ماذا يقول اصحاب التجربة الحديثة في الشعر الشعبي.
- ان الحديث عن الاصالة او اي ضرب من ضروبها حديث ذو شجون يشوق لكل صاحب فكر بناء ويتوق له كل صاحب مداد اصيل.
* اجل ان الاصالة بما تحويه هذه الكلمة من مدلولات ومعان سامية، وافكار بناءة واسس راسخة تستهوي ذوي العقول وتستثير الاحاسيس فتبحر بمرتاديها في بحر العذوبة، باعتبارها انموذجا فريدا متخذة من صدق المشاعر وجزالة التراكيب وعمق المعنى مجدافا لها.
* على حد قول الشاعر العامي:
كل البحور بحور ملح وهماجي إلا الأصالة بحر عذب الينابيع |
* نعم تلك هي الأصالة,, نعم تلك هي الاصالة.
فإن أسنت البحار تبقى بحرا زلالا، وان نضبت الانهار تبقى موردا لا ينضب وجما لا يغور.
* ولهذا جاءت الاصالة في مفهومها الشامل في اي ثقافة من الثقافات بأنها المحافظة على القيم والموروثات.
* بيد انه ومن الضروري توضيح ما يعنينا في هذا الموضوع من جزئية، الا وهي الاصالة في تراثنا العربي العامي خاصة الشعر منه.
فجاء تعريف الأصالة في ثقافتنا العربية العامية ليحمل بين طياته ما معناه أنها المحافظة على قيمنا وموروثاتنا العربية العامية الاصيلة التي تضفي علينا طابع الخصوصية داخل إطار الثقافة العربية الأم والتي تندرج تحتها وتنصهر داخلها وتنبثق منها الثقافات الفرعية الاصيلة داخل المجتمعات العربية.
ومن خلال ما سبق يتضح لنا ان شعرنا العامي: هو جزء من كل اي جزء من ثقافتنا العربية العريقة، له طابعه وسماته وخصوصيته التي تنطوي تحت مظلة ثقافتنا العربية الام، بغض النظر عن الآراء المتضاربة حول جدلية خطر استخدام اللهجة العامية على اللغة العربية الأم من عدمه.
* وبذلك فإن من ابرز السمات التي جعلت لنا خصوصيتنا المتميزة عن باقي المجتمعات العربية، أساليبنا في عملية صياغة وكتابة شعرنا العامي في قوالبه الحالية التي هي امتداد بكل المقومات لشعرنا العربي الفصيح، وما عدا بعض الاختلافات في عملية النطق مما يسبب اللحن في بعض الكلمات ودخول الكلمات الهجينة الموغلة في العامية.
* من هذا الباب كان إلزاما علينا المحافظة على قوالب شعرنا العامي واساليب كتابته للاحتفاظ بخصوصيتنا داخل مجتمعنا العربي الكبير,, وكان واجبا علينا نبذ ما دخل عليه من أساليب حداثية لها تأثيرها السلبي، كما هو تأثيرها في الفصيح.
* وبالتالي فإن ما سبق ذكره وإيراده من توطئة ليست لاثبات هوية الاصالة ومكانتها وشمولية طابعها في موروثاتنا العامية عموما والشعر خصوصا، لأن الاصالة هي بنفسها إثبات لنفسها فهي بالتالي ليست بحاجة لمن يثبتها.
* ومن هذا المنطلق فبمجرد التفكير بعقد مقارنة بين الاصالة والحداثة في موروثنا العامي الهائل الكم او في فرع من فروعه (أي الشعر العامي) اجدها بحق ظلما وأي ظلم وإجحافا بحق الأصالة إذا ما قارناها بالحداثة في أي جانب من الجوانب سواء من حيث البعد الزمني او التدرج التاريخي او العمق في المعنى او جزالة التراكيب او اصالة المفردة او ثبوت الدلالة.
* فكل هذه العناصر السابق ذكرها تأكيد قاطع على البون البعيد والفارق الواسع بين الاصالة وما يسمى بالحداثة في شعرنا العامي الاصيل.
لأن مجرد التفكير في عقد المقارنة بينهما الاصالة والحداثة هي بخس لميزان الاصالة وتقليل من شأنها، فضلا عن اننا لو اجرينا هذه المقارنة على الواقع المشاهد لاحدثنا صدعا في شعرنا العامي الاصيل التقليدي وبهذا نكون قطعنا الصلة بين شعرنا العامي وشعرنا الفصيح وما الاخير الا امتداد للأول حال فساد اللسان.
لأن المقارنة بين شيئين في مثل هذا هو بالتالي الاقرار بوجود وحدة تقارب بينهما بغض النظر عن درجة هذا التقارب، وهذا ينطبق على ما اوردناه بالنسبة للأصالة وما يسمى بشعر الحداثة في شعرنا العامي إذا ما اجرينا تلك المقارنة.
- رغم انه ومن الحقائق المسلم بها والتي لا تقبل الشك ان الاصالة في شعرنا العامي قديما وحديثا تمثل قمة الهرم، بينما الحداثة هي بمثابة المعول الهدام لهذا الهرم.
- وبهذا فإن دخول الحداثة في شعرنا العامي اضفت عليه نوعا من ركاكة التراكيب واستغفال واستدراج المشاعر الى هوة الانحطاط.
- وبذلك فهي ترمي بنا في بحر اجاج لا يزيد الظمآن إلا ظمأً فهي لا تحلق بالاحاسيس والمشعر إلا في غياهب الظلمة وديجور العتمة وتبقى تراوح مكانها وعليها يقع (مكانك سر).
وكيف تحلق بها الى شمس الفضاء وسعة الأفق وهي مكسورة الجناح؟!!
- فأصحاب الحداثة في شعرنا العامي يسلكون طريق الحداثة ويتخذونه منهجا في كتاباتهم المسماة الشعر الحديث في الشعر العامي الاصيل - وهو بريء منه - وذلك لعدم مقدرتهم على الإبحار في قالب شعرنا العامي الاصيل، وهذا ليس قصور في شعرنا العامي وإنما القصور في ذلك المستحدث.
- فلو لاحظنا مجرد الملاحظة بالعين المجردة لوجدنا ان اقرب صور الشعر الحالية للشعر العربي الفصيح هو الشعر العامي التقليدي الاصيل مما يعطي دلالة لا تقبل الشك على صحة منهجية شعرنا العامي التقليدي الأصيل.
- ومن هنا فإن أي شاعر عامي او تقليدي اصيل يفكر مجرد التفكير في ان يمتطي اسلوب الحداثة بدلا من صهوة الشعر العامي الاصيل فإن أول ما سوف يتبادر الى ذهنه قول المتنبي.
ومن ركب الثور بعد الجوا,.
,,, د أنكر أظلافه والغببا
ومن باب الموضوعية والخروج عن نزوة الذاتية يتحتم إيضاح بعض الجزئيات في الموضوع:
أولاً : إذا كانت الحداثة في شعرنا العامي تأخذ بمعنى التحديث اي الرقي بالمفردة والتطوير لها بحيث تتماشى مع معطيات الزمن ومستجداته وكذلك تأخذ من العمق في المعنى وجزالة التراكيب وتهذيب المفردة منهجا في كتابة القصيدة دون الإخلال في وزنها او قوافيها، وذلك من خلال استسقاء تلك العناصر من منظومة شعرنا العامي الاصيل وبحيث تتماشى مع طابعه واسلوبه في إيراد القصيدة فمرحبا بهذا التحديث.
ثانيا: إذا كانت الحداثة ما نراه اليوم من ذلك الكم الهائل من الغث اللاسمين لتاً وعجناً بما تعنيه تلك الكلمات وتلك الصور من التمتمات والتي هي اقرب الى ما تكون عليه تلك الطقوس والادعية عند المشعوذين والدجالين، تعديا على الوزن وتجاهلا للقافية ونسيانا للماضي الاصيل وخروجا عليه فإن شعرنا العامي غني كل الغنى عنها وان اصالتنا بريئة منها، بل ان هذا النوع من الحداثة يمكن ان نطلق عليه دلالة مثلنا العربي الفصيح القائل تسمع جعجعة ولا ترى طحنا,, او أراد أن يعربه فأعجمه .
* وحقيقة فإن هذا النوع من الحداثة في شعرنا العامي حري أن يطلق عليه لقب المعول الهدام وكما وصفه الشاعر العامي:
هو المعول الهدام للعلم والأفكار يبانا على الهامش برسم وعنواني يبانا بلا ماضي نعيشه بليا كار وحي بلا ماضي حسابه كما الفاني تقاليدنا واسلومنا عزنا فالدار هي المبتدا الاول على كل ما كاني |
وأخيرا يكفينا فخرا واعتزازا بشعرنا العامي التقليدي الاصيل صلته في الفصيح وقربه منه وانه خلد ونقل لنا صورا من مراحل التاسيس والبطولات التي قام بها جلالة المغفور له بإذن الله تعالى الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه, بل وخلد ما هو أشمل وأكمل ضمن هذه المسيرة المباركة من المكارم والمآثر التي يفتخر بها كل كريم ويتعلق بها كل اصيل، إذ بقيت في هذا الشعر مثلا يحتذى وأثرا يقتفى كرما وأصالة وشجاعة ومروءة ووفاء ونبلا.
عبدالله بن عبدالعزيز آل غزي
** المحرر :
بما أن الشعر الشعبي يمر في منعطف خطير تتجاذبه فيه افكار عشاق الاصالة,, وعشاق التجريب او من يسمون أنفسهم اصحاب التجربة الحديثة فقد رأينا ان نشر موضوع الاستاذ عبدالله الغزي قد يساهم في وضع النقاط على الحروف لبداية حوار مثمر,.
ونحن نحتفظ براينا في القضية ونفسح المجال لكل من له رأي مع او ضد رأي الغزي.