لا أحد منا ينكر أهمية تراثنا وموروثنا الشعبي، واهميته الوطنية والثقافية والعلمية والتاريخية,, ومن يحاول انكار ذلك والتقليل من اهميته فهو بطبيعة الحال يجهل ان هذا الشعر في نماذجه ونصوصه القديمة سليل الشعر الجاهلي الفصيح والذي ابدعته الثقافة البدوية قبل الإسلام وبعده.
ولأنني هنا لا اريد الخوض في تاريخ ومسيرة هذا الادب والتي سجلها التاريخ وحفظها الرواة حتى وقتنا الحاضر.
ولكن ما نحن بصدد الحديث عنه, هي تلك الفوضى العارمة والتي جرفت هذا المأثور وهذا الادب وشوهت معالم خارطته وتاريخه,, في وقتنا الحاضر والذي يوحي لنا بأن هذا التراث كان غائبا عن هذه الخارطة ويجري البحث والتنقيب لاكتشافه من جديد,, وذلك من خلال ما نراه من اعداد تقدر بالآلاف من الشعراء الذين ظهروا فجأة على هذه الساحة، وكذلك الاعداد الهائلة من المجلات المتخصصة في ذلك الشعر.
ولأن هذه الظاهرة وهذا التيار قد أربك قناعاتنا وزلزل وشوش على أفكارنا ومفهومنا وقيمنا الاصيلة الكامنة في اعماق وجداننا,, وجعلنا لا نصدق ولا نعلم ماذا يجري ويحدث على هذه الساحة والتي تحولنا فيها جميعا الى شعراء بالآلاف واصحاب مجلات شعبية قد يصبح لكل شاعر من هؤلاء الشعراء مجلة يديرها ويعمل على سباق حميم من خلالها للبحث عن الشهرة والمادة والظهور من اجل الظهور.
ولأن ما يحدث بصريح العبارة لا يخدم مسيرتنا ولا يمكن بأي حال من الاحوال تصديق ما يجري على هذه الساحة من فوضى واندثار وتلاشي لهذا التراث الذي كان يشكل قديما وحديثا، أصالة هذه الامة مرآة عاكسة لثقافتها وابداعها، ولكي نوضح الصورة اكثر فالمتابع لمسيرة الشعر سواء كان الشعر الفصيح او الشعر النبطي,, يدرك بان عدد الشعراء وطبقاتهم ابتداء منذ العصر الجاهلي او عصر صدر الاسلام والذي يشمل بني أمية وكذا عصر بني العباس وعصر الدولة التركية حتى عصرنا الحالي عصر النهضة الحديثة,, قد لا يتراوح في كل امة من هذه الامم سوى بشعراء يشار لهم بالبنان، ولو اخذنا بعض الامثلة لوجدنا ان اصحاب المعلقات عددهم سبعة فقط.
ولو اخذنا مثالا آخر في تاريخ جزيرتنا العربية لوجدنا بأن هناك اسماء معينة هي التي كانت فقط تعرف على هذه الساحة امثال ابن لعبون والهزاني ومحمد الأحمد السديري وعبدالله الفيصل وخالد الفيصل وبدر بن عبدالمحسن وغيرهم من الاسماء المبدعة على هذه الساحة.
إذا كيف بنا ان نثق ونصدق ما يجري في وقتنا الحاضر من توالد يومي لمن يدعون الشعر ويدعون الابداع,,, اظن جازما بأن ما يحدث موضة لا غير لن يكتب لها الاستمرار والحياة ولن يدون تاريخ هذا الادب شيئا من هذه الطفرة الفارغة من طقوس الابداع والتميز,, لأن ما يحدث لا يعدو كونه نوعا من الفراغ واللهو وحب الظهور والبحث عن المادة والدوران في حلقة مفرغة.
وانه لأمر محزن ان نرى ذلك بعدما كان الشعر عند العرب له منزلة رفيعة وحكم نافذ وسلطان غالب إذ كانت ألسنتهم الناطقة بالشعر تدل على مكارمهم ومفاخرهم واسلحتهم التي يذودون بها عن حياض شرفهم واوطانهم وكان بمثابة مرآة عاكسة لكل ابداعاتهم وتصوراتهم للحياة ومن عليها وهذا ما لا نلمسه ونشاهده ونتابعه وندركه في وقتنا الحاضر سوى عند المبدعين المعروفين على هذه الساحة والله أعلم.
علي عبدالرحمن القحطاني
الرياض