 *طهران- كريستوف دوروكفوي- فارشيد موتاهاري- الوكالات
عاد مرشد الجمهورية الايرانية علي خامنئي الى الساحة بقوة بينما غاب عنها الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي: لقد اطلق المحافظون الايرانيون أول امس الاربعاء هجوما واسعا لاستعادة السيطرة على النظام الذي اهتز بسبب اعمال شغب وتظاهرات طلابية خلال الايام الماضية.
وفي مواجهة هذا الهجوم وفشل نداءاته الى الهدوء يبدو انه لم يكن امام الرئيس الاصلاحي الذي يتمتع بشعبية كبيرة في اوساط الشباب سوى خيار وحيد هوا ادانة استمرار حركة الاحتجاج الطلابية.
ومن خلال تنظيم تظاهرة ضمت مئات الالاف في باحة جامعة ايران اراد المحافظون اثبات انهم مازالوا يملكون القدرة ذاتها على تعبئة قاعدتهم المكونة في شكل اساسي من عمال البازار والموظفين وعائلات الشهداء الذين سقطوا في الحرب ضد العراق (1980-1988).
وجاءت هذه التظاهرة قبل سبعة اشهر من انتخابات تشريعية حاسمة اغرقت البلاد منذ الان في معارك سياسية عنيفة.
ورغم قواعد اللعبة الانتخابية غير المؤاتية بالنسبة اليهم يعتقد الاصلاحيون ان بامكانهم الفوز في هذه الانتخابات بسهولة، بعد انتصارهم في الانتخابات البلدية، مما سيسمح لهم باعطاء خاتمي الاغلبية البرلمانية التي يفتقر اليها.
وخلال التظاهرة رفع المتظاهرون في اغلبيتهم الساحقة صور مرشد الجمهورية علي خامئني ومؤسس الجمهورية الاسلامية آية الله الخميني في اشارة الى تعلقهم بركيزة النظام الدينية.
وفي المقابل غابت صور خاتمي التي رفعها الالاف خلال التظاهرات الطلابية التي جرت في الايام الماضية, وغاب الرئيس ذاته عن التظاهرة.
ويخشى ان يكون القمع الذي سيتولاه القضاء الثوري قاسيا جدا اذا ما صدقت التصريحات الرسمية التي ادلى بها المسؤولون .
فقد وصف الاشخاص الذين اعتقلوا الاثنين والثلاثاء خلال صدامات في حي الجامعة في وسط طهران بأنهم مجرمون ومعادون للثورة مما يشير الى احتمال الحكم عليهم بالاعدام.
ولايريد النظام ايضا ان يسمع المزيد من الاحتجاجات وحتى الشتائم توجه الى مرشد الجمهورية علي خامنئي، خليفة الخميني الذي لايمكن المساس به، كما فعل بعض الطلاب خلال تظاهراتهم.
وحذر وزير الدفاع الايراني علي شمخاني من ان الاحتجاج على السلطة الدينية وعلى المرشد الاعلى الذي يجسدها يشكل خطا احمر لايمكن تجاوزه.
واعطى احد المقربين من خامنئي نائب رئيس مجلس الشورى المحافظ حسن روحاني صورة عن الاجراءات التي يتم التحضير لها معلنا عن عملية تطهير كبرى ستؤدي الى تقدم النظام والثورة .
ويهدف تحرك المحافظين ايضا الى دحض التعليقات القائلة بأن ستة ايام من التظاهرات الطلابية هزت في العمق نظاما يحتاج الى اصلاحات.
وقال روحاني ايضا ان طهران سترد في الوقت المناسب على الدول العديدة التي دعت ايران الى اجراء اصلاحات ديموقراطية.
وبدا موقف الرئيس الايراني غير مريح على الاطلاق امس اذ وجد نفسه عالقا بين مهامه الرسمية وبين تأييد الطلاب.
وطوال ايام عدة لم تلق دعواته الى الهدوء اي صدى سواء لدى الطلاب الذين واصلوا تظاهراتهم او لدى متشددي النظام الذين ارسلوا الميليشيات الاسلامية لقمع الحركة بقوة.
ودان خاتمي مساء يوم الثلاثاء مواصلة التظاهرات مشيرا الى انحرافات يجب قمعها بقوة حتى ولو كان من شأن هذه التصريحات تشويه صورته كمثقف معتدل.
لكنه اعتبرا ن اعمال العنف في الايام الماضية لاجذور لها معربا عن الامل في ان يتم ايجاد علاج لها بالوسائل السلمية .
وستكون الايام المقبلة حاسمة لقياس الحجم الذي سيعطيه المحافظون لعملية استعادتهم لزمام الامور.
