ينبغي أن انبه الى ان هذه الفقرات من بحثي حقيقة اسرائيل تنحصر في احداث الفترة الواقعة قبل 14 مايو 1948م وهو الموعد الذي حددته بريطانيا للانسحاب من فلسطين وانهاء انتدابها عليها وتحويل القضية الفلسطينية الى هيئة الأمم المتحدة بعد ان استكملت بريطانيا تكوين جميع مقومات مشروع الدولة اليهودية وعملت مع مختلف القوى الامبريالية الاخرى خاصة الولايات المتحدة الامريكية على جعل خطة تهويد فلسطين قضية دولية وصنعت من المنظمة الصهيونية طرفاً دولياً على حساب الشعب الفلسطيني المغدور به (1) .
فقد شهدت تلك الفترة احداثا دراماتيكية عندما زلزلت الثورة الفلسطينية التي بدأت اواخر عام 1935م وعرفت ب ثورة 1936م حيث تعاظم مدها في تلك السنة اقول زلزلت تلك الثورة الارض تحت اقدام المحتلين الانجليز والمستوطنين اليهود فحاول البريطانيون ان يقضوا على الثورة بالقوة العسكرية بطشاً وتنكيلاً فشنوا الحملات العسكرية المركزة على المواقع المحتملة للثوار وهاجموا القرى والمدن وفتشوا البيوت ونسفوا الكثير منها وملؤوا المعتقلات واعدموا المجاهدين لكن جميع هذه الاجراءات العنيفة ما كانت تؤدي الا الى المزيد من غضب الأهالي ونقمتهم وتلاحم قوى المقاومة وانضمام الكثيرين من المتطوعين العرب من الاقطار المجاورة والمزيد من المساعدات التسليحية والمالية التي كان يأتي معظمها سرا بسبب السياج العازل الذي اقامه البريطانيون وعملاؤهم على طول شرق نهر الاردن والى العقبة (2)
لقد زجت بريطانيا بأكثر من اربعين الفاً من قواتها الضاربة اضافة الى قوات الانتداب في فلسطين التي تبلغ ثمانية عشر الفاً والتشكيلات اليهودية التي تبلغ عشرين الفاً لكن ذلك لم يؤد الا الى المزيد من تأجج الكفاح المسلح والى مزيد من الخسائر في صفوف الجنود البريطانيين والمستوطنين اليهود فلجأت بريطانيا الى الخداع من جديد مستعينة بوسطاء عرب من امثال نوري السعيد وزير خارجية العراق آنذاك وهو احد اهم الشخصيات السياسية العربية الموالية للانجليز فقد بذل نوري السعيد مساعي حثيثة مع القادة الفلسطينيين ومع العديد من الجهات العربية في سبيل الوصول الى اقناع الفلسطينيين بصورة خاصة والجهات العربية الداعمة للكفاح الفلسطيني المسلح بايقاف الاعمال المسلحة والوثوق بالوعود البريطانية بوقف الهجرة اليهودية الى فلسطين وتشكيل لجنة ملكية بريطانية لمعالجة اسباب الثورة ومطالب الثوار ووضع الحلول العادلة على ان يرافق ذلك الغاء الغرامات المفروضة على الفلسطينيين وايقاف اعمال التفتيش واطلاق سراح المعتقلين واعلان العفو العام عن المتهمين باحداث الثورة (3) .
لقد توقفت الثورة وتقبل العرب تلك الوعود على انها بداية للعودة الى الحق ولكن هيهات فقد شكلت بريطانيا ما عرف ب لجنة بيل التي تمخضت تحقيقاتها عن اقتراح تقسيم فلسطين الى ثلاث مناطق يهودية وبريطانية وعربية اردنية، ولا شيء للفلسطينيين ووافقت على هذا الاقتراح الحكومة البريطانية ووافق عليه الموالون لبريطانيامن العرب اما الفلسطينيون والرأي العام العربي والحكومات العربية الحرة فانها رفضت المشروع واعتبرت موافقة الحكومة البريطانية عليه نكثاً بوعودها وعدم حسن نواياها واصراراً على المضي قدما في مخططها تهويد فلسطين فعادت المقاومة المسلحة في فلسطين الى الاشتعال من جديد (4) .
