تنتمي الشاعرة الاماراتية صالحة عبيد غابش إلى الجيل المتطلع إلى القرن القادم اي إلى تلك المساحة التي تخاطب بأشعارها المستقبل دون اهمال الماضي فتقول أبيع كلامي لمن؟
ومن يشتريه,.
وكل الكلام الذي أفلت الصمت منه انكسر,,
وبعيداً عن منطقة البيع والشراء التقتها الجزيرة في هذا الحوار لنتحدث عن تجربتها الخصبة ومشوارها مع الشعر فقد صدر لها ديوانان وتعد لديوانها الثالث وهي تمارس العمل العام إلى جانب دراستها وكتابتها الابداعية.
تجربة بلا قيود,, لكن,.
* في ديوانك الأول بانتظار الشمس يلاحظ القارئ اختفاء صوتك الخاص؟
- هذا الديوان يعبر عن مرحلة من حياتي وهي مرحلة كانت علاقتي مع الآخر محدودة للغاية، ورغم هذه العزلة التي كنت أعيش بداخلها إلا أنني كنت بعيدة عن نفسي أيضاً، أخشى الاقتراب من نفسي كامرأة لها تكوينها الخاص، وبالتالي كان الجو العام للديوان تعبيراً عن قضايا انسانية عامة يغلب عليها الحس الصوفي، والديوان اشتمل على قصائد عمودية وقصائد تفعيلة، وهذا الشكل يناسب طبيعة الموضوع، ويمكن ان نقول ان هذا الديوان غلبت عليه الصنعة، وكان صوتي الشعري لا يزال يتكون بداخلي، ولهذا احسست في لحظة من اللحظات انني تعجلت في اصداره، ولكنها كانت خطوة بداية مهمة.
* وهل حقق ديوانك الثاني ما تتوقين إليه؟
- بالتأكيد تجرأت في ديواني الثاني المرايا ليست هي في الكتابة عن قضيتي الخاصة بشكل يرضيني، كانسانة محافظة تربت على تقاليد تحب ان تحافظ عليها لانني مقتنعة بها، وفي كتابة هذا الديوان لم أجد تعارضا بين ان أكون صريحة مع نفسي في كتابة الشعر وفي نفس الوقت محافظة على هذه التقاليد، خاصة انني لا اعاني من أي قيود اجتماعية أو أسرية.
* قيود ! لماذا دائما هناك دفاع عن قيود ما ؟
- ربما منذ عشر سنوات أو أكثر كانت المرأة الخليجية إلى حد ما تعاني من القيود لكن المجتمع الخليجي حاليا يتفهم الوضعية التي يجب ان تكون عليها المرأة وان لها دوراً في عملية التنمية الوطنية, فتلك النظرة التقليدية الجليدية بدأت تذوب بشكل واضح، وإن كانت مازالت هناك تجارب فردية تعاني لكنها لا تمثل المجتمع ككل، أي ان الباب اصبح مفتوحا وعلى المرأة ان تختار الطريق الذي يعبر عن ذاتها، والذي تعطي من خلاله شيئا له قيمته واسهامه في منظومة العمل الحضاري.
* مسألة القيود هذه تجعلني اسألك عن تجربتك الخاصة,, ونظرة المجتمع إليك؟
- المجتمع ساعدني جدا، بدءا من أسرتي وانتهاء بالمجتمع ككل، فهذا المجتمع هو الذي اعطاني مساحة حرة أتحرك فيها وأحقق شخصيتي سواء على مستوى الوظيفة او على صعيد الابداع، وأزعم ان المجتمع اعطاني جناحين ووهبني ثقته مما دعم مشروعي الثقافي الخاص بي، وكل هذا ليس من فراغ ولكن بسبب الجدية التي اتخذتها منهجا لبناء هذا المشروع، إذن علاقتي مع المجتمع علاقة ثقة بثقة، واحترام باحترام، لذا أحرص على نفسي كحرصي على اسرتي وعلى مجتمعي دون تفرقة.