ومن الاختبارات المنتظرة قريبا التصويت على بنود قانون لتعزيز المراقبة على الصحف والذي سبق ان تبناه مجلس الشورى بخطوطه العريضة الاسبوع الماضي بمبادرة من المحافظين,غير ان الاختبار الاكثر اهمية سيجري في شباط/ فبراير المقبل مع الانتخابات التشريعية العامة التي يمكن ان تقلب ميزان القوى داخل النظام.
ولقد بدأت الاضطرابات الطلابية في طهران سعيا في الاساس وراء هدف مشروع وهو منع تقييد الصحافة ومنع اغلاق صحيفة يومية اصلاحية وتفادي حدوث اعمال عنف من جانب عناصر راديكالية متطرفة.
وقد وجدت هذه الاضطرابات قبولا اجماعيا من جانب جميع المسئولين بمن فيهم المحافظون المعارضون للرئيس الاصلاحي محمد خاتمي.
ان سحب وضع الحصانة الذي يتمتع به الاسلاميون الراديكاليون امام القانون، يتماشى مع نظام المجتمع المدني الذي يطبقه خاتمي, وجاء طرد اثنين من جنرالات الشرطة نتيجة عمليات العنف غير المصرح بها ضد الطلبة ليزيد من دعم الشعار الذي يرفعه بضرورة تطبيق القانون على الجميع.
الا ان اليوم السادس والاخير لهذه الاضطرابات تحول الى فوضى شاملة حيث انتشرت الحرائق في المدينة وساد الخراب والدمار الشوارع، واضرمت النيران في المباني العامة والخاصة، واصبح واضحا على الفور ان الاضطرابات لم تعد لها اي صلة بحرية الصحافة وحقوق الانسان وانها تحولت الى اعمال شغب انفعالية تغلبت تماما على الاهداف الاولى للطلبة.
ومرة اخرى تم استدعاء قوات التعبئة المعروفة باسم باسيج المجهزة والتي تضم قدامى المحاربين وايضا الاسلاميين الراديكاليين الخارجين على القانون لمساعدة الشرطة في اقرار السلام والنظام, وبسرعة احكمت قوات باسيج سيطرتها على العاصمة واحبطت في النهاية اي تحركات خطيرة محتملة.
وذكر احد الكتاب لقد تحول نصر خاتمي الكبير سريعا الى خسارة كبيرة والان، مرة اخرى فازت الروح الثورية على الروح الاصلاحية مما يشجع المعارضة المحافظة على المطالبة بحق الالتزام بالمثل المبدئية للثورة التي تشكل قوات الباسيج اكبر رموزها الاولى .
وعلق استاذ في جامعة طهران على نفس الموضوع غير انه اشار الى النزاع المحتمل حدوثه على نطاق واسع بين خاتمي والزعيم الديني الايراني علي خامنئي، خليفة الزعيم الديني الراحل خميني.
وقال الاستاذ الجامعي ان الغالبية الصامتة تقف بالتأكيد الى جانب خاتمي وكذلك الطلبة، الا ان القوة المؤثرة تؤيد خامنئي وكلا الجانبين يتعين عليه العيش مع هذه الحقيقة .
ومازال من غير الواضح ما اذا كانت الانتفاضة ستؤدي الى تغيير القرار الذي اتخذه المجلس (البرلمان) بتعديل قانون الصحافة ضد ارادة خاتمي او انها ستشجع اعضاء المجلس على مواصلة مسيرتهم.
وقال صحفي محلي ان المظاهرات اظهرت ايضا ان نسبة السبعين بالمائة من الناخبين التي صوتت لصالح خاتمي ليست جميعها بالضرورة مخلصة للجمهورية الاسلامية ولكنها صوتت لصالح التغيير اكثر من تصويتها لصالح خاتمي.
وذكر الكاتب وهو من مؤيدي خاتمي ان هؤلاء الذين فكروا في اجراء تغييرات جذرية ربما اصبحوا على الارجح الان، تحت مظلة خاتمي، اكثر واقعية وتأكدا من العواقب المؤسفة للتغير ,وقال غير ان هؤلاء ايضا الذين وقفوا في وجه تلك التغييرات ربما يكونون قد تعلموا الان تحت اي ظروف، درسا مفاده ان القمع والتعصب من شأنه ان يؤدي ايضا الى عواقب وخيمة .
وبالمثل اجمل نائب رئيس البرلمان حسن روحاني تأثير الاضطرابات بكاملها على الاطراف السياسية المتصارعة, وقال ان جميع الاطراف تعلمت درسا جيدا من هذه الانتفاضة .
|