الحب والحنان مطلوبان في حالتي النجاح أو الرسوب كيف نواجه أخبار إخفاق أبنائنا في الاختبارات المدرسية؟! د, العويضة: من المهم التركيز على المنهج الوقائي قبل الحديث عن المنهج العلاجي |
* تحقيق : رياض العسافي
يسعد الوالدان كثيرا عند سماع خبر نجاح ابنائهما بعد كل عام دراسي، كما انهما يتضايقان وينزعجان كثيرامن خبر رسوبهم، ومن المؤكد ان الناجحين من الابناء يلقون كل تقدير وتكريم من الوالدين، ولكن الراسبين منهم يلقون الكثير من كلمات اللوم والتوبيخ والتأنيب,, كما ان بعض اولياء الامور يفرض عقوبات على ابنائهم الراسبين بحرمانهم من اشياء يحبونها طوال فترة الاجازة الصيفية,, فهل هذا التعامل مع الراسب صحيح؟ وما هو الاسلوب الافضل للتعامل معهم؟.
ما أحوج الراسب إلى حنان الأم وحب الأب
الاستاذ عماد بن محمد الهذيل المشرف التربوي في ادارة التعليم بالرياض يقول: ان من اكبر نعم الله على العبد أن يرزقه الذرية، فلقد فرح الانبياء بها وحمدوا الله عليها كما قال تعالى عن ابراهيم عليه السلام قوله: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء), وواجب على الآباء رعاية هذه النعمة كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته) ومن حسن الرعاية ان تعينه على مشاق هذه الحياة الدنيا وتذليل الصعوبات وتخفيف المصائب والاقدار حيث تكون الام محضن العاطفة ودفء الحنان ويكون الاب الظهر المعين والساعد القوي الذي يسند ابنه ويقوي صلبه ويشد من ازره لمواجهة صعاب الحياة واحداثها بقلب ممتلىء بالايمان وعقيدة التوكل على الله باذلا ما يستطيع من الاسباب بروح كلها امل ومعنويات مرتفعة.
فمن اقدار الله على الابناء ان يبتلي بعضهم بالرسوب في بعض المواد الدراسية، ويوضح الاستاذ عماد الهذيل دور الابوين عندها في الوقفات التالية:
* الوقفة الاولى:
هذا الحدث وأعني به الرسوب في بعض المواد الدراسية هو اول مصاعب الحياة التي يواجهها الطالب وهو في مقتبل عمره فهي في نظره من اكبر المصائب فهي العقبة الكؤود وقضية القضايا.
* الوقفة الثانية:
ان اول خاطر يخطر للطالب عندما يشعر بنتيجة الاختبار هو كيف يخبر ابويه؟ كيف ستكون ردود افعالهما؟ هل ستقل محبتهما له وتكون اقل من بقية اخوته؟ واسئلة اخرى كثيرة.
* الوقفة الثالثة:
ان من الطلاب من لا ترى اثرا لاسرته في تربيته، فلا تجد للايمان غرسا في قلبه ولا للعقيدة بذرة في فؤاده، فترعرع وهو اشبه ما يكون كنبتة في ظل مصغرة اوراقها ضعيف ساقها تميل مع مهب الريح، فمن كان هذه حاله كيف سيكون وقع الرسوب على نفسه؟ فمن عظم الوقع حتى انه يحدث شرخا في عقيدة التوكل على الله لديه، اما الابوان فلا تسأل عن ردود افعالهما طلاما كانت هذه تربيتهما ودورهما المفقود.
ويشخص الاستاذ عماد الهذيل العلاج من خلال المحطات التربوية التالية:
* المحطة الاولى:
ان من أوجب الواجبات على الابوين ان يغرسا في ابنهما العقيدة والايمان كما ضرب الله لنا مثلا في القرآن للابوة الصادقة المتمثلة في لقمان وما يجب ان يكون عليه المسلم تجاه ولده.
