* جمال الدين يكتشف مخطوطة نادرة للجزار في جامعة القاهرة اكتشف الباحت لسنوات مجهولة المؤلف تحكي قصة حياة أحمد باشا الجزار منذ نشأته في البوسنة حتى تولى حكم الشام, بقلم حيدر أحمد الشهابي.
وعن تجربته في مجال تحقيق التراث وكيف استطاع ان يكشف هذه المخطوطة المجهولة يقول عبدالعزيز جمال الدين:
في ظل اهتمامي بتاريخ مصر القومي، فترة الاحتلال العثماني، قمت بتحقيق كتاب عجايب الآثار للجبرتي فكان اول تحقيق لهذا الكتاب الهام في المكتبة التاريخية المصرية.
وفي هذا السياق اطلعت على عدة مخطوطات هامة تعود لهذه الفترة، وقد اعجبني منها هذا المخطوط لانه من اقدم السير التي كتبت في الادب العربي الحديث، هذا إلى جانب لغتها الجميلة السهلة التي تأثرت كثيرا بلغة الجبرتي حتى انه نقل عنه اجزاء كبيرة خاصة بالحملة الفرنسية على مصر.
ولكن ما حيرني في هذا المخطوط انه لمؤلف مجهول حاولت كل الجهد الكشف عنه حتى تمكنت من ذلك بعد عدة مقارنات ومطالعات لمؤرخي هذه الفترة في مصر وبلاد الشام, فكانت محصلة ذلك ان المخطوط لمؤلف من العائلة الشهابية اللبنانية هو الامير حيدر أحمد الشهابي.
ولعل السبب في ضياع اسم المؤلف من على المخطوط يعود إلى ان الامير حيدر عندما توفي عام 1835 تبعثرت مكتبته وضاع منها العديد من كتبه ومؤلفاته خاصة مؤلفه الكبير الغرر الحسان في أخبار ابناء الزمان وفي اوائل هذا القرن تم نشر هذا الكتاب بمصر سنة 1900م من ثلاثة اجزاء، ثم قامت بنشره مديرية المعارف العامة والفنون الجميلة بلبنان عام 1933م.
وبالاضافة إلى كشفي لاسم مؤلف المخطوط قمت بتحقيقه ومقارنته بما ورد فيه من التاريخ الكبير للامير حيدر وما نقله عن الجبرتي وغيره، وأضفت إليه هوامش عديدة مستفيضة تناولت ايضاح المصطلحات الادارية والفنية والعسكرية والمالية، إلى جانب تحقيق المواضع والمواقع ووضع تراجم للاعلام الواردة في المخطوط الى جانب وضع عدد من اللوحات والصور والخرائط, وذلك بهدف تقديم المخطوط في ادق وأوضح شكل ممكن حتى يمكن اكتشاف اهمية المخطوط وأهمية كاتبه.
ترجع اهمية المخطوط إلى انه يحتوي على مرحلة تاريخية هامة حدثت بين مصر والشام والجزيرة العربية في ظل الاحتلال العثماني من النادر ان نجدها بهذا الوضوح في مخطوطة اخرى من هذه الفترة, مما يكشف عن عمق العلاقات التاريخية بين مصر والشام والجزيرة العربية في هذه الحقبة التاريخية، كما يكشف المخطوط دور المغامرين الذين ظهروا في ظل انهيار السلطة العثمانية من امثال علي بك الكبير ومحمد بك أبو الدهب وأحمد باشا الجزار وظاهر العمر والقرمنلي وغيرهم كثير، في ظهور الحركات الاستقلالية في المستعمرات العثمانية وما أدت إليه من سرعة انهيار السلطنة العثمانية التي كانت تقوم بالاساس على القوة العسكرية الباطشة.
أما أهمية مؤلف المخطوط وهو الامير حيدر الشهابي فترجع إلى انه احد افراد عائلة من اهم العائلات التي مارست الصراع على السلطة على ساحل الشام ولبنان منذ القدم وحتى اليوم ومن هنا فإنه يكشف عن جذور الصراع الطائفي في لبنان وما آل إليه هذا الصراع حتى اليوم، ولقد تمكن الامير حيدر من امتلاك هذه القدرة التحليلية، والراصدة للصراعات في لبنان بالذات بفضل قربه من الحكام الشهابيين، وذلك انه ابن الامير حيدر الشهابي الكبير، كما انه كان كثير التنقل في انحاء لبنان، فقد كان الامير بشير الشهابي يكلفه ببعض المهام التفاوضية والحربية، وقد اشتهر عنه انفاقه على الرهبان، ووقف الاملاك الكثيرة عليهم، مما ترك للعائلة الشهابية بكاملها ارتباكاً فيما إذا كانت عائلة درزية أم نصرانية مارونية، ام مسلمة سنية, وبالاضافة إلى مخطوطه هذا الذي قمت بتحقيقه وعنوانه قصة أحمد باشا الجزار فإن له مؤلفاً كبيراً في تاريخ لبنان بعنوان الغرر الحسان في اخبار ابناء الزمان ومؤلفاً ثالثاً بعنوان تاريخ الامير بشير الشهابي الكبير .