وتواصلت المقاومة المسلحة بأشد مما كانت عليه في عام 1936م الى منتصف عام 1939م حيث توقف القتال بعد مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في لندن واعلنت اثناءه وبعده الحكومة البريطانية كتابها الابيض لعام 1939م الذي تنصلت فيه بريطانيا مما نسب اليها من انها تسعى الى تهويد فلسطين وقررت الغاء اقتراح التقسيم للجنة بيل الذي سبق ان وافقت عليه وحددت عدد المهاجرين اليهود الذين سوف تسمح بدخولهم الى فلسطين على مدى خمس سنوات قادمة ب75 الفا فقط وبعدها يتم منع الهجرة الا بموافقة الفلسطينيين ووعدت بالحد من تسرب الاراضي العربية الى اليهود وحددت مدة عشر سنوات كفترة انتقالية وبعدها تقام دولة فلسطينية تحت الحماية البريطانية يكون لليهود فيها وضع الاقلية فقط مع ما يتطلبه الامر من ضمانات معينة (5)
لا شك ان هذه المضامين للكتاب الابيض اقل من الذي يطالب به الفلسطينيون او يطمحون اليه من نيل حقوقهم المشروعة لكنهم سيقبلونها على اساس مبدأ خذ وطالب الا ان بريطانيا لم تكن صادقة مع نفسها ولا مع العرب فيما جاء في تلك المضامين فقد عمل البريطانيون مع العرب كما لو انهم كانوا صادقين في تطبيق ما نص عليه كتابهم الابيض، اما مع اليهود فانهم عملوا كما لو انه لم يصدر هذا الكتاب، ومن هذا النهج البريطاني المخادع الذي تكشفت حقائقه فيما بعد استلهم الزعيم الصهيوني دافيد بن جوريون مقولته الشهيرة التي لقنها للمستوطنين اليهود في فلسطين بعد ان نشبت الحرب العالمية الثانية فجعلوها شعاراً لهم وهي قوله سنقاتل الى جانب الحلفاء كما لو لم يكن الكتاب الابيض موجودا وسنقاوم الكتاب الابيض كما لو لم تكن الحرب (6) .
ان هدف تهويد فلسطين اساساً هو ان تقوم فيها دولة يهودية في نهاية المطاف وكذلك كان قيام الحرب العالمية الثانية هو الفرصة المناسبة لعمل الترتيبات الاخيرة لايجاد مقومات تلك الدولة المصطنعة وقد تمثلت تلك الترتيبات بتطوير التشكيلات العسكرية اليهودية عن طريق اشراك قوات يهودية خاصة في تلك الحرب وتزويدها بالاسلحة المتقدمة وصقلها بالتدريب بما يؤهلها لمهمة حماية الدولة اليهودية التي ينبغي اعلانها بعد الحرب.
ففي منتصف عام 1940م امر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بسحب القوات البريطانية المرابطة في فلسطين لتشارك في جبهات الحرب ضد قوات المحور على ان تترك مهامها العسكرية للقوات اليهودية قائلاً: ان الاقتراحات بتشكيل قوات يهودية تهدف اولا الى الاعتراف باليهود كأمة تمثل في مجلس حرب الحلفاء وفي مؤتمر السلم وفي كلا الحالين فالهدف هو تحويل فلسطين الى دولة يهودية كمكافأة على اشتراك اليهود في الحرب (7) .
ان هذا النص بحد ذاته يلغي كل ما جاء في الكتاب الابيض دفعة واحدة ويثبت في الوقت نفسه ان المخطط البريطاني الهادف الى تهويد فلسطين كان كالنهر الجاري الذي يتراكم ويتعرج امام السدود والحواجز، لكنه لا يتوقف عن الجريان ابدا فكلما قام الفلسطينيون بالاحتجاج والمقاومة على ما يرتكب بحقهم من جرائم تستهدف وجودهم عمد البريطانيون الى خدعة جديدة عن طريق تقديم وعود زائفة ليطفئوا بها نيران الغضب العربي ليتسنى لهم ترتيب جهودهم من جديد بما يمكن اليهود من التقدم مرحلة اخرى في سبيل الاستحواذ على فلسطين شبراً شبراً وخطوة خطوة.
وعندما نصح القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الاوسط الجنرال ويفل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل بالعدول عن تشكيل جيش يهودي خاص حتى لا يثور العرب ضد بريطانيا اصر تشرشل على المضي قدماً في تنفيذ خطته وكتب فيما بعد في مذكراته متبجحاً يقول لقد تحديت ويفل وكتبت الى الدكتور وايزمن سامحا بتأليف ذلك الجيش ولم يتحرك كلب عربي واحد (8) .
