في الاسلام، الحوار ليس مجرد فضيلة، إنما هو فريضة,.
ذلك ان الاسلام يجعل التعددية، في كل ما عدا ومن عدا الذات الإلهية، قانونا وسُنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل,.
فالناس ، الذين خلقهم الله، سبحانه وتعالى من نفس واحدة، قد جعلهم شعوبا وقبائل (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) - الحجرات:13- وجعل اختلافهم في الالسنة واللغات آية من آياته (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) - الروم:22- فغدوا متعددين في القوميات,, ثم هو، سبحانه، قد شاء لهم التعددية في المناهج، اي الحضارات والثقافات والعادات والتقاليد والاعراف,, وفي الشرائع، اي الملل والديانات (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) - المائدة:48- وقضت سنته، سبحانه وتعالى، ان يكون سعيهم شتى,, ولا يزالون مختلفين,.
وحتى يتأبد عمل هذه السنة الالهية، سنة التعددية في كل عوالم الخلق - في الانسان,, والحيوان,, والنبات,, والجماد,, والافكار,, والأجرام - دعا الإسلام إلى منهاج التدافع ، بدلا من الصراع ، في معالجة التناقضات التي تفرزها الحياة بين الفرقاء المتعددين,, ذلك ان الصراع يعني ان يصرع طرف الطرف الآخر، فيخرجه من الساحة، وبذلك تنتفي التعددية، وينفرد المنتصر بالميدان (صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية, فهل ترى لهم من باقية) - الحاقة:7،8 - بينما التدافع هو عبارة عن حراك,, واستباق يُعدل الخلل الفاحش بين الفرقاء المختلفين، ليعيد العلاقة بينهم إلى مستوى التوازن الوسطي العادل,, وبذلك ينتفي سكون الموات بين الفرقاء المتعددين,, وتنجو التعددية من موات الصراع الذي يصرع به طرف غيره من الاطراف (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض) - البقرة:251 - (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) - فصلت:34-.
ولان التعارف هو غاية التعددية,, ولان الحوار هو سبيل هذا التعارف بين بني الانسان,, كان الحوار فريضة من فرائض الاسلام,, والذين يقرأون القرآن الكريم يدركون دوره، ودور الحوارات المتعددة والمتنوعة المبثوثة في سوره وآياته، في صياغة الروح الحوارية عند الانسان المسلم، تلك التي تجسدت في علاقات الاسلام وأمته وحضارته مع الآخرين.
تلك هي حقيقة الموقف الاسلامي - كما أومن به - في رؤية الآخرين ,, وفي فريضة الحوار مع الآخرين ,.
***
ومع كل ذلك، فتجربتي مع الحوارات الدينية - وخاصة مع ممثلي النصرانية الغربية - تجربة سلبية، لا تبعث على رجاء آمال تذكر من وراء هذه الحوارات، التي تقام لها الكثير من اللجان والمؤسسات، وتعقد لها الكثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات,, وينفق عليها الكثير من الاموال,.
ذلك ان كل هذه الحوارات، التي دارت وتدور بين علماء الاسلام ومفكريه وبين ممثلي كنائس النصرانية الغربية، قد افتقدت ولاتزال مفتقدة لاول وابسط وأهم شرط من شروط اي حوار من الحوارات,, وهو شرط الاعتراف المتبادل والقبول المشترك بين اطراف الحوار,, فالحوار إنما يدور بين الذات وبين الآخر ومن ثم بين الآخر وبين الذات ، ففيه إرسال وفيه استقبال على امل التفاعل بين الطرفين,, فإذا دار الحوار - كما هو حاله الآن - بين طرف يعترف بالآخر، وآخر لا يعترف بمن يحاوره كان حوارا مع الذات وليس مع الآخر ، ووقف عند الارسال دون الاستقبال ، ومن ثم يكون شبيها - في النتائج - بحوار الطرشان!,.
إن الاسلام، والمؤمنين به يعترفون باليهودية والنصرانية كديانات سماوية، او رسالات وشرائع في الدين الالهي الواحد، ويؤمنون بصدق جميع انبيائها ورسلها، عليهم الصلاة والسلام، ويرون في أصول كتبها وحياً إلهياً أنزله الله على هؤلاء الرسل والانبياء، ويتعبدون ربهم بالصلاة والسلام على موسى وأمه، وعيسى وأمه، وسائر الانبياء والمرسلين في بني إسرائيل,, ويرون في شرائع تلك الرسالات، التي لم ينسخها التطور، جزءا من الشريعة الاسلامية الخاتمة,.
