عاشت ماري كوري حياتها تمشي على جمر الأيام,, تتألم وتصبر,, تتوالى عليها صدمات الحياة لكنها تقاوم وتصمد,, انها امرأة صنعتها الاحزان دون ان يغمرها اليأس كانت الاحزان الاولى، عندما فتحت عينيها فرأت الوطن مكبلا بقيود الذل، خاضعا لقيصر روسيا,, الجنود الروس يعيثون في الارض فسادا، يروِّعون الآمن والمطمئن، يقبضون على أي وطني شريف، فإما ان ينفى الى مجاهل سيبريا او يموت على اعواد المشانق.
,, وكان على تلاميذ المدارس ان يتعلموا اللغة الروسية,, ان يدرسوا تاريخ روسيا,, وفي المقابل تمحى صورة بولندا من الذاكرة، وكانت الصغيرة، ماري تقاوم هذا العنت بإخفاء الكتب البولندية وقراءتها سرا وهي تحلم طول الوقت باليوم الذي يشع فيه نور الحرية على وطنها مرة اخرى، لكن الاحوال كانت تزداد سوءا يوما بعد يوم، ففي تلك الظروف المحبطة توفيت الاخت الكبيرة بالتيفوس، ثم توفيت الام ايضا بعد صراع طويل مع الدرن، وفي تلك اللحظة الكئيبة ادركت ماري ان صفو حياتها قد تعكر الى الابد!
كان عليها ان تلملم انكسار الذات، فلم تجد سبيلا الى ذلك سوى ان تنهمك في القراءة والاطلاع، لدرجة ان اباها لاحظ انها منعزلة وتقرأ بنهم ، وبما لا يتناسب مع سن فتاة صغيرة، فكان يرسلها عنوة كي ترتع وتلعب مع اخواتها الكبيرات، وهو لايدرك ان ابنته لم تعد تهتم بأي شيء، ليس هناك سوى حلم واحد كبير يملأ قلبها وعقلها: ان تسافر الى باريس لدراسة الطبيعة والكيمياء، ولأجل تحقيق هذا الحلم اضطرت لاعطاء دروس لأولاد الاغنياء، وكان عملا لا يبعث على السرور، فالتلاميذ يمتازون بالبطء والكسل، وآباؤهم يعاملونها بخشونة، لكنها حين تأوي الى فراشها ليلا يظل حلم السفر يراودها تماما مثلما يراود اختها برونيا حلم السفر الى باريس ايضا لدراسة الطب، وكان الاتفاق ان تسافرا معا، لكنهما أدركتا استحالة ذلك فآثرت ماري ان تسافر اختها اولا وحين تعود طبيبة مؤهلة تأخذ ماري فرصتها في الرحيل طلبا للعلم.
وظلت ماري تكابد الانتظار والعمل الممل في تربية اطفال ثقيلي الظل، كي توفر جزءا من دخلها لنفقات دراستها القادمة وجزءا آخر ترسله الى اختها برونيا في باريس, اربع سنوات وهي تعاني وتحبط,, ويخبو الامل في نفسها لينمو فجأة، بالفعل، تخطو اول خطوة نحو حلمها الكبير حين تصل الى السوربون في سنة 1891م, وصلت شابة ناضجة ليس في قلبها مكان للحب او للاحزان، فكانت تصعد بعد يوم عمل شاق في الجامعة الى غرفتها القذرة على سطوح احد البيوت القديمة، وهي منهكة خائرة القوى ومع ذلك تعكف على كتبها بلا انقطاع، لا تشغل البال ببرودة الغرفة اوندرة الطعام وانما يشغلها شيء واحد: التحضير درجتين من درجات الاستاذية، احداهما في الطبيعة والاخرى في الرياضيات.
وليتها اكتفت بالتحضير لدرجة واحدة كسائر الطلاب بدلا من هذا اللون القاسي من المعيشة الذي ينعكس على صحتها بالضعف والشحوب!! الحقيقة ان قسوة الحياة اكسبتها صلابة نادرة وطموحا حادا، انها لن تتوقف الا حين تحقق حلمها الكبير، حتى لوجاءت بآخر انفاسها.
لقد لخصت حياتها كلها في حلم وحيد,, الظروف القاسية والعناد والصبر,, اليأس والقلق والمرارة,, السفر والترحال,, كل شيء في حياتها كان ينصهر ويذوب في نهر دؤوب اسمه طلب العلم,, لذلك عندما تعرفت على الشاب النابغة بييركوري وتزوجته، حولت الزواج ايضا الى شراكة بحثية وعلمية، فاهتما معا باليورانيوم المشع للحصول على درجة الدكتوراة.