لم يعلن تشرشل هذه المشاعر المبطنة ضد العرب وهو في السلطة لأنه لو فعل ذلك لجاءه الرد المناسب من العرب في حينه، لكنه يعلنها كشهادة عليه وعلى قومه وهو يدنو من الهاوية والواقع ان الجنرال ويفل كان محقا في رأيه فالعرب كانوا سيثورون ضد بريطانيا لو علموا بخطة تشرشل ولكن جميع الاجراءات التي تمت بهذا الشأن قد احيطت بسرية تامة وباستغلال ظروف الحرب التي ما كانت تسمح للعرب بالتمييز بين ما هو يهودي وبريطاني او يهودي صرف.
فقد ابلغت الحكومة البريطانية الوكالة اليهودية في فلسطين موافقتها السرية على زيادة التعبئة اليهودية العسكرية دون ان يعلم بذلك الكثيرون حتى من المسؤولين البريطانيين انفسهم والزعماء الصهاينة ايضا الذين لا علاقة مباشرة لهم بمثل هذا الأمر بحيث يشمل ذلك: زيادة قوة بوليس المستعمرات,, زيادة التدريب وتكثيفه,, زيادة اعداد شرطة المدن,, اعطاء اليهود مزيدا من الفرص في التجنيد في القوات البريطانية,, تحويل المستعمرات الى مراكز قوية تحمي نفسها, تدريب مختلف القوى اليهودية على التعامل مع مختلف العمليات الهجومية الممكن حدوثها وكيفية صدها.
ويورد الدكتور عبد الرحيم احمد حسين هذه الحقائق في كتابه النشاط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ثم يعلق عليها قائلاً لقد ابدت الوكالة اليهودية ارتياحها التام للقرارات البريطانية السابقة عندما ابلغت بها بسرية تامة عن طريق الدكتور نامير المسؤول في الوكالة اليهودية وحرصت على عدم الاعلان عن الاجراءات السابقة خشية ان يكون لها تأثير سيىء على العرب بالاضافة الى ان هذه القرارات ستكون مادة اعلامية لدول المحور تستغلها ضد بريطانيا في الشرق الاوسط (9) .
ويورد المرجع المذكور ان ما قررته بريطانيا بهذا الشأن كان موضع اهتمام الادارة الامريكية وبعد التفاهم معها على جميع تفاصيله (10) .
والشيء الذي له دلالته العميقة فيما يتعلق ببحثنا هذا حقيقة اسرائيل هو ان نواة جيش الدفاع الاسرائيلي الذي تم تشكيله بعد قيام دولة اسرائيل عام 1948 هي قوات الكوماندوز المعروفة ب البالماخ اي الصاعقة او الضاربة والتي ينتمي اليها معظم قادة اسرائيل العسكريين والسياسيين من امثال اسحاق رابين وموش ديان وموش كرمل ودافيد هاكوهين واسرائيل جاليلي، وايجال يادين وايجال آلون وحاييم بارليف وابا ايبان وعدد كبير آخر من اصحاب الرتب العسكرية في الجيش الاسرائيلي (11) .
فقد تم انشاء البالماخ من قبل منظمة تعرف اختصاراً ب)SOE( وهي منظمة استخباراتية سرية تخريبية منبثقة عن المخابرات العسكرية البريطانية وعن العديد من المؤسسات التجسسية البريطانية وتزعم المصادر الصهيونية ان تشكيل البالماخ كان بقرارمن القيادة العليا للهاجانا وبموافقة المجلس التنفيذي للمنظمة الصهيونية بهدف ايجاد قوة سرية ضاربة في فلسطين لكن المصادر البريطانية تؤكد ان تشكيل البالماخ يقترن بالسياسة البريطانية في عهد تشرشل وكذلك تؤكد هذه المصادر ان ذلك يرتبط باعمال المخابرات العسكرية البريطانية في منطقة الشرق الاوسط ولا تذكر ان تشكيل هذه القوة كان بمبادرة من بعض العسكريين الصهيونيين كما تروي المصادر الصهيونية والمؤيدة لها (12) .
وبايعاز من رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل عام 1940م اتفق الدكتور حاييم وايزمن مع الأدميرال جودفري رئيس مخابرات الاسطول البريطاني على اقامة تعاون بين الوكالة اليهودية وبين المنظمة الخاصة )SOE( باعداد قوات سرية من اليهود في فلسطين وعلى ذلك تم قدوم ثلاثة خبراءتابعين لتلك المنظمة هم ارنولد لورانس، ونقولا هاموند وهنري بارنس واقاموا في نزل على جبل الكرمل المطل على مدينة حيفا من اجل تأسيس ذلك الجيش اليهودي الضارب او الصاعقة اليهودية.
