الكتاب الذين يلجؤون إلى تقديم شكل من أشكال التحليل النفسي للشخصيات لا يكفي ان يكونوا مالكين لأدوات الفن الذي يمارسونه فحسب وإنما يتطلب الامر منهم ان يكونوا عارفين بمنهج علم النفس وأساليب التحليل النفسي كأن الكاتب هو بالاساس أحد علماء علم النفس يكتب قصة يستفيد فيها من علمه.
إذا قدم لنا الكاتب شخصية تعاني نوعا من الخلل النفسي، فلابد ان يكون قد مهد لهذا الخلل بتراكمات سلبية اجتماعية ونفسية ترسبت في لاشعوره وظلت معه حتى اصبحت هي التي توجه سلوكه في مرحلة متقدمة كشخصية من شخصيات القصص,, لا يكفي ان يقول لنا الكاتب مثلا: (برغم انه ينحدر من اسرة طيبة فقد اصبح الآن لصاً او سفاحاً أو قاطع طريق), بل ينبغي ان يمهد لهذه الحالة التي بلغها الشخصية بأحداث ومواقف تعرضت لها الشخصية في طفولتها وأدت بها في النهاية إلى هذه الحالة.
وأبعد من ذلك ان كاتب القصة الذي يريد سلوكا محدداً لشخصيته قد لا تكون الاحداث التي مهد بها لاعوجاجه كافية لأن تدفع به إلى ما اصبح إليه، وبالتالي يضطر الكاتب إلى نسج الاحداث والظروف التي يمكن ان تؤدي إلى تلك العقد مستعينا في ذلك بمعرفة بعلم النفس وأساليبه ومناهجه.
وفي بعض الظروف يتدخل العمل الفني نفسه ليرفض استيعاب تلك الاحداث المفتعلة التي تساعد في بلورة الشخصية إذ تتعارض تلك الاحداث مع منطقية البناء الفني للعمل، وهنا يواجه الكاتب اخطر مشكلاته إذ يكون الخيار امامه إما ان يضحي بسلامة المنهجية في التحليل النفسي لحساب الاكتمال الفني، وإما ان يضحي بقبول قدر من الخلل الفني لحساب تكامل منهجه النفسي وسلامته.
هذا الامر واضح في مجال التحليل النفسي، لكن الحقيقة ان كاتب القصة ينبغي ان يكون خبيرا في الطب إذا كتب عن شخصية مريضة وعرض لبعض ظواهر المرض، وخبيرا في الزراعة إن كان موضوعة عن الزراعة او تربية الحيوان,, الكتابة الابداعية مغامرة صعبة ليس اصعب ما فيها ان يكون الكاتب ممتلكاً للموهبة ودارساً لأصول الفن، وإنما الصعوبة في مطالبته بأن يكون خبيراً في كل مجال يكتب عنه.
في ضوء هذه الحقيقة تستحوذ علينا غالبا قصص التحليل النفسي أو (التحليل السيكولوجي) عندما يكون الكاتب مجيداً في استخدام اساليب التحليل النفسي كعلم خاصة إذا جعل من سياق التحليل النفسي مظلة تحتوي العمل بكامله ويتواءم تحتها كل الاحداث والشخوص والاساليب والنتائج.
|