فبدأ بعقيدة التوحيد بقوله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم), ثم اجلال الله وتعظيمه والتوكل عليه بقوله: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير).
ثم يوصيه بفريضة الصلاة وإقامتها ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر عليه ثم يعلمه خلق التواضع وأدب التعامل مع الناس وحسن الحديث معهم.
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يربي ابن عباس وهو غلام عندما كان رديفه على الدابة ويعلمه التوكل على الله بقوله: (يا غلام أني اعلمك كلمات، أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله,, الحديث) فهلا نتعلم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم دروسا تكون ثمارها غرس عقيدة التوكل في ابنائنا فنخفف عليهم ونهون عليهم امر الرسوب وأنه من اقدار الله المكتوبة، وانه لا تثريب عليهم بعدما بذلوا جهدهم وفعلوا ما بوسعهم من الاخذ بالاسباب,, فهل لنا ذلك بل آن لنا ذلك,.
* المحطة الثانية:
ان حاجة الابن عندما لا يوفق للنجاح الى الام التي تملأ احضانها بالعاطفة الصادقة والموجهة التي تسكّن روعه وتسليه في مصابه، والى الأب الذي لا يتغير حبه وحنانه عندما لا يتحقق المراد المطلوب او الهدف المنشود او النجاح او التفوق الذي طالما يحلم به الاب، بل يجب ان يكون حباً لا يتغير وغير مشروط بأماني تفوق قدرات الابن ولله الحكمة البالغة في وجود الفروق الفردية بين الابناء.
* المحطة الثالثة:
ان يكون للوالدين الدور الفاعل في تنظيم وقت الابن، فعدم نجاحه في الدور الاول لا يعني عدم استمتاعه بالاجازة، كما انه لا يعني عدم الاستعداد المطلوب لدخول اختبارات الدور الثاني، وعندها يتطلب من الابوين الدور التربوي الاداري في تقسيم اوقات الابن بين اللعب والنزهة وتخصيص اوقات مناسبة للاستذكار ومراجعة الدروس.
* المحطة الرابعة:
ان يحذر الجميع من الابوين او الاخوة او الاقارب ان يكونوا من المثبطين او ممن يقلل قدرات الابن على النجاح او بحجة اعادة السنة ليتمرس في الدروس او يحصل على معدل افضل، والاعظم من ذلك ان يعيروه بإخوته او اقرانه الناجحين، بل يجب ان نسهم جميعا في رفع المعنويات وايجاد الحوافز وبعث الهمم والطموح الذي يولد الجد والنشاط.
عندها يكون دور الابوين كبيراً وعلاجهما ناجحاً في بذل الاسباب ممتثلين لقوله تعالى: (ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
حاسبوا انفسكم قبل أن تحاسبوا ابنكم الراسب
السيدة أمل سالم الاخصائية الاجتماعية في احد المراكز الطبية بالرياض تقول: قبل ان يوجه ولي الامر اللوم الى ابنه على رسوبه فلابد ان يحاسب نفسه، هل اعطى من وقته واهتمامه لابنه منذ بدء العام الدراسي؟,, وهل هيأ الوالدان الجو المناسب لابنائهما في المذاكرة؟ هل تعاونا مع ادارة المدرسة والاخصائي الاجتماعي في مواجهة المشاكل المعوقات التي تواجه الطالب؟
وتقول: كثيرون من اولياء الامور يهملون ابناءهم طوال العام الدراسي ثم يأتون على النتيجة آخر العام ان كان الابن راسبا يعاقبونه اشد العقاب مما يترك اثرا سيئا في نفسية الابن، وبذلك تكون النتائج في الاعوام التالية رسوبا او هروبا من الدراسة.