لم تكن حتى سلطات الانتداب البريطاني على علم بمهمة هؤلاء الخبراء الثلاثة باستثناء سكرتارية المندوب السامي البريطاني الذي قام بتأمين كل ما يلزم لتسهيل مهمتهم على الوجه المطلوب ولم ينته الأمر عند حضور هؤلاء الخبراء الثلاثة بل قدم اكثر من ضابط بريطاني لتولي مهام التدريب ولم تمض سوى بضعة شهور حتى اصبح لدى تلك المجموعة البريطانية ثلاث سفن صغيرة شكلت فيما بعد نواة الاسطول اليهودي كما تم انشاء مدرسة تدريب مهمتها تدريب اليهود على اعمال التجسس (13) .
وعلى مدى السنوات التالية قامت البالماخ بالكثير من الاعمال التجسسية والتخريبية والاغتيال لصالح السلطات البريطانية في سوريا ولبنان ضد قوات فيشي الفرنسية الموالية لالمانيا النازية وضد العناصر الوطنية في العراق المناوئة لبريطانيا وفي فلسطين نفسها ضد الثوار العرب وحتى ضد العصابات الصهيونية المنشقة التي قامت باعمال ارهابية وتخريبية ضد البريطانيين (14) .
وكان من المهام الرئيسية التي اوكلتها بريطانيا للبالماخ تولي ادخال المهاجرين اليهود غير الشرعيين! الى فلسطين اي الاعداد الزائدة عن العدد المصرح له رسمياً من قبل الحكومة البريطانية وينبغي ان يلاحظ اني وضعت عبارة غير الشرعيين بين قوسين مع علامة التعجب لان كل اليهود الذين قدموا الى فلسطين هم مهاجرون غير شرعيين فاهالي البلد الشرعيون اي الفلسطينيون لم يوافقوا على الهجرة اليهودية الى بلادهم بل عارضوها واحتجوا ضدها وضحوا بالغالي والنفيس من اجل ايقافها وقدموا قوافل الشهداء ثلة بعد اخرى في هذا السبيل لكن الدول الامبريالية الطامعة وخاصة بريطانيا اصمت آذانها واغمضت عيونها وصممت على اقتراف جريمة تهويد فلسطين سراً وعلناً فكانت بريطانيا تعطي عشرات الآلاف من التراخيص سنوياً لليهود في القدوم الى فلسطين والاستيطان فيها وشكلت المنظمات السرية مثل هذه المنظمة لتولي مهمة ادخال وتوطين الاعداد الغفيرة الأخرى من اليهود في فلسطين من وراء الستار وتولي مهمة تزوير شهادات قدوم لهم تلافياً لمزيد من النقمة العربية والاحراج الدولي.
ان هذه المنظمة العسكرية العميلة البالماخ هي التي شكلت نواة ما عرف ب جيش الدفاع الاسرائيلي وقد تولى ابرز اعضائها المراكز القيادية في ذلك الجيش اللقيط كما تصدر عدد كبير منهم المهام السياسية الكبرى في الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة فيما بعد كوزراء ورؤساء حكومات والدلالة العميقة لهذا الامر مزدوجة اولاً لان المصالح الامبريالية هي التي بادرت دائماً الى عملية تهويد فلسطين وخلق كيان يهودي لقيط فيها وثانياً لان كل ما احاط الصهيونيون انفسهم به من مزاعم وطنية وقومية وحضارية ما هو في الحقيقة الا اكاذيب واباطيل فالصهاينة منذ ان وجدوا الى اليوم ما هم الا عملاء للغرب وليست دولتهم اسرائيل الا فرعا متقدما للمصالح الامبريالية الغربية في المنطقة العربيةولو انقطع الدعم الغربي عن اسرائيل ساعة واحدة لتراجعت هذه الدولة الى الوراء سنة كاملة وهي لن تتحمل ان ينقطع عنها دعم الغرب سنة كاملة.
ان كل الاعمال السرية التي اتفق عليها البريطانيون واليهود اثناء الحرب العالمية الثانية والتي تم الكشف عنها والبوح بها فيما بعد اكدت ان اللمسات الأخيرة على تكوين مقومات الدولة اليهودية قد انجزت اثناء تلك الحرب وذلك بحشد كل ما امكن حشده من مهاجرين يهود وبتطوير مختلف التشكيلات العسكرية اليهودية بكل ما يلزم من تدريب وتسليح واعداد كاف لمتطلبات قيام تلك الدولة وحمايتها لكن بريطانيا وجدت نفسها بعد الحرب مباشرة في موقف صعب لا يسمح لها ان تقوم بهذا الالتزام بمفردها او بشكل مباشر لأن العرب الذين خاضوا الحرب جنباً الى جنب مع القوات البريطانية سينقلبون ضدها والعرب الذين وقفوا من تلك الحرب على الحياد سيحاربونها اكثر اما العرب الذين ثاروا على الانجليز اثناء تلك الحرب ولم يحققوا اهدافهم فانهم سيجدونها فرصة للثأر من بريطانيا التي غدرت بهم وتواطأت مع اليهود على حقوقهم.
لقد اعتمد واضعو استراتيجية السياسة البريطانية ازاء العرب على طبيعة التكوين النفسي للعرب كعامل مهم جدا فبما ان العرب في جانب من تكوينهم النفسي يتميزون بالكرم وطيبة النية فينخدعون واحياناً يبالغون في تلك الصفة لمن يظهر لهم الصداقة ويطلب اريحيتهم فيتخادعون له فان الانجليز تظاهروا بصداقة العرب واسرفوا ازاءهم بالوعود كلما اشتدت بهم ازمة من الأزمات او كلما ارادوا تحقيق هدف من اهدافهم المقررة سلفاً فانخدع معظم العرب بمعسول اقوال الانجليز ووعودهم العرقوبية المتكررة وابتساماتهم التي لا تتجاوز حناجرهم ففات الكثيرون من العرب على مستوى القيادات والزعامات آنذاك ان السياسي الفاشل هو الذي ينخدع بالاحابيل السياسية التي لا يتقيد اصحابها بأية معايير اخلاقية سواء بقذفه الى الخلف او بدفعه الى الامام وان السياسي الناجح هو الذي لا يسمح لأحد ان يستهلكه او يستغفله ولا يقدم على امر من الأمور قبل ان يقدر عواقبه تقديراً واعياً.
وفي جانب آخر من طبيعة التكوين النفسي للعرب فانهم يتميزون بقوة الانفعال والاقدام المنقطع النظير على قبول التحدي عندما يكون ساخراً فحاذر الانجليز على الدوام ان يستفزوا هذه الزمجرة الكامنة في العرب وفي مرات كثيرة تراجعوا امام انتفاضات العرب وثوراتهم ليس في فلسطين وحسب وانما في اقطار عربية اخرى كمصر والعراق حيث رضخوا للارادة الوطنية الحرة مرة بعد اخرى وكذلك وقفوا عند حدهم امام قائد عربي عبقري كالملك عبد العزيز الذي ما كانت تنطلي عليه حيلهم واحابيلهم حيث مارس معهم اللعبة السياسية وخرج غير مخدوع بهم في كل مرة ولو ان العرب اخذوا بآراء الملك عبد العزيز وافكاره فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ولو لم تحل اللجنة العسكرية لجامعة الدول العربية الخاصة بفلسطين دون ايصال المساعدات السعودية وغيرها من المساعدات العربية للمجاهدين الفلسطينيين ولو لم تمنع قوى التآمر العربية المتواطئة مع الانجليز تدفق المتطوعين السعوديين للمشاركة في قتال اليهود لما قامت لليهود دولة في فلسطين (15) .
واذا كانت آراء الملك عبد العزيز وافكاره بقيت قدوة للعاملين بوعي واخلاص من اجل تحرير فلسطين واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة فان الذين خالفوه الرأي وداروا في فلك المؤامرة ضد الفلسطينيين فاستبعدوهم من التصدي المباشر لتحرير بلادهم ومنعوا عنهم المال والعتاد ولم تمض حقبة واحدة فقط الا وقد دارت عليهم الدوائر جميعا فآلوا مآل الظالمين وكانوا عبرة للمعتبرين منهم من اغتيل او انتحر ومنهم من سحل سحلاً واقلهم عقابا الذين ابعدوا عن السلطة فقضوا بقية حياتهم في المعتقلات او مشردين لم يشفق عليهم احد, (16)
لقد كانت الحرب العالمية الثانية هي اشد واحرج ازمات مرت بها بريطانيا في تاريخها الامبراطوري حيث تلقت ضربات موجعة وهزائم فادحة في السنوات الاولى لتلك الحرب وكانت جراحها بليغة وعميقة حتى بعد تورط المانيا في اعلان الحرب ضد روسيا ودخول امريكا الحرب الى جانب بريطانيا وانقاذها من الهزيمة الوشيكة.
وبعد الحرب وجدت بريطانيا منافسا فتياً وخطيراً على مناطق نفوذها تمثل بالاتحاد السوفيتي الذي خرج من الحرب قوة عظمى معادلة للولايات المتحدة الامريكية كما وجدت بريطانيا بامريكا شريكا اكبر لها في جميع مواقع نفوذها في العديد من مناطق العالم وامام ذلك وامام ما كان يعانيه اقتصادها من تدهور بعد الحرب وجدت بريطانيا ان اولى الاولويات بالنسبة لها هو استعادة مكانتها المهزوزة في المنطقة العربية (17) .
وعلى ذلك اعتمدت بريطانيا سياسة ماكرة فيما يتعلق بقضية فلسطين انطوت على تمكين اليهود من اعلان دولتهم والتظاهر في الوقت نفسه وكأنها لا تتحدى مشاعر العرب وذلك باحالة القضية الى الامم المتحدة للحصول على شرعية دولية للدولة اليهودية المزمعة واشراك امريكا بحماية اليهود ودولتهم بل جعل امريكا هي الحامي الاول لهم (18) .
كما عمدت السياسة البريطانية الى افتعال الخلاف مع المنظمة الصهيونية فقامت العصابات الصهيونية في فلسطين باعمال عنف وارهاب ضد البريطانيين ليكون ذلك ستاراً لتسلم فلسطين لليهود امام العرب واصحاب الضمائر الحية في العالم، وبذلك نجحت بريطانيا على حساب الفلسطينيين وحتى على حساب بعض ابنائها في الحد من ردود الفعل العربية وغير العربية وابقت خيوط اللعبة في يدها ليتسنى لها توجيه الزعامات الموالية لها من العرب آنذاك كي يدسوا ما تمليه عليهم من طروحات تستهدف شل فعاليات العمل العربي من خلال الاجتماعات والمناقشات العربية بحيث تأتي القرارات العربية العامة في اطار سيطرة الموالين لسياساتها باعتبارهم الاكثرية آنذاك (19) .
فقد كان الجنرال جون كلوب هو رئيس اركان ثلاثة ارباع العمليات الحربية عندما نشبت الحرب مع اليهود فاجهض العديد من مكاسب العرب في الحرب وحال دون اية انتصارات كان بالامكان الحصول عليها فجاءت نتائج تلك الحرب وكأن العرب خاضوها ليعطوا اسرائيل شرعية قيامها وتم تهميش الفلسطينيين من مسؤولية تحرير بلادهم بمنع تزويدهم بالسلاح كما منعت القوات العربية بأوامر من الجنرال كلوب وضباطه الانجليز في الجبهة العربية وفي الكثير من المواقع والمرات من تعزيز صمود الفلسطينيين في مدنهم وقراهم التي تركت نهباً لليهود يقتلون ويدمرون ويشردون كيفما كان يحلو لهم (20) .
وبالجملة فقد تمكنت بريطانيا بجهودها السياسية المبذولة من خلف الكواليس في اكثر من عاصمة عربية من جعل الموقف العربي العام اقل من ان يعرقل مخطط اقامة الدولة اليهودية اللقيطة.
(للموضوع بقية)
المراجع: (1) جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن ص 279 صالح ابو يصير.
(2) لمحات عن القضية الفلسطينية ودور الملك عبد العزيز آل سعود, ص 111 ابراهيم المسلم.
(3) افتراها الصهاينة وصدقها مغفلو العرب (ص 12 - 121) فهد المارك.
(4) انظر فقرة سابقة من بحثنا هذا لعيون الصهيونية .
(5) جهاد شعب فلسطين ص 275.
(6 - 7) النشاط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ص 116 - 122, الدكتور عبد الرحيم احمد حسين.
(8) جهاد شعب فلسطين ص 276.
(9 - 14) النشاط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ص 146 - 147 و148 و143 و132 و134 و136 - 142.
(15) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1288 - 1293 خير الدين الزركلي - جهاد شعب فلسطين 272 - 273.
(16) جهاد شعب فلسطين 391 - 402.
(17) النشاط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ص 276 - 277.
(18- 20) جهاد شعب فلسطين ص 290 - 992.
|