* وأنت تتكلمين ذكرت الوظيفة والابداع,, نريد اضاءة اكثر على هذين الجانبين؟
- بداية أنا أعمل مديرة ادارة الشؤون الثقافية في اندية الفتيات بالشارقة، حيث نساهم معا في تقديم انشطة متنوعة للنهوض بالمرأة الاماراتية في مختلف النواحي, وفي نفس الوقت اعتز بكوني شاعرة، والمسألة ليست معقدة لان الابداع باب لدخول الانسان الى عمق المجتمع، فأن تبدع يعني ان تعرف تفاصيل مجتمعك لان التفاصيل هي التي تعطيك الثقافة اللازمة للكتابة، فالكاتب ابن بيئته بقدر معرفته بها, واعتبر الوظيفة شكلا من اشكال التفاعل مع المجتمع، فالابداع يعطي فرصة كي يعرفك الجميع وبناء على هذا الابداع تفكر المؤسسة الوظيفية في استقطابك وتقديمك,, إذن الابداع بطاقة تعارف مع الآخرين، ولابد ان يكون له حضور,, لكن احيانا لاتخدم الوظيفة الابداع، وتكون اشبه بالآلة الحادة التي توقف مسيرة المبدع، لانها قد تمتص المجهود او تسرق الوقت، او تسرق الهم الابداعي لصالح الهم الوظيفي.
هم بالوظيفة,, وهم بالإبداع!
* وكيف تمنعين هم الوظيفة عن سرقة هم الابداع؟
- أترك الموضوع للفرصة حتى يجتمع الوقت وحالة الابداع معا,, فرغم ان عملي يستقطب ساعات طويلة من النهار، خاصة في مواسم العمل، لكن هناك بالفعل مواسم اخرى تسمح لي بمواجهة الجزء الثاني مني وهو الابداع,, أحيانا وسط كثافة الضباب العملي قد أجد لنفسي شمسا صغيرة اكتب في ضوئها، خاصة إذا كنت شعوريا مستفزة لحالة معينة وأريد تشكيلها في صورة لغة، فهذه القوة او هذا الاستفزاز يدفعني لايجاد وقت بالقوة ولو على حساب الوظيفة احيانا، طالما ان الامر لن يضير أحدا.
* وهل الوظيفة هي سبب انقطاع بعض الكاتبات عن مواصلة الابداع؟
- هذه الظاهرة الادبية انتشرت لدينا منذ عشر سنوات تقريبا,, حيث شهدت هذه الفترة اسماء نسائية ادبية كان بامكانها ان تبلغ وضعا متميزا في الساحة الثقافية في الامارات وربما في الوطن العربي كله، هذه الاسماء اجادت في كتابة الشعر والقصة القصيرة، ومازالت الدراسات النقدية تشير إلى هذه الاسماء وتنشر نماذج من ابداعها برغم توقف اولئك الكاتبات,, وقد يرجع سبب التوقف الى ظروف اجتماعية كارتباط الكاتبة بالزواج على الارجح، فهذا أكثر اسباب توقف المرأة الاماراتية حيث تختصر رحلة الابداع لحساب حياتها الاسرية، وربما يكون القرار نابعا من قناعة ذاتية بداخلها او تحت ضغط الزوج, والسبب الثاني للتوقف هو انشغال اولئك الكاتبات بالدراسات الاكاديمية وبالتالي لا أحد يعرف هل توقفهن عن الابداع امر مؤقت ام دائم! وهناك بالفعل مبدعات لم يعتزلن المجتمع حيث لايزلن مرتبطات بوظائف عامة او اعلامية لكنهن اعتزلن الابداع.
الملاحظة المهمة ان هذا التوقف لا يقتصر على المرأة فحسب، حيث هناك كُتاب ظهروا في السبعينيات والثمانينيات ثم توقفوا ولا أدري ما الاسباب بالنسبة لهم.
الذات ,, الهوية,, العالمية
* إذا تلمس القارىء العربي مكانك على خارطة الابداع في الامارات، أين يجدك؟
- على ارض الواقع انا بدأت منذ نهاية الثمانينيات، وأفادتني دراستي للعروض وكنت اشعر انها ستدخلني عالم الشعر من اوسع ابوابه، وبدأت ابني اولى قصائدي حسب اوزان الشعر,, وشيئا فشيئا تبلورت تجاربي,, وقد قرأت تجارب الشاعرات اللائي اتين قبلي واللائي يكتبن بشكل حداثي، مثل ظبية خميس، ميسون صقر، اروى سالم,, وهذا أفادني في تحديد موقعي كتجربة لاحقة لهن من خلال التساؤل: هل تجربتي سوف تتحقق بنفس الشكل ام انني سأجد لنفسي طريقا خاصا بي عن اقتناع؟! والحمد لله ان الاوساط الادبية استقبلت ديواني الاول كصوت نسائي جديد، على ما فيه من بعض السلبيات بحكم البداية، لكن أقلام النقاد كانت امينة إلى حد كبير ولا تبالغ سواء في المدح او القدح.