كما اشارت الى ان بعض الاهالي يحرمون ابناءهم الراسبين من اشياء يحبونها طوال فترة الاجازة عقابا لهم، وهذا في اعتقادي اكبر خطأ لانه بذلك سيكره الدراسة والمدرسة، وبدلا من ان يكون هناك سبب واحد لرسوبه تكون هناك اسباب كثيرة لرسوبه في العام المقبل، بل بالعكس علينا ان نريحه نفسيا ونهيئه للنجاح في العام الدراسي المقبل، وافضل شيء هو ان يمارس هواياته التي يحبها بجانب مذاكرة المواد التي يجد فيها صعوبة طوال فترة الاجازة الصيفية.
الرسوب ليس نهاية العالم
* المدرس عبدالعزيز بن صالح العنبري يقول: الرسوب لا يعني نهاية الامر ولا يعني الفشل، فكم من علماء في الرياضيات والفيزياء وغيرهما من العلوم كانوا متعثرين دراسيا، وهذا يعكس اهمية التعامل الصحيح مع الطالب الراسب، فهناك امور يجب ايقافها والابتعاد عنها فورا وبشكل دائم وتتلخص في (الضرب، الاهانة، سوء المعاملة) ويجب ان نستبدلها باللوم المعقول.
ويضيف العنبري: ان الطالب الراسب بطبيعة الحال سيحرم من بعض الامور مثل السفر وذلك يستثنى منه من لدى والديه قدرة على توفير مدرس له او القيام بهذا الامر من قبلهم، ويجب علينا ان نحرص على شخصية الطالب كي لا تتأثر سلبا، فالتربية قبل التعليم دائما التربية الصحيحة توجد وتشكل لنا المواطن الصالح, اما التعليم فهو يؤهل الفرد للعمل والانتاج ويؤكد ان الرسوب لا يعني الفشل ويجب ان يشعر الطالب الراسب بأن هذا شيء طارىء ولكل جواد كبوة ونوفر له الجو الملائم للدراسة ونقسم له الوقت بحيث نترك له مجالا للحركة واللعب والراحة.
هناك عدة عوامل وراء الرسوب
* الدكتور سلطان بن موسى العويضة عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس بجامعة الملك سعود قال في البداية يجب ان نتعرف على اهم العوامل التي قد تؤدي الى الرسوب وهي:
العوامل المتعلقة بالطالب، المناخ المدرسي، البيئة الاسرية وجماعة الرفاق، وسائل الاعلام، وسنناقش فيما يلي كل عامل من هذه العوامل باختصار:
أولا: العوامل المتعلقة بالطالب
يأتي في مقدمتها الذكاء والقدرات والاستعداد ومن ثم اتجاهات الطالب نحو العملية التعليمية ومستوى الطموح لديه وظروف نشأته وتربيته وموقع تربيته داخل الاسرة ومدى ملاءمة المنهج الدراسي لامكاناته ومدى قدرته على التكيف مع بيئة المدرسة وسلامته البدنية وصحته النفسية.
ثانيا: المناخ المدرسي
ويدرج تحت هذا العامل نمط الادارة المدرسية حيث يمثل عاملا مهما في تناول ظاهرتي الرسوب والتسرب فغني عن القول ان قيادة المدرسة بشكل تعسفي يؤكد على العنف يختلف في مخرجاته التربوية عن نمط الادارة الديمقراطي الذي يراعي قضية الفروق الفردية بين الطلاب ويحاول احتواءهم على مختلف مستوياتهم حيث يشعر الطالب انه يدرس في بيئة آمنة تحترمه وتقدر امكاناته، ايضا هناك عوامل اخرى مرتبطة بكفاءة المعلمين وتمكنهم من ايصال المعلومة بيسر للطالب ومدى ملاءمة المناخ الفيزيقي للعملية التعليمية من تكييف واضاءة وفصول غير مكتظة بعدد الطلاب ووجود ساحات للفسح وللنشاط الرياضي، فكما نعلم ان مباني المدارس المستأجرة تختلف في تهيئتها لبيئة التعلم عن المباني الحكومية المهيأة لها, هناك ايضا عامل آخر غاية في الاهمية يتمثل في وجود برنامج ارشادي قادر على تلمس الحاجات التربوية والنفسية الملحة للطالب الامر الذي يتضمن وجود مرشدين طلابيين مدربين تدريبا جيدا ومؤهلين للتعامل مع الحالات الخاصة بما فيها حالات الضعف الدراسي.