تحكي المخطوطة :
* كيف باع الجزار نفسه لتاجر الرقيق اليهودي الذي باعه بالتالي لباشا مصر حكم أو غلي .
ثم انتقل الجزار بعد ذلك للعمل عند علي بك الكبير مع صديقه محمد بك ابو الدهب, كما ترصد المخطوطة اشتراك الجزار في المؤامرات والاغتيالات التي كانت تدور داخل كواليس السلطة في مصر للاستيلاء عليها، وهروبه بعد كشف دوره في احدى المؤامرات إلى بلاد الشام.
* الجزار يُكون فرقة يساهم في الصراعات الدائرة في ساحل الشام (فلسطين ولبنان) بين العائلات الشهابية والجنبلاطية، وينتهي به الامر الى تولي قيادة حصن بيروت ثم بقية ساحل الشام بدعم من السلطنة العثمانية التي كانت قوتها في هذه المناطق بسبب قيام الزعامات المحلية بمحاولات الخروج عن السلطة العثمانية وتحجيمها تأسيا بما كان يحدث في مصر على وقت علي بك الكبير.
* دعم السلطنة العثمانية للجزار ينتهي به إلى الانفراد بالسلطة على ساحل الشام، وطمعه في الاستيلاء على مصر، ،كتابته لتقرير عن احوال مصر يدعو فيه السلطة العثمانية إلى تقوية قبضتها على مصر عن طريق توليته عليها.
* صمود الجزار امام قوات بونابرت في عكا بدعم من القوات الانجليزية البحرية.
* الجزار في ظل انهيار السلطنة العثمانية امام القوات الاوروبية والروسية، يدعم سلطته السياسية والاقتصادية في بلاد الشام في ظل سياسة الاحتكار الاقتصادي التي استفاد منها محمد علي باشا والي مصر من بعد.
* اصطدام الجزار بالاسطول الروسي الذي يقوم بعملياته البحرية في ساحل بلاد الشام،وكذلك اصطدامه بالحركة الوهابية الصاعدة في نجد، وقيامه بالقضاء على حركة الظاهر عمر وأولاده بفلسطين.
* السلطنة العثمانية تحقق للجزار امنيته في حكم مصر وترسل له الفرمان الخاص بتوليه مصر إلى طرابلس في اللحظة التي يموت فيها سنة 1804م.
ويضيف الباحث عبدالعزيز جمال الدين: انه استغرق في تحقيق هذا المخطوط حوالي سنتين لكي يخرجه في الشكل المناسب، قام بجمعه وترتيبه لتأتي اللوحات والخرائط والتعليقات والشروح في مكانها المناسب من النص, وفي النهاية وضع فهارس للاعلام والاماكن واضاف ملحقاً هاما من تأليف الجزار عن احوال مصر وكيفية ادارتها لتزيد اهمية المخطوط وتحقيقه.
وفي ظل اهتمام الباحث بتاريخ مصر القومي فقد قام بتحقيق بعض المخطوطات القديمة يأتي على رأسها:
* تاريخ بطاركة الاسكندرية لساويرس بن المقفع, وهو مؤلف هام نادر يجمع بين دفتيه اطول فترة تاريخية من تاريخ مصر تمتد من الاحتلال الروماني وحتى أواخر القرن التاسع عشر.
* تحفة الاحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب, يرصد تاريخ مصر حتى السنة 1136ه ليوسف الملوي.
* تاريخ وقايع مصر القاهرة من سنة ألف وماية إلى آخر التاريخ المجموع لمصطفى إبراهيم القينالي.
* نزهة الامم في العجايب والحكم لمحمد ابن أحمد ابن اياس وهو من كتب الخطط المصرية الهامة.
* فضايل مصر لعمر بن محمد بن يوسف الكندي وهو من الكتب التي استعان بها المقريزي والسيوطي وابن تعزي بردي والنويري والقلقشندي وابن ظهيرة وغيرهم في مؤلفاتهم عن خطط مصر.
* تاريخ مصر للشيخ ابن صالح الارمني.
* تاريخ مصر ليحيى بن سعيد الانطاكي.
* تاريخ مصر لسعيد بن البطريق.
* جواهر السلوك في امر الخلفاء والملوك لابن اياس.
* طبقات الامم لابن صاعد المتوفى عام 462ه.
* الفلاكة والمفلكون لأحمد بن علي الدلجي, وهو مؤلف هام عن الحياة الاقتصادية في مصر في أواخر القرن الثامن الهجري وقت سلطنة المماليك البرجية التي اشتهر بها قايتباي والغوري.
مصطفى عبدالله