النظام العالمي الجديد أو الأوضاع الدولية الجديدة د, عبدالله فهد اللحيدان |
لاشك ان التحولات التي شهدها العالم منذ مطلع التسعينيات وبالذات في نهاية العام 1991م عند اعلان تفكيك الاتحاد السوفيتي والغاء حكم الحزب الواحد، كانت النقطة التي بلغ فيها الحديث عن نظام عالمي جديد أوجه, ويربط الكثيرون بين بروز مفهوم النظام العالمي الجديد والرئيس الامريكي السابق جورج بوش,, حيث انتشر هذا المفهوم وتداولته الصحافة والعالم بكثرة بعد خطاب الرئيس الامريكي أمام جلسة مشتركة للكونغرس الامريكي (الشيوخ والنواب) في تاريخ 11/9/1990م, وكان الرئيس الامريكي وأقواله محط انظار العالم في ذلك الوقت نتيجة للغزو العراقي للكويت وما تبعه من ردة فعل دولية قوية بقيادة الولايات المتحدة لقد بشر الرئيس الامريكي في ذلك الخطاب بقيام نظام عالمي جديد أكثر حرية في وجه تهديد الارهاب واكثر قوة في البحث عن السلام, عصر تستطيع فيه دول العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ان تتقدم وتعيش في وئام,, اليوم يجهد النظام العالمي الجديد الى الظهور، عالم مختلف عن الذي عرفناه، عالم يحل فيه القانون محل شريعة الغاب، عالم تعترف فيه الامم بالمسئوليات المشتركة من اجل الحرية والعدالة، عالم يحترم فيه القوي حقوق الضعيف,, ولكن اليوم وبعد مرور عشر سنوات تقريبا لم يتحقق شيء من هذا النظام العالمي الجديد الاكثر عدالة.
لقد اثبتت الايام ان حديث الولايات المتحدة عن نظام عالمي جديد في ذلك الوقت كان من أجل حشد جميع القوى العالمية اللازمة لطرد العراق من الكويت, وان كان هذا هدفا مشروعا اتفقت عليه جميع دول العالم وقتذاك، إلا ان الولايات المتحدة لم تلتزم بعد ذلك بالتعاون مع دول العالم لتنفيذ جميع قرارات الشرعية الدولية, لقد اصبحت الولايات المتحدة انتقائية في تنفيذها لقرارات الشرعية الدولية، بل انها عطلت صدور الكثير منها (مثلا سلسلة قرارات تدين المستعمرات الاسرائيلية في القدس) فما الذي تغير ولماذا لم تستمر الولايات المتحدة بالتعاون مع دول العالم لبناء نظام عالمي جديد, ان الذي تغير هو سقوط الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة لتكون زعيم العالم غير المنازع, ولاثبات زعمنا هذه لنعد قليلا إلى الوراء لنتذكر بعض الاحداث الهامة.
إن اول من تحدث عن نظام عالمي جديد في العقدين الاخيرين هو الرئيس السوفيتي الاخير ميخائيل غورباتشوف لقد كانت آراء وافكار غورباتشوف، هي نقطة البدء لكثير من التحولات التي شهدها العالم منذ 1985م, ان كتاب غورباتشوف الشهير البيروستوريكا او اعادة البناء يحمل عنوانا فرعيا هاما يدل على محتواه التفكير الجديد لبلادنا والعالم ويتضح من هذا الكتاب انه كان لدى غورباتشوف رؤية واضحة للمشاكل التي يعاني منها مجتمع بلاده، وكذلك رؤية واضحة عن الازمات التي يعاني منها العالم.
لقد دعا غورباتشوف لجعل العلاقات الدولية اكثر انسانية من خلال التركيز على الهموم الانسانية والبشرية المشتركة ومن خلال تغليب اعتبارات البقاء على معايير الفناء، وتحويل الاعداء إلى اصدقاء، لقد عمل غورباتشوف طوال سنوات حكمه على تنفيذ وتطبيق ما ورد من كتاباته وأعلن في حديث في الامم المتحدة في يناير 1988 عن ظهور نظام عالمي جديد, لقد اصبح الاتحاد السوفيتي طوال فترة حكم غورباتشوف متعاونا جدا في تنفيذ وحل العديد من المشاكل الدولية، لقد اصبحت الامم المتحدة خلال الفترة من 1985 - 1991م ناجحة للغاية واستطاعت التعامل مع عدد كبير من المشاكل الدولية لعل ابرزها مشكلة الاحتلال العراقي للكويت، لقد عانت الامم المتحدة ومنذ نشأتها في العام 1945 من انقسام القوى العظمى واستخدامها لحق الفيتو لحماية حلفائها ضد اصدقاء او حلفاء الطرف الآخر, وكان ذلك واضحا في الخمسينيات عندما لم تقبل الامم المتحدة ولفترة طويلة اي اعضاء جدد بسبب استخدام كل طرف لحق الفيتو لمنع اصدقاء الطرف الآخر من الحصول على العضوية وبالتالي رجحان كفة الطرف الآخر في التصويت على مشاريع القرارات, لقد استخدم الاتحاد السوفيتي حق الفيتو خلال الفترة من 45-85 (116 مرة) بينما استخدمت الولايات المتحدة هذا الحق خلال نفس الفترة 24 مرة, اما خلال الفترة من 85 -91 فلم يستخدم الاتحاد السوفيتي هذا الحق على الاطلاق مما سهل كثيرا صدور العديد من القرارات الدولية الحاسمة والتي ادت إلى فعالية الامم المتحدة, ولكن وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة بالزعامة العالمية، اصبحت الولايات المتحدة هي الاكثر استخداما لحق الفيتو وبالذات لحماية اسرائيل.
والحقيقة انه في ظل الاوضاع الدولية الجديدة (ولا أقول النظام العالمي الجديد) اصبحت الامم المتحدة اكثر فعالية نتيجة لانتهاء الحرب الباردة وعدم استخدام قوتين متنازعتين لحق الفيتو, لقد اصبح هذا الاستخدام من طرف واحد, أما ان هددت الدول الاخرى باستخدام حق الفيتو فإن الولايات المتحدة تهدد بتجاوز الامم المتحدة والعمل بدون غطاء الشرعية هذا.
لقد لعبت الامم المتحدة دوراً ايجابياً في قمع العدوان العراقي على الكويت وتسوية الكثير من الازمات السياسية، وكذلك كان لها دور ايجابي في ادانة الانقلابات العسكرية في هاييتي وبورندي ونيجيريا وغيرها وان كنا نخشى ان يكون ذلك لدوافع سياسية للدول العظمى، بما يعني ان الامم المتحدة قد تتغاضى عن انقلابات عسكرية في المستقبل.
كما كان للامم المتحدة دور إيجابي خاصة بالبيئة والقانون الدولي والتنمية ومحاربة الفقر إلا انه كان هناك تأثير سيئ وسلبية للاوضاع الدولية الجديدة من اهمها تطبيق سياسة الكيل بمكيالين او المعايير المزدوجة, ففي حين تتخذ الامم المتحدة الاجراءات اللازمة لقمع العدوان احيانا فإنها تتغاضى عن تطبيق نفس المعايير احيانا اخرى.
ان قيام نظام عالمي جديد اكثر عدالة يتطلب مشاركة جميع دول العالم في اعادة صياغة المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الامم المتحدة لتصبح اكثر فعالية, ولكن المؤسسات الدولية هي مجرد انعكاس لحقائق القوة في السياسة الدولية لذا فلن يقوم نظام عالمي جديد إلا إذا عرف العالم والقوى العظمى ان القوة الوحيدة التي ستبقى وتستمر هي قوة الحق والعدل.
|
|
|