ثالثا: البيئة الأسرية:
تلعب البيئة الاسرية للطالبة دورا رئيسيا في تحصيله وتحدد الى حد كبير نجاحه من رسوبه، فطبيعي ان طفلاً يعيش في كنف والديه محاطاً بالحب والحنان سيختلف في عطائه عن طفل يعيش في بيئة مشحونة بالتوتر والخلاف ويعاني بسببها حيرة الصراع النفسي,, فتوفير الرعاية النفسية للطالب داخل الاسرة اهم بكثير من توفير الامكانات المادية مهما عظمت.
رابعا: جماعة الرفاق:
تؤثر جماعة الاصدقاء على تشكيل اتجاهات الطالب نحو العملية التعليمية، فاذا كان محاطا بجماعة لا تهتم كثيرا بالتعليم ولديها الكثير من الاهتمامات الثانوية والتي قد تكون هدامة فسينعكس ذلك سلبا على ناتج العملية التعليمية، اما ان كان لديه نخبة من الاصدقاء الذين يؤازرونه ويشجعونه على التحصيل والتنافس الشريف ويتمتعون بوجود اهداف واقعية في الحياة ورؤى مستقبلية فسينعكس ذلك ايجابا على تحصيله الدراسي.
خامسا: وسائل الاعلام:
قد تكون وسائل الاعلام عامل بناء وقد تكون عامل هدم خصوصا مع وجود عشرات القنوات الفضائية التي تبث الغث والسمين وهذه الفضائيات قد تغري بعض الطلاب لمتابعتها على حساب التحصيل العلمي.
ويضيف د, العويضة: اذا اخذنا بعين الاعتبار كل هذه العوامل التي قد تلعب دورا في مسألة الرسوب استطعنا ان ندرك انه ليس من الحكمة ايقاع العقوبة على الراسب لسبب منطقي وبسيط وهو انه يصعب على ولي الامر تحديد بالضبط اي من العوامل السابقة لعب الدور الاساسي في الرسوب اضافة الى ان العقوبة ايا كانت سواء نفسية أم مادية ستؤثر سلبا على نظرة الطالب لنفسه وعلى تقديره لذاته وستزيد الى معاناته ألما وحسرة.
الوقاية خير من العلاج
وعن الاسلوب الامثل للتعامل مع الراسب قال د, العويضة الوقاية خير من العلاج ويدعو علم النفس الارشادي الى التركيز على المنهج الوقائي قبل الحديث عن المنهج العلاجي، والرسوب كما ذكرت هو عبارة عن محصلة لخطأ ما وقع خلال العام الدراسي، فيفترض وجود متابعة منظمة من بداية العام وتعاون بين البيت والمدرسة خصوصا التأكيد على دور الارشاد الطلابي والذي تمثل متابعة الطلاب وارشادهم اهم المهام المناطة به، كل ذلك من اجل مساعدة الطالب على تحقيق كل ما يمكنه تحقيقه، اما اذا حصل الرسوب فينصح بالآتي:
تقبل تلك الحقيقة بصدر رحب، استشارة المرشد الطلابي في معرفة الاسباب الحقيقية وراء الرسوب ومراجعة دقيقة لسجل الطالب الشامل واحتواء الراسب نفسيا ومحاولة ايضاح ان حبه وتقبله واحترامه كلها امور ليست مشروطة بنجاحه الدراسي، ومحاولة الاستفادة من خبرة الرسوب ايجابيا وذلك عن طريق تحويلها الى دافع للعطاء والنجاح بل والتفوق في الاعوام او الفصول المقبلة.
|
|
|