فهم - المسلمون - يعترفون بالآخرين، اعترافا تقضي به العقيدة الدينية، وسنة التعددية,, ويضعون اختلافاتهم معهم في إطار هذه السنة، سنة التعددية في الشرائع الدينية السماوية,.
بل لقد ادخل المسلمون - بعد الفتوحات الاسلامية - العديد من الديانات الوضعية - في فارس والهند والصين - ضمن الديانات الكتابية، وقال بعض الفقهاء: لقد كانت لهذه الديانات كتب أتى عليها الضياع!,, فاعترفوا - دينياً ,, وليس فقط واقعياً - بهذا الآخر الديني,, وطبقوا على اممها وشعوبها قاعدة: لهم ما لنا وعليهم ما علينا - التي سنها رسول الاسلام، صلى الله عليه وسلم، منطلقين من سنته الأخرى التي دعا فيها أمته إلى ان يسنوا في التعامل مع اهل هذه الديانات سنة التعامل مع اهل التوراة وأهل الانجيل.
هذا هو الموقف الاسلامي، الذي يعترف بالآخر الديني، ويؤمن بكل النبوات والرسالات السابقة (لا نفرق بين أحد من رسله) - البقرة:285- والانبياء إخوة لعَلَّات - أمهات - أمهاتهم شتى ودينهم واحد - رواه البخاري ومسلم والامام أحمد,, والمسلم، يرى إسلامه الامتداد المكمل لدين الله الواحد، والميراث الجامع لكل الشرائع والرسالات,, ومع انه هو الكافي به الله فَقدَ ما سواه فلقد أقر كل صاحب دين على دينه، معتبرا التعددية في الشرائع والاختلاف في الملل سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل,, وحساب المخالفين انما هو لله، سبحانه وتعالى، يوم الدين,, ولا ينقص هذا الاختلاف أحداً من أطرافه حظاً من حظوظه في هذه الحياة الدنيا.
لكن موقف الآخرين من الاسلام والمسلمين هو موقف الانكار، وعدم الاعتراف أو القبول,, فلا الاسلام في عرفهم دين سماوي، ولا رسوله صادق في رسالته، ولا كتابه وحي من السماء,, حتى لتصل المفارقة، في عالم الاسلام، إلى حيث تعترف الاكثرية المسلمة بالاقليات غير المسلمة، على حين لا تعترف الاقليات بالاغلبية!,.
فكيف يكون,, وكيف يثمر حوار ديني بين طرفين، أحدهما يعترف بالآخر، ويقبل به طرفا في إطار الدين السماوي، بينما الطرف الآخر يصنفنا كمجرد واقع وليس كدين، بالمعنى السماوي لمصطلح الدين؟!,.
ذلك هو الشرط الاول والضروري المفقود، وذلك هو السر في عقم كل الحوارات الدينية التي تمت وتتم، رغم ما بذل ويبذل فيها من جهود، وانفق وينفق عليها من اموال، ورصد ويرصد لها من امكانات!,.
***
أما السبب الثاني لعزوفي عن المشاركة في الحوارات الدينية - التي أدعى إليها - فهو معرفتي بالمقاصد الحقيقية للآخرين من وراء الحوار الديني مع المسلمين,, فهم يريدون التعرف على الاسلام، وهذا حقهم، إن لم يكن واجبهم,, لكن، لا ليتعايشوا معه - وفقا لسنة التعددية في المملل والشرائع - وإنما ليحذقوه ويطووا صفحته بتنصير المسلمين!.
وهم لا يريدون الحوار مع المسلمين بحثا عن القواسم المشتركة حول القضايا الحياتية التي يمكن الاتفاق على حلول إيمانية لمشكلاتها,, وإنما ليكرسوا - أو على الاقل يصمتوا - عن المظالم التي يكتوي المسلمون بنارها، والتي صنعتها وتصنعها الدوائر الاستعمارية، التي كثيرا ما استخدمت هذا الآخر الديني في فرض هذه المظالم وتكريسها في عالم الاسلام.
