طليطلة أو توليدو كما يدعوها الاسبان اليوم هي واحدة من مدن الاندلس الاربع الكبرى التي افتتحها المسلمون وفيما كانت قرطبة وغرناطة واشبيلية مدنا رومانية كبيرة كانت طليطلة هي عاصمة اسبانيا في عهد القوط الغربيين وحاضرة البلاد الرئيسية.
وقد كان سقوط هذه المدينة بأيدي الفونسو السادس ملك ليون وقشتالة في 25 مايو 1085م - (478ه) أول مسمار دق في نعش الحكم الاسلامي بالاندلس.
ولم يخض الفونسو اي حرب من اجل الاستيلاء على هذه المدينة وانما سلمه إياها القادر احد ملوك الطوائف من اسرة ذي النون فقد كان هذا الامير الذي درج في بلهنية القصور ونعيمها ألعوبة في ايدي خصيانه وسخرية في اعين جيرانه الذين راحوا يتنافسون فيما بينهم على تجريده مما بيده فلجأ الى الاستعانة بالفونسو ليؤيده ليس فقط في مواجهة بقية ملوك الطوائف بل وفي مواجهة رعاياه الذين سئموا طغيانه وكرهوا منه استبداده وعزموا على ان يسلموا طليطلة الى المتوكل صاحب بطليوس ليدافع عنها امام مطامع الاسبان.
ولكن القادر فر تحت جنح الليل الى الفونسو وشرع يسترضيه بالاموال وبالقلاع يسلمها الواحدة تلو الاخرى ليضمن جلوسه على عرش طليطلة والملك القشتالي يغالي في طلباته حتى إذا ما خلا وفاض القادر من كل ثروة وغادر اهل مملكته البلاد مرتحلين الى بطليوس وأشبيليه اضطر إلى تسليم طليطلة ذاتها لألفونسو مشترطا عليه شروطا من اهمها ان يؤمِّن من فيها من المسلمين على انفسهم وأموالهم وذويهم وبنيهم ومن احب منهم التنقل لم يمنع منه ومن احب المقام لم يلزمه سوى اداء الجزية على عدد من عنده من الاشخاص وان رجع بعد رحيله نزل عما كان بيده من عقار دون تعرض عليه في كثير وان يترك لهم المسجد الجامع ثم ان يتكفل باعادة القادر الى بلنسية, وقبل الفونسو هذه الشروط ودخل عاصمة المملكة القوطية القديمة في 25 مايو سنة 1085م وسمى نفسه بحاكم اهل الملتين، وذلك قبل أن يهزمه المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين بموقعة زلاقة في العام التالي.
ومهما يكن من امر فقد شرع الفونسو بعد احتلاله طليطلة هذه المدينة الحصينة في تحويل ما بها من مساجد الى كنائس مستبقيا فقط مسجدها الجامع حسب الشروط التي اتفق عليها مع القادر ولكن الى حين.
وكان من بين ضحايا هذه المذبحة المعمارية مسجد الباب المردوم الذي تحول إلى كنيسة سميت باسم كنيسة سان خريستون ويبدو واضحا ان هذا المسجد الصغير كان مخصصا لصلاة اهل الحي القريب من احد الابواب المحصنة لطليطلة والذي عرف بعد ان طمرت عقوده باسم الباب المردوم .
ورغم تحويله الى كنيسة إلا ان المسجد يحتفظ الى اليوم بمعظم تفاصيله المعمارية الاصيلة والتي تكشف عن اهم ابداعات فن العمارة الاسلامية بالاندلس ومن بينهاالعقود المفصصة فنشاهد العقد خماسي الفصوص يعلو احد مداخل الواجهة الجنوبية الغربية كما نشاهد العقد الثلاثي الفصوص على الواجهة الشمالية الشرقية, وتتميز واجهة مسجد الباب المردوم الغربية بمجموعة متداخلة من العقود نصف الدائرية تتوج المدخل الثلاثي للمسجد وباعلاها شبكة من الخطوط المتقاطعة التي يأتي بعدها شريط من كتابات عربية تشير إلى ان المسجد قد شيد في عام 392ه على يد أحد التجار الاندلسيين بطليطلة.
والمسجد مغطى بالقبوات ذات الضلوع المتقاطعة كحلية زخرفية ويقوم نظام التقبيب على تقاطع الضلوع في صور مختلفة، فعلى كل اسطوان من اساطين بيت الصلاة التسعة تقوم قبوة، الوسطى منها اكثر ارتفاعا ومن القبوات التسع ما يمثل شكلا رباعيا منحرفا ذا اقطار بحيث يبدو كأنه قبوتان من الطراز القوطي احداهما داخل الاخرى ومنها ما يبدو على شكل مثمن ومنها ما يقلد تقاطع القبة المخرمة الكبرى بجامع قرطبة.
وبطليطلة ايضا بقايا مسجد صغير يعرف باسم مسجد الدباغين نسبة إلى الحي الذي كان يسكنه اصحاب هذه الحرفة وهو يشبه في وحداته الزخرفية وعقوده مسجد الباب المردوم.
والحقيقة ان طليطلة تعد افقر مدن الاندلس بآثار العهد الاسلامي وذلك لسقوطها المبكر في ايدي نصارى الاسبان وسرعة مغادرة اهلها لمساكنهم وخاصة في خضم احداث معركة الزلاقة الشهيرة ويبدو من كتابات المؤرخين الاندلسيين ان مسجدها الجامع وكذلك قصر اميرها المأمون جد القادر كانا من روائع فن المعمار الاسلامي بالاندلس.
د, أحمد الصاوي