واثناء البحث اعترضتهما صعوبات كبيرة، فالمعمل الذي جادت به الجامعة غرفة ضئيلة تجمع بين البرودة والرطوبة، كذلك الاجهزة المناسبة غير متوفرة، ومع ذلك راحت مدام كوري تبحث عن اكثر العناصر الكيماوية اشعاعا، فكانت تختبر العناصر واحدا واحدا حتى وجدت ان معدن البتش بلند يصور اشعة اقوى بكثير من اي معدن آخر,, فما هذا العنصر الذي يسبب كل هذا النشاط الاشعاعي؟ لقد كان يوما اغر حين اكتشفت مدام كوري هذا العنصر واطلقت عليه اسم الراديوم وبهذا الاكتشاف العظيم نالت مدام كوري اجازة الدكتوراة لكن مهمتها لا تتوقف عند هذا الحد، لان عليها ان تحصل على الراديوم من البتش بلند، ومن هنا بدأت بمساعدة زوجها ابحاثا جديدة اقتضت منهما ان يبحثا عن معمل جديد، وبكل اسف لم يجدا سوى حظيرة خشبية قديمة اشبه بالكوخ، واشتريا طنا من خامات البتش بلند واستمرا يعملان اربع سنوات لاستخلاص الراديوم النقي.
وقد اقتضى هذا العمل ان تقف مدام كوري طول اليوم في الفناء تقلب كتلة المعدن الذائبة بقضيب من الحديد بعد معاملته بمواد كيماوية اخرى، كل يوم تفعل هذا حتى كاد ان يصيبها اليأس، وفي سنة 1902م حصلت ماري كوري على قطعة من الراديوم النقي ولاحظت ان اشعته اقوى مليون مرة من اشعة اليورانيوم، وانه لايشع نورا فحسب بل حرارة، كما لاحظت ان هذا النشاط الاشعاعي يؤثر في جلدها ويصيبه بالالتهاب والاحمرار.
وكان في وسع مدام كوري ان تصبح هي وزوجها من اغنى الاغنياء، بعدما ارتفع ثمن الراديوم واصبح يفوق ثمن الذهب بكثير، لكنهما لم يهتما بتسجيل الاختراع او الاحتفاظ بسر تحضير الراديوم، فرفضا الربح لانهما عالمان وليسا تاجرين.
كما اعلنا سر التحضير لأنه ملك للبشرية جميعا وفي لحظة تاريخية توج كفاح بيير كوري وزوجته ماري سكلودو فسكا الاسم الحقيقي لها لجائزة نوبل العالمية، لكن البهجة لم تدم طويلا، ففي ساعة النصر اصيبت مدام كوري بخطب جلل إذ دهمت عربة في احد شوارع باريس زوجها فصرعته في عام 1906م ولم تصدق ماري ان شريك العمر وصديق العلم قد قضى وانقضى اذ كانت الحياة بدونه تبدو مستحيلة، ولقد بلغ من شدة حزنها عليه ان فقدت الجائزة مذاقها، وفقد الراديوم هالة من سحر في نفسها، بعد ان استأثرت المأساة بكل تفكيرها ، وكما يقال بان الزمن يداوي الجراح، بدأ الحنين يعاودها مع مرور الوقت للعودة الى المعمل رغم الاحباط واليأس، لانها تعلم ان زوجها الراحل يحب ان تسير قدماً في عملها.
لقد اعتادت ماري على صدمات الحياة كما اعتادت ان تقاوم,, ان تبدأ من جديد,, ان تحول الاحباط والقلق الى صبر وكفاح,, ومن جديد عادت ماري الى الكفاح فحولت المعمل الصغير الى معهد الراديوم وساهمت اثناء الحرب العالمية الاولى في علاج اكثر من مليون من الجرحى، واثبت الراديوم انه علاج فعال في العديد من الامراض، ورغم ما نالته من شهرة عظيمة الا انها ظلت تكره الظهور امام الجموع، وتعتذر عن مآرب التكريم، ولا تشعر بالسعادة الا بجوار بنتيها او في معملها الذي عكفت على العمل فيه الى آخر يوم من ايام حياتها حيث كانت اشعة الراديوم التي وهبت الصحة للكثيرين هي نفسها التي قضت على صحتها,.
لقد وهبت ماري كوري حياتها للعلم,, للراديوم,, ولم يكن العلم سبيلا لتجاوز الاحزان فحسب، وانما كان ايضا طريق المجد والعظمة الذي جعل فتاة بولندية فقيرة امرأة من اعظم واشهر النساء على مر العصور، يحتفل العالم اجمع في هذا الشهر بمرور خمس وستين سنة على وفاتها.
|