Friday 16th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 3 ربيع الثاني


الأتمتة والعولمة

يظهر الانسان على الأرض، وهو لا يملك غير دماغه ويديه، وسرعان ما يخترع الأداة: الأداة، هي امتداد اليد وقوتها,, والمطرقة هي الصورة الكاملة للأداة, وينتقل من الاداة إلى الآلة: الآلة، هي وسيلة صنعها الانسان بيديه وأدواته لتعمل وحدها بفضل طاقة خارجية.
الأداة جزء من الانسان، والآلة منفصلة عن الانسان,, والانسان ينقل نفسه احيانا الطاقة إلى الآلة, وتكون الطاقة عادة طاقة طبيعية: الحيوان والريح، والماء, وكلما عرف الانسان كيف يحصل على طاقة اقوى، زاد قدرة الآلة.
فإذا كانت الآلة تعمل بفضل طاقة خارجية، فإن الآلة الذاتية تعمل بفضل طاقة مزدوجة، الأولى تطلق الثانية القادرة على تشغيل المجموعة وليس على الانسان إلا ان يركِّب هذه العناصر المعقدة ليحقق الأتمته.
إن الأتمتة هي الحل الاعظم نجوعاً لمسائل الانتاج وهي بما لها من آثار اقتصادية واجتماعية تؤلف مشكلة, ذلك لان الأتمتة في جوهرها ظاهرة اقتصادية واجتماعية شأنها في هذا شأن الآلية، خاصة في زمن العولمة.
ولا ريب في ان الأتمتة تنشأ كالآلية من واقع علمي وفني.
إذ الأتمتة Automation تعبير دال على جملة الأساليب الذاتية الحركة التي تغني عن عمل الانسان ومن ثم، يمكننا ان نرى في الأتمتة مع شيفيوت مجموعة الاساليب التي تسمح بالغاء التدخل البشري في سلسلة من العمليات، قد تكون في الاصل مجرد عمليات مادية او عمليات ذهنية او تتألف من اتحادهما.
أما روبير بورون فيرى في الأتمتة مكننة مربعة اي استخدام آلة لادارة او مراقبة آلات اخرى، وهذا المعنى يلتقي تقريبا مع تفكير بيتر دروكر استخدام آلات للسهر على الآلات .
والأتمتة عند بيير غاكسوت كذلك، تكمل الثورة الصناعية بتحميل الآلة عبء مراقبة الآلة، اي انها تحل محل يد وحواس ودماغ العامل جهازاً الكترونياً غاية في التعقيد والحساسية .
ولو أردنا لذكرنا من التعريفات ما لانهاية له لأن كل اقتصادي اذ يستعمل تعبيرا جديدا مضطر إلى تعريفه، وتعد الدراسات المكتوبة عن الأتمتة بالألوف.
والواقع ان الأتمتة هي المنظر المسرحي لمكننة موغلة ان لم نقل تامة، يتجلى، في المصنع بآلات تقوم بعمليات متعاقبة في مسار انتاج مستمر مع مراقبة وتنظيم ذاتيين، وفي المكتب بعدادات عجيبة السرعة وذكية وفي البيت بأدوات وأجهزة مختلفة تقوم وحدها بالعمل المنزلي، كل هذا بفضل تقدم العلم في كل المجالات ولاسيما في المجال الكهربي.
إن استخدام الالكترونيات هو الذي يؤمن امكانات الذاتية، والعولمة بدورها التقني تساعد على ذلك.
لذا ، تمتاز الأتمتة، بمعناها الاقتصادي، بالتطبيق العملي لاربعة مبادئ.
(1) المكننة : او استخدام آلة لانجاز عمل بدل الطاقة البشرية او الحيوانية، وأحيانا بدل عمل الانسان الفكري.
(2) التغذية الذاتية: وهو المبدأ الذي يتم بموجبه تغذية الآلة من نتاجها.
(3) الانتاج المستمر: وهذا هو الهدف النهائي للانتاج بالجملة.
(4) العقلنة: أو استخدام العقل في حل المسائل ذات العلاقة بالانتاج والمشروعات.
إن كلمات مثل : الانسانات الآلية والادمغة الجبارة ومصانع كبس الازرار ، تثير في اذهاننا تماما الحد النهائي للأتمتة الراهنة، والواقع المبدئي لعالم الغد.