فحرمان كثير من الشعوب الاسلامية من حقها الفطري والطبيعي في تقرير المصير,, واغتصاب الارض والسيادة، في القدس وفلسطين,, والبوسنة والهرسك,, وكوسوفا,, والسنجق,, وكشمير,, والفلبين,, الخ,, الخ,, كلها أمور مسكوت عنها في مؤتمرات الحوار الديني.
بل إن وثائق مؤتمرات التدبير لتنصير المسلمين، التي تتسابق في ميادينها كل الكنائس الغربية، تعترف - هذه الوثائق - بأن الحوار الديني - بالنسبة لهم - لا يعني التخلي عن الجهود القسرية والواعية والمتعمدة والتكتيكية لجذب الناس من مجتمع ديني ما إلى آخر بل ربما كان الحوار مرحلة من مراحل التنصير! (1) .
وإذا كانت النصرانية الغربية تتوزعها كنيستان كبريان، الكاثوليكية,, والبروتستانتية الانجيلية,, فإن فاتيكان الكاثوليكية - الذي اقام مؤسسات للحوار مع المسلمين، ودعا إلى كثير من مؤتمرات هذا الحوار - هو الذي رفع شعار: إفريقيا نصرانية سنة 2000م ,, فلما ازف الموعد، ولم يتحقق الوعد، مد أجل هذا الطمع إلى سنة 2025م؟!,.
وهو الذي عقد مع الكيان الصهيوني، المغتصب للقدس وفلسطين، معاهدة في 30-12-1993م - تحدثت عن العلاقة الفريدة بين الكاثوليكية وبين الشعب اليهودي، واعترفت بالامر الواقع للاغتصاب، وأخذت كنائسها في القدس المحتلة تسجل نفسها وفقا للقانون الاسرائيلي الذي ضم المدينة الى اسرائيل 1967م!!,, بل لقد ألزمت هذه المعاهدة كل الكنائس الكاثوليكية بما جاء فيها,, اي انها دعت وتدعو كل الملتزمين بسلطة الفاتيكان الدينية - حتى ولو كانوا مواطنين في وطن العروبة وعالم الاسلام - إلى خيانة قضاياهم الوطنية والقومية!,.
وباسم هذه الكاثوليكية اعلن بابا الفاتيكان ان القدس هي الوطن الروحي لليهودية، وشعار الدولة اليهودية,, بل وطلب الغفران من اليهود,, وذلك بعد ان ظلت كنيسته قرونا متطاولة تبيع صكوك الغفران!,.
أما الكنيسة البروتستانتية الانجيلية الغربية، فإنها هي التي فكرت ودبرت وقررت، في وثائق مؤتمر كولورادو سنة 1978م :
أن الاسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الاصلية اسس النصرانية,, وإن النظام الاسلامي هو اكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا,, إنه حركة دينية معادية للنصرانية، مخططة تخطيطا يفوق قدرة البشر, ونحن بحاجة الى مئات المراكز، تؤسس حول العالم، بواسطة النصارى، للتركيز على الاسلام, ليس فقط لخلق فهم افضل للاسلام، وللتعامل النصراني مع الاسلام، وإنما لتوصيل ذلك الفهم إلى المنصرين من اجل اختراق الاسلام في صدق ودهاء !!.
ولقد سلك هذا المخطط - في سبيل تحقيق الاختراق للاسلام، وتنصير المسلمين - كل السبل اللا أخلاقية - التي لا تليق بأهل اي دين من الاديان - فتحدثت مقررات هذا المؤتمر عن العمل على اجتذاب الكنائس الشرقية الوطنية الى خيانة شعوبها، والضلوع في مخطط اختراق الاسلام والثقافة الاسلامية للشعوب التي هي جزء وطني اصيل فيها,, فقالت وثائق هذه المقررات:
لقد وطدنا العزم على العمل بالاعتماد المتبادل مع كل النصارى والكنائس الموجودة في العالم الاسلامي,, إن النصارى البروتستانت، في الشرق الاوسط وإفريقيا وآسيا، منهمكون بصورة عميقة ومؤثرة في عملية تنصير المسلمين.
ويجب ان تخرج الكنائس القومية من عزلتها، وتقتحم بعزم جديد ثقافات ومجتمعات المسلمين الذين تسعى إلى تنصيرهم, وعلى المواطنين النصارى في البلدان الاسلامية وارساليات التنصير الاجنبية العمل معا، بروح تامة، من اجل الاعتماد المبتادل والتعاون المشترك لتنصير المسلمين !
