الحمد لله اعزنا بالاسلام واختاره لنا دينا احمده حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده واشهد ان لااله الا الله حد حدودا فلا تعدوها وحرَّم اشياء فلا تنتهكوها واشهد ان محمداً عبده ورسوله دعا الى الكسب الحلال وبين لنا طريقه، واكد ان كل جسد نبت من سحت فالنار اولى به، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه الذين التزموا بهديه واقاموا سنته واتبعوا طريقته وعملوا لدنياهم كما عملوا لاخرتهم، اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولو الالباب.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى والتزموا بأوامره واعلموا ان الله اوجد الانسان عاملا متحركا وساعياً كادحا، متطلعا لاكتساب المال وهو مأمور بذلك، ولكن انيط هذا الامر بسمو المراد وعلو الهمة ونبل الغاية وهذا يعني به اكتساب الطيب والحلال والعمل الشريف مراعيا فيه مارسمته الشريعة من طرق الاكتساب وقد جاءت النصوص تحث على العمل وتأمر به وتجعله سببا لمورد الرزق والفوز في الدنيا والآخرة، وتربط العامل بمن عمل من اجله وهو ربه وخالقه والهه، لان العامل والعابد حينما يعمل ويعبد وهو لا يراعي مراقبة ربه وعلمه فان ذلك لا ينفعه قال تعالى: (ياأبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يُغني عنك شيئا) قالها حكاية عن ابراهيم مخاطبا اياه وقومه.
وقال تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردُّون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) على ان العامل مستعين بالله ومتوكل عليه فالاعتماد على الأسباب يقدح بالتوحيد والعقيدة والاستعانة بالله بدون فعل سبب عجز وغرور,, قال تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) وقال صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) فأنت ايها العامل عليك بفعل السبب المشروع كما امرت والله المهيىء والميسر حيث ربط المسببات بالاسباب، فشكره وذكره وطاعته وحسن عبادته والاخلاص فيها سبب لدخول الجنة اذا تغمدك برحمته والزواج سبب للولد والحرث سبب للحب والثمرة، والبيع والشراء سبب لحصول النقود بيدك وكذا الاعمال المهنية سبب لاكتساب النقود ولكن ان وجدت النية الصادقة الصالحة لهذه الاعمال حتى يتقوى بها على طاعته سبحانه واكتسبها على ما رسمته له شريعة الله، فقصد الزواج عفة الفرج وغض البصر، وبالولد تكثير امة محمد وعبيد الرحمن.
فهذا السعي النافع والعمل المثمر وان خلا عمله مما تقدم فالمسلم وغيره سواء والانسان والبهائم في الهدف سواء لان الكل يطلب الشبع عن الجوع والري عن الظمأ، وهكذا حينما يصدق الانسان في معاملاته ويحفظ اماناته من اجل الانسانية وتثبيت السمعة لم ينفعه ذلك في الآخرة.
وخير ما يسعى به المرء الكسب الحلال من عمل بيده او تجارة ملتمسا اوضح طريق مشروع لاكتساب المال قال صلى الله عليه وسلم: (يأتي زمان على امتي لا يبالي فيه المرء من أين اكتسب المال من حلال ام من حرام) وهذا لاشك انه ذم لمن يصاحبه الجشع وعدم المبالاة لاكتساب المال من اي طريق كان قال صلى الله عليه وسلم في فضل الاكتساب (ما اكل احد طعاما قط خيرا من ان يأكل من عمل يده وان نبي الله داود عليه الصلاة والسلام كان يأكل من عمل يده) رواه البخاري وابن ماجه ولفظه قال: (ما اكتسب الرجل كسبا اطيب من عمل يده وماانفق الرجل على نفسه واهله وولده وخادمه فهو صدقة) وقال صلى الله عليه وسلم: (لان يحتطب احدكم حزمة على ظهره خير له من ان يسأل احداً فيعطيه او يمنعه) وسئل عليه الصلاة والسلام اي الكسب اطيب قال: (عمل الرجل بيده وكل كسب مبرور) وسئل ايضا عن افضل الكسب فقال: (بيع مبرور) فالاسلام ايها المسلمون دين عمل، دين قوة ونشاط، دين فضائل واخلاق، ولقد خاب وخسر من رمى الاسلام بالخمول والكسل وانه يؤخر عن العمل وان صاحبه يركن الى العجز والخور، والجبن والبخل التي هي اشر الصفات، ولقد كان الرسول الكريم يتعوذ منهن صباحا ومساء (اعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال).
فكيف يظن بالاسلام اذا شوهد بعض الخمول في أهله ظن السوء وهذا كلام رسول الله وهو التعوذ من العجز والكسل فهما مصدر كل شر ومانع كل خير فالعاجز الكسول منقطع عن خيري الدنيا والآخرة، وانظر ايها المسلم الى تخطيط نبي الله ونبي الهدى في سيره واقواله وافعاله.
وهاك نموذجاً منها ليكشف عن بصرك وبصيرتك غمامة الجهل ودياجير الظلام.
عن انس رضي الله عنه ان رجلا من الانصار اتى الى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: اما في بيتك شيء؟ قال بلى - حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء, قال ائتني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله وقال من يشتري هذين، قال رجل انا آخذهما بدرهم فقال رسول الله من يزيد على درهم مرتين او ثلاثا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما اياه ثم اخذ الدرهمين فأعطاهما الانصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه الى اهلك واشتر بالاخر قدوما فائتني به، فآتاه فشد فيه رسول الله عودا بيده، ثم قال للانصاري اذهب فاحتطب وبع ولا ارينك خمسة عشر يوما - ففعل - فجاء وقد اصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من ان تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة.
فاتقوا الله ايها المسلمون وشمروا عن سواعدكم,, قال تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور).
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردُّون الى عالم الغيب والشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون).
عضو هيئة كبار العلماء