إن مجال الأتمتة ضيق نسبيا، والاساليب الذاتية التي حذف منها التدخل البشري، لا تغطي غير جزء ضئيل من العمليات، رغم افق العولمة الواسع.
فلا تبدو الأتمتة إذن، غير جزر صغيرة من العمليات الذاتية في القطاع الشامل، والحق ان هذه الجزر توجد منذ زمن طويل، على شكل آلات التغليف.
كما ان الأتمتة لم تبلغ أبداً المستوى اللازم للكمال المطلوب والكلفة المنشودة.
كذا ، فإن ما نسميه بالأتمتة ليس سوى تطوير مسار الانتاج إلى درجة عالية من المكننة فما كان يتم في الدرجة 4 بمخرطة ذات محرك، أصبح يتم في الدرجة 6 بمخرطة حرة، وهذا ما نمسيه بالأتمتة، مع انه ليس في الواقع غير مرحلة راقية من المكننة.
إننا عندما نبحث عن اصل الأتمتة، يمكننا ان نؤكد بأن الانسان عرف دائما استعمال معدات ذاتية للتهرب من العمل، مثل: المقلاع، وملقم الطاحون والنواعير المائية.
ولذا، فلو أرخنا أطوار الأتمتة لوقفنا منها على خمسة:
1- الاستعاضة عن الطاقة البشرية او الحيوانية بالطاقة الصناعية الاصطناعية المستمدة من آلاف تحركها مصادر آلية أو كهربائية او كيميائية.
2- استعمال القياس الفيزيائي الذي يسمح بصنع عناصر معيرة يمكن تبديلها ببعضها.
3- استخدام فنون الادارة الآلية.
4- ادخال التغذية الذاتية.
5- استخدام فنون الحساب الذاتي التي تسمح باعطاء التغذية الذاتية كل جدواها، سواء في المكتب ام في المصنع.
يقول لويس سالرون في كتابه الأتمتة : إن الآلة المحولة والدماغ الالكتروني هما الهدفان النهائيان للتطور التاريخي للأتمتة.
إن للأتمتة دواعي وأسباباً وآثاراً عديدة، منها.
أ - الأتمتة تعين على التوسع وتحقيق التوازن الاقتصادي.
ب - الأتمتة تزيد الانتاجية.
ج - الأتمتة مهمة لما تدره.
د - الأتمتة تعمل افضل وأكثر واسرع من غيرها بأقل عدد من الاشخاص وبأقل كلفة.
يرى بعض الاقتصاديين ان الأتمتة تكبح جماح نفسها بفضل الآلية الاقتصادية وحدها، وغرضهم ان يهدئوا روع اولئك الذين يرون في الأتمتة نفيا للانسان من المصنع بل ومن المجتمع، من مجتمع يغدو آلة.
وإذا كان تطور الآلية لم ينقطع منذ نهاية القرن الثامن عشر، فلنا ان نتساءل: لماذا تسبب الأتمتة هذا الهيجان وردود الفعل تجاهها؟! وبالذات في عصر العولمة.
سبب ذلك يسير، وهو قائم على حقيقة, إذ أن رعاية المجلات والصحف والسينما ومعظم اجهزة العلم المتوهم لها، جعلت الرأي العام يرى في الأتمتة الواقع الصناعي العلمي للغد وقد استيقظت في خياله مصانع كبس الزر التي سترمي على قارعة الطريق عشرات ملايين العمال وتسلمهم للبؤس فلم يكن العملاق الآلي آلة وحسب، وإنما كان الانسان الآلة، يتقدم بلا رحمة من انسان اللحم والعظم ليسحقه بأظافره الفولاذية.
إن الأتمتة، في ظل الاشكال الجبارة للآلة المحولة والدماغ الالكتروني، لايمكن تطبيقها إلا في المشروعات الكبيرة فكلفة التجهيزات وجسامة الانتاج، تضعان المشروعات الصغرى والمتوسطة خارج المباراة.
ختامأً أقول ان يعرف احد ما تخبئه لنا الأتمتة في المستقبل، بيد ان الأتمتة ستكون خيّرة، إذا عرفنا ما هي وماذا نريد ان نفعل بها؟!!,.
د, زيد بن محمد الرماني
عضو هيئة التدريس بجامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية
عضو الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية
عضو الجمعية السعودية للادارة
عضو جمعية الاقتصاد السعودية.

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved