها أمه ضحك لها وعانقها وقبل قدمها وتبدد حزنه على القطة الى رغبة جميلة يمارسها كل صباح لتنشيط أقدامه الطرية,
***
عدالة السماء
الساعات الأولى من صباح هذا اليوم شديدة البرودة قالها وهو يلملم الغطاء على رجليه بحركة سريعة , فليلة البارحة مليئة بالشوق والحنين والتأنيب القارص كهذا البرد الذى يقبل قدميه, كانت عين أمه لاتبرح سماءه وصوتها الخافت مازال كالجرس فى مسمعه
فطالما ترجته ليحضر , فقط لتمسح على وجنته وتتحسس ملامحه التى لن تكبر فى ناظريها، أغمض عينيه بحرقة وعض على شفته , وزفر متأوها وضرب على صدره فكأنما
يأذن لكل ألم العالم بأن تحاصر عمره , قال آه , وكادت ان تسمع كل من في الطائرات والبواخر، وتمنى ان تكفر آهاته بعده عن والدته في عجاف سنينها, أخذ يحوم في الصالة ويزفر كأسد سقيم , وكلما أغمض عينه شعر أن ريحانها ما زال يعبق فى أنفه , آها كم أتمنى أن أراها أو المح طيفها من بعيد , آها كم اتمنى ان الف يدي على تجاعيد سنينى بيدها آها كم اتمنى ان ابكي على صدرها كطفل رضيع لو تعود,,, الليلة لو تعود ما اجمل ان نربط المستحيل بلو، ضحك وهز رأسه , منذ متى يعود الاموات لنكفر خطايانا معهم بدأت سلسلة من التساؤلات تغزو عقله , فتح النافذة لعل هواء نقيا يفترس كل هذا العذاب فى جوفه , يا إلهي قالها وهو ينظر إلى السماء وقد بدأت حمرة الشمس تدغدغها والعصافير منتشية ضاربة بجناحيها الهواء مبتعدة حيث رؤوس النخيل الباسقة كان المنظر غاية في الجمال الذى لم يتبين منها شيء، فالذكريات البائسة مازالت كسوط جلاد حاقد على قلبه , أشاح بوجهه ناحية المرأة وسأل ذلك القابع امامه هل لو عادت، وتوقف واخذ يتفحص اكثر ملامحه وبابتسامة باهتة وتنهيدة عصفت بمكامن الأمن فى جوفه الخاوية قال ما أجمل هذه الامنية , عاد لسؤاله مرة أخرى ,, هل لو عادت أمي سأجلس معها واحادثها كما كانت تريد , بدأت تفر قطرة جمر من عينه شعر بحرارتها قبل ان تسيل , هل كنت سآخذها لأداء العمرة , يا إلهي كم انا ابن عاق فمازالت اغنياتها لي عندما كنت صغيرا تتردد على مسمعي وكم هزجت لي الكثير من القصائد تأمرت الذاكرة لتسبيح أحزانه وبدأت تقذف عليه حمم الاغاني الممزوج بصوتها المبحوح، فهذا صوتها يقترب الان، تغني له بأن يكبر ويشتري لها ثوب الزرى ويحججها لبيت الله
كم أموت شوقا لرؤيتها , شيء من الوحشة اعتملت فى خاطره وحدة عنيفة بدأت تأكل جوفه , لو كان لي اخوة واخوات هل سيشاركوننى جرمى, قالها وهو يؤمن بأن اي انسان سيكون أفضل منه , نعم أخذ يؤكد عليها وهو يعض على شفته حتى بهت لونها نعم ,, نعم ,, أفضل من حديثى الجاف معها وبعدي عنها , فأي انسان آخر لن يدع أمه الوحيدة تجاهد آلامها وهو يقبع فى الظلام بثمن اسوارتها الوحيدة , بدأت الدموع تنهمر وتزداد شدة كلما تذكر كيف انها دفنت بدون ان يراها او يقبل رأسها , بدأت اطرافه ترتعش وترتعش أكثر عندما يتذكر انه وحيد بهذا المكان القارص الفسيح منذ اشهر لم يسأل عنه أبناؤه ولم يتحدث معه أحد , أخذ يسدل الرداء على قدميه المنتفضتين ويدخل يديه وبحركة سريعة يولج رأسه داخل الغطاء وهو يردد عدالة السماء ,, عدالة السماء
***
طيور الحب
كان النور خافتا والهدوء يسيل على روحها المقفرة إلامن بقايا حب عتيق وبهدوء ادارت المسجل وبهدوء وميوعة رددت مع هاني شاكر خايف لبكرة يجينا ويأخذنا من ليالينا فتح الباب بقوة عنيفة شعرت معها أن الارض تهتز , وبسرعة صارت عينها فى حمرة عينيه الساخطتين, فلمحت بهما برقا ورعدا .
اقترب من المسجل وجعل منه شرائط على جدائلها الذهبية , وبصق على وجهها وغادر ومازال الملصق يضم اول حرف من اسمها واسمه وتأريخ اول لقاء لهما قبل عشر سنوات, حيث كانت تخرجه من بين ملابسها المعطرة كلما لاح بها شوق ذكريات شفافة كتبت عليها السنون أن تبتعد.
|