Tuesday 3rd August, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 21 ربيع الثاني


البغول وشركات الدمى

البغول تعبير يُطلق على كبار مهربي المخدرات الذين يستثمرون اموالهم في العقارات بصفة خاصة ويقومون بنقل الاموال الى خارج البلاد بواسطة شركات استثمار اجنبية عُرفت باسم (شركات الدُّمى)، التي توجد في دول لا يمكن للسلطات الحكومية فيها الاطلاع على دفاترها ثم تقوم هذه الشركات المستترة بعقد اتفاقيات قروض لاعادة الاموال مرة اخرى الى المهربين او البغول.
البغول تعبير يطلق كذلك على كل من يحصل على دخل غير مشروع من مصادر اخرى كالرشوة او الاختلاسات او الدعارة او عمولات السلاح او تهريب الاموال الى الخارج، ويقوم باستثمار دخله في شراء السلع النفيسة والشيكات المصرفية ثم ينقلونها الى الخارج.
وخصوصا في تلك الدول التي تفرض نظام حسابات سرية لا تسمح بالكشف عن حقيقة الدخل او تتبع حركته داخل البنوك والتي تعرف بالدول (الملاذ) المصرفي، التي يبلغ عددها قرابة 31 دولة، اشهرها جزر البهاما جزر المالديف، جزر الفوكلاند، جزر الباريادوس، ليبيريا، بنما، اورجواي، جزر الكايمان، سنغافورة، هونج كونج، لوكسمبرج، هولندا، مملكة تونجا.
حيث يجري تبييض الاموال في تلك الدول وعودتها مرة اخرى الى البغول، لاستخدامها، كما لو كانت مشروعة تماما.
يقول د, حمدي عبدالعظيم في كتابه الرائع (غسيل الاموال في مصر والعالم) ان ثمة علاقة بين البغول وشركات الدمى باعتبار ان تبادل المنافع يحقق المصلحة للطرفين ويسهل حركة الاموال غير المشروعة والقيام بعمليات غسيل الاموال.
ان دور شركات البغول وشركات الدمى في غسل الاموال كبير وخطير في الوقت نفسه.
وشركات الدمى شركات اجنبية مستترة يصعب على الحكومات الاطلاع على مستنداتها المالية، كما انها كيانات بدون هدف تجاري وكل ما تريده هو غسيل الاموال بصفة عامة، واموال تجار المخدرات بصفة خاصة، وذلك من خلال تضليل الحكومات، والوساطة لتحويل حصيلة تجارة المخدرات الى اموال نظيفة يسهل التعامل بها وقد تلجأ هذه الشركات الى استثمار الاموال في الاراضي والعقارات.
وقد تتجه هذه الشركات الى الحصول على قروض من احد البنوك ثم ايداع الاموال في البنوك لتصدر بعد ذلك اتفاقيات قروض لاعادة توظيف الاموال في بلاد تجار المخدرات وعندما يتم استجوابهم يقدمون مستندات تؤكد انها قروض سبق لهم الحصول عليها.
ومن الممكن ان يلجأ تجار المخدرات الى شراء الشركات المفلسة او الخاسرة مثل الفنادق، شركات الصرافة، المطاعم وشركات ماكينات البيع، ثم تحويل تلك الشركات الخاسرة الى شركات ناجحة.
والمشكلة ان شركات الصرافة والسمسرة تتعاون مع شركات الدمى في القيام بعملية غسيل الاموال لكي يتجنب التجار التعامل مع المؤسسة والبنوك الكبيرة التي تتعامل مع شركات الصرافة بمبالغ كبيرة دون شك في معاملاتها.
وهو ما يساعد على تحويل الاموال الى مناطق تخضع للاختصاص القضائي, ويضمن نقل اموال تجارة المخدرات الى جهات اجنبية آمنه، حيث يتم انشاء شركات في ضوء هذه الجهات بشكل صوري مع اخطار المحامين بتحويل مبالغ لحساب الشركة الخارجي عن طريق شيكات الصرافة.
وهناك طريقة اخرى تلجأ اليها شركات الدمى لاتمام عملية غسيل الاموال وتتلخص في قيام احدى الشركات بطلب بضائع من فرعها الاجنبي بسعر منخفض وبطريقة صورية على ان يتم ايداع الفرق بين السعر المنخفض والسعر الحقيقي في حساب سري للشركة في احد البنوك الاجنبية، خصوصا في الدول التي تتمتع بنظام سرية الحسابات.
غسيل الاموال او الجريمة البيضاء يعد من التعبيرات التي تداولت مؤخرا في كافة المحافل المحلية والاقليمية والدولية المهتمة بالجرائم الاقتصادية والامن الاجتماعي والامن الاقتصادي باعتبار ان عمليات غسيل الاموال ترتبط الى حد كبير بأنشطة غير مشروعة عادة ما تكون هاربة خارج حدود سريان القوانين المناهضة للفساد المالي.
وتشمل عمليات الغسيل لاضفاء المشروعية عادة الاموال او الدخول الناتجة عن احد الانشطة التالية:
1- انشطة الاتجار في السلع والخدمات غير المشروعة، مثل: المتاجرة في المخدرات بأنواعها، وانشطة البغاء او الدعارة، وشبكات الرقيق الابيض.