فهم يريدون تحويل الاقليات الدينية في بلادنا إلى شركاء في هذا النشاط التنصيري المعادي لشعوبهم وأمتهم!.
كذلك قررت بروتوكولات هذا المؤتمر تدريب وتوظيف العمالة المدنية الاجنبية، التي تعمل في البلاد الاسلامية، لمحاربة الاسلام وتنصير المسلمين,, وفي ذلك قالوا:
إنه على الرغم من وجود منصرين بروتستانت، من أمريكا الشمالية، في الخارج اكثر من اي وقت مضى، فإن عدد الامريكيين الفنيين الذين يعيشون فيما وراء البحار يفوق عدد المنصرين بأكثر من 100 إلى 1,, وهؤلاء يمكنهم ايضا ان يعملوا مع المنصرين جنبا إلى جنب لتنصير العالم الاسلامي,, وخاصة في البلاد التي تمنع حكوماتها التنصير العلني !
كذلك، دعت قرارات مؤتمر كولورادو إلى التركيز على ابناء المسلمين الذين يدرسون او يعملون في البلاد الغربية، مستغلين عزلتهم عن المناخ الاسلامي، لتحويلهم إلى مزارع ومشاتل للنصرانية ، وذلك لاعادة غرسهم وغرس النصرانية في بلادهم عندما يعودون إليها,, وعن ذلك قالوا:
يتزايد باطراد عدد المسلمين الذين يسافرون إلى الغرب, ولانهم يفتقرون إلى الدعم التقليدي الذي توفره المجتمعات الاسلامية، ويعيشون نمطا من الحياة مختلفا - في ظل الثقافة العلمانية والمادية - فإن عقيدة الغالبية العظمى منهم تتعرض للتأثر.
وإذا كانتتربة المسلمين في بلادهم هي، بالنسبة للتنصير أرض صلبة,, ووعرة ,, فإن بالامكان ايجاد مزارع خصبة بين المسلمين المشتتين خارج بلادهم، حيث يتم الزرع والسقي والتهيئة لعمل فعال عندما يعاد زرعهم ثانية في تربة اوطانهم كمنصرين !,.
بل إن بروتوكولات هذا المؤتمر التنصيري لتبلغ قمة اللا أخلاقية، عندما تقرر أن صناعة الكوارث في العالم الاسلامي هي السبيل لافقاد المسلمين توازنهم، الذي يسهل عملية تحولهم عن الاسلام إلى النصرانية!,, فتقول هذه البروتوكولات:
لكي يكون هناك تحول إلى النصرانية، فلابد من وجود ازمات ومشاكل وعوامل تدفع الناس، افرادا وجماعات، خارج حالة التوازن التي اعتادوها,.
وقد تأتي هذه الامور على شكل عوامل طبيعية، كالفقر والمرض والكوارث والحروب، وقد تكون معنوية، كالتفرقة العنصرية، او الوضع الاجتماعي المتدني,.
وفي غياب مثل هذه الاوضاع المهيئة، فلن تكون هناك تحولات كبيرة الى النصرانية,, إن تقديم العون لذوي الحاجة قد اصبح عملا مهما في عملية التنصير!,.
وإن احدى معجزات عصرنا، ان احتياجات كثير من المجتمعات الاسلامية قد بدلت موقف حكوماتها التي كانت تناهض العمل التنصيري، فأصبحت اكثر تقبلا للنصارى !! .
فهم - رغم مسوح رجال الدين - يسعون إلى صنع الكوارث في بلادنا، ليختل توازن المسلمين، وذلك حتى يبيعوا إسلامهم لقاء مأوى أو كسرة خبز او جرعة دواء!,, وفيما حدث ويحدث لضحايا المجاعات والحروب الاهلية والتطهير العرقي - في البلاد الاسلامية - التطبيق العملي لهذا الذي قررته البروتوكولات,, فهل يمكن ان يكون هناك حوار حقيقي ومثمر مع هؤلاء؟!,.
(1) وثائق مؤتمر كولورادو - لتنصير المسلمين - (التنصير: خطة لغزو العالم الاسلامي) ص770 - الطبعة العربية - مالطا - مركز دراسات العالم الاسلامي.
|