وحاليا بعد مرحلة البداية واصدار ديواني الثاني، فأنا انتمي إلى جيل من الشاعرات يبحث عن اطر جديدة للابداع، ويسعى لتحقيق هوية الشعر الاماراتي، بغض النظر عن جنس الكاتب، وفي نفس الوقت الذي نحقق هويتنا نحقق ايضا صوتنا الخاص بنا، والنابع من مفردات البيئة، لان لدينا احساسا كبيرا بأن لغة البيئة هي التي سوف تساعدنا على تكوين تجربتنا الابداعية.
* ما الذي تقصدينه بالهوية في هذا السياق؟
- منطقة الخليج لها تاريخ واحد ومشهد حضاري مشترك، حتى الطفرة الاقتصادية جاءت لجميع دول الخليج، وحاليا يعيش الخليج ظروفا متشابهة، وانا بالفعل اقصد الهوية الخليجية بشكل عام، لكن انتمائي للامارات بالفعل يجعلني ابحث عن هويتي الوطنية، عن التفاصيل الدقيقة لمجتمعنا، النكهة الخاصة بنا,, إذا استطعت ان اجد ملمحا مهما للامارات فسأجد ان مجتمعنا مجتمع منفتح ومحافظ في نفس الوقت، فالانفتاح لم يجعلنا مقلدين لغيرنا، والمحافظة لم تجعلنا منغلقين عن العالم، فثمة قدرة على الاستيعاب والرفض والغربلة، فمثلا الرجل الخليجي متحضر ومع ذلك يحافظ على زيه الوطني، ونفس الامر بالنسبة للمرأة، برغم ان هذا الزي قد يجعل البعض عرضة للسخرية، لكنني اعتبر تلك الدلالة البسيطة مؤشرا مهماً يدل على عمق رؤيتنا للحياة.
* وبصفتك الشاعرة كيف تحافظين على تلك الهوية مع شيء من الطموح إلى العالمية؟
- لكي تكون التجربة الانسانية عالمية لابد ان تنطلق من بيئتها وإلا فلن نضيف شيئا، فهل لابد ان اكتب بطريقة أمريكية كي اكون عالمية؟! بالفعل فإن الغرب قد سبقنا ثقافيا ولكن دخولي مع هؤلاء لن يقدر على وجهه الصحيح إلا اذا انطلقت من نفسي، ومن المجتمع الذي اعيش فيه، وبالتالي استطيع ان ابحر الى الآخر, فمثلا في الفن التشكيلي ما يجذب الفنان الغربي في فننا هو طريقتنا في التعامل مع بيئتنا ومع رموزنا الحضارية، بغض النظر عن المدرسة التي ينتمي اليها الفنان.
* وما هي اهم التجارب الخليجية التي ترشحينها للقارئ العربي؟
- هناك الشاعرة الكويتية سعدية مفرح، التي رغم معاناتها على المستوى الحياتي إلا ان تجربتها الشعرية مهمة للغاية,, فهي تتمتع برهافة حس شديدة في اختيار اللفظ، ولديها حالة ذوبان وانسيابية تجعل القارئ يتفاعل معها لا شعوريا,, وأيضا حمدة خميس من البحرين، وهي تملك قدرة مدهشة على الاضاءة السريعة اللماحة في قصائدها القصيرة، فتدخل القارىء في الحالة الشعرية بشكل سريع ثم لا يخرج منها ابدا، فأجد لديها لقطات مدهشة عن الوحشة وتفرد الانسان، وافتقاد الحوار بين شريكي العمر، وغير ذلك من اللقطات العميقة المكثفة,,, وهناك شاعرات اخريات احب قراءة اشعارهن مثل هدى الدغفق وفوزية أبو خالد وثريا العريض، ولكن للاسف لم اطلع على جميع اعمالهن.
شريف صالح