2- انشطة التهريب عبر الحدود للسلع والمنتجات المستوردة دون دفع الرسوم او الضرائب الجمركية، مثل: تهريب السلع من المناطق الحرة، وتهريب السجائر، وتهريب السلاح.
3- انشطة السوق السوداء المخالفة لقوانين الدولة مثل: الاتجار في العملات الاجنبية.
4- انشطة الرشوة والفساد الاداري والتربح من الوظائف العامة، مثل: دخول غير مشروعة مقابل تراخيص او موافقات حكومية او ترسيات عطاءات.
5- الدخول الناتجة عن السرقات او الاختلاسات من اموال عامة، ثم تهريب هذه الاموال الى الخارج.
6- الدخول الناتجة عن تزييف النقد سواء البنكنوت او العملات المعدنية او النقود البلاستيكية.
7- الدخول الناتجة عن تزوير الشيكات المصرفية وسحب المبالغ من البنوك المحلية بشيكات او حوالات مزورة.
8- الدخول الناتجة عن المضاربات غير المشروعة في الاوراق المالية المعتمدة على خداع المتعاملين في البورصات العالمية.
وتجدر الاشارة الى ان كافة تلك الدخول تعتبر غير مسجلة في الحسابات الوطنية للدول، ومن ثم يصعب الوصول الى ارقام حقيقية عن حجمها او مقاديرها باعتبارها انشطة مدرجة ضمن انشطة الاقتصاد الخفي، )Under Ground(.
إن اخطار عمليات غسيل الاموال وشركات الدمى وصفقات البغول تتعاظم شيئا فشيئا، واصبحت الدول الغنية والفقيرة على حد سواء تعاني منها مشكلات وازمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وامنية مختلفة الاشكال.
في شهر ابريل عام 1996م وتحت اشراف الانتربول الدولي، ناقش حوالي 36 خبيرا ومسؤولا من دول عديدة، التقنية المتقدمة وكيفية استخدامها في عمليات غسيل الاموال.
وقد تبين في ذلك المؤتمر ان هناك نوعا جديدا من التقنية الالكترونية التي تتعامل في الاوراق النقدية والسماح بايداع وانتقال ارصدة الاموال من شخص الى آخر عبر الدول على مستوى العالم باستخدامه الهاتف او بواسطة شبكات الانترنت دون الحاجة الى المرور عبر البنوك.
الامر الذي يتيح لعصابات الجريمة المنظمة استخدامها في القيام بعملية غسيل الاموال القذرة دون الوقوع في ايدي المسئولين عن مكافحة الجرائم الاقتصادية.
وقد يتراءى لبعض الناس ان عملية غسيل الاموال شأنها شأن الاقتصاد الخفي، لها آثار سلبية وآثار ايجابية، بيد ان ذلك لا يتصور حدوثه في حالة غسيل الاموال، نظرا لان هذه الاخيرة تتعلق بالدخول غير المشروعة بخلاف الاقتصاد الخفي، الذي قد يشمل اقتصاديات او دخول مشروعة، لكنها غير مثبتة في الحسابات الوطنية كما انها قد تسهم في علاج مشكلة البطالة وتخفيف الاعباء الاجتماعية للعديد من الاسر التي تصنع او تنتج منتجات لاستهلاكها الذاتي ولا تسجل في الدفاتر.
اضافة الى المساهمة المقدمة من الاقتصاد الخفي في تنشيط الطلب الكلي في المجتمع والتقليل من آلام الكساد او البطالة.
ان بعض الايجابيات التي قد تتحقق من استخدام الاموال المغسولة لا يمكن ان تتعادل مع فداحة الآثار السلبية الناتجة عنها، على الاقل من وجهة نظر تخصيص الموارد الاقتصادية.
اذ تعتبرالاموال الهاربة الى الخارج في البنوك العالمية لاجراء عمليات الغسيل عليها استقطاعات من الدخل الوطني، حيث ان عدم مشروعية الدخل الهارب الى الخارج تجعل منه نزيفا للاقتصاد الوطني الى الاقتصادات الخارجية.
ونظرا لان غسيل الاموال يعتبر دربا من دروب الفساد المالي والاقتصادي، فإن تأثيره على انخفاض معدل الادخار المحلي، يظهر بدرجة ملموسة في كثير من الدول النامية.
كذلك لا تخلو عمليات غسيل الاموال من تدفق نقدي الى تيار الاستهلاك سواء في حالة الغسيل عبر البنوك او القنوات المصرفية او عن طريق السلع المعمرة والذهب وغيرها وهو مايعني الضغط على المعروض السلعي من خلال القوة الشرائية لفئات يرتفع لديها الميل للاستهلاك، وذات نمط استهلاكي يتصف بعدم الرشد او العشوائية.
وبذلك تسهم عملية غسيل الاموال في زيادة المستوى العام للاسعار او حدوث تضخم من جانب الطلب الكلي في المجتمع مصحوبا بتدهور القوة الشرائية للنقود.
ختاما اقول ينبغي تعميق اواصر التعاون محليا واقليميا ودوليا فيما يتعلق بمكافحة الجرائم الاقتصادية وغسيل الاموال وتجارة المخدرات.
وقد آن أوان ذلك!!
د, زيد بن محمد الرماني
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عضو الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء
عضو جمعية الاقتصاد السعودية.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيق
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved