هذه احدى الكلمات التي تتردد كثيراً على الساحة الأدبية الآن، وهي كلمة تحمل مضمون الصرخة من اتساع الهوة شيئاً فشيئاً, بين المبدع والمتلقي, إنها بعد آخر من أبعاد الشكوى من الأمية الذهنية لا أمية اليدين والعينين, وهي اختصار لعشرات المواقف الجدلية الدائرة بين الأقلام, وعدم التزامن الثقافي ليس مشكلة معاصرة، ومن يقرأ الأدب منذ القرن الأول سيعجب لكثرة النصوص التي تضج عن الجهل والجاهلين، وكيف ان الناس يعيشون في مجتمع.
ودهر ناسه ناس صغار وإن كانت لهم جثث ضخام |
هذا بكل تأكيد عدم تزامن ثقافي، وقد احترق به بعض المبدعين أو كتبهم على الاقل,, وهو في وقتنا الحاضر ليس على امتداد وحسب, غير ان المفاهيم لاتبقى كما هي في كل عصر، فعدم التزامن الثقافي وهو مفهوم من تلك المفاهيم الطويلة العريضة يحمل الآن مفهوماً مغايراً بالطبع عما كان عليه في القرن الثاني الهجري -مثلاً- ولكن العجيب حقاً هو أن الحجارة التي كان يرجم بها المبدع هي نفس الحجارة,ترى: هل لأن الحجارة لاتتبدل, أم لأن الناس لم يتبدلوا؟؟ وهل يمكن أن تنتهي مشكلة عدم التزامن الثقافي هذه لاأعتقد ذلك لأنها جدلية, وهذه الجدلية لاأكتب عنها الآن لأنهيها فليس ذلك بمقدوري, ولاهو بمقدور غيري، إنها صراحية الحياة، ولن تتوقف إلا بتوقف الحياة نفسها، وليس في مقدور أحد أن يوقف الحياة, قصدت من ذكر هذه الكلمة أن أتجنب الحماس في إثارة أية مشكلة على ساحتنا النقدية بالذات فلست معنياً بالساحات الأخرى,, وإن كانت غير منعزلة بالطبع غير اني لم أكن يوماً ما موكلاً بقضاء الله أذرعه .
عدم التزامن إذن هو مشكلتنا,, وسيبقى هو مشكلتنا تماماً كما كان مشكلة أسلافنا,, هل كان زهير يشير إلى هذا البعد حين قال:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لم يظلم الناس يُظلم |
وأظن ذلك,.
إبراهيم محمد الجبر
ثرمداء
* يلامس صديق الصفحة إبراهيم الجبر قضية حقيقية وبالغة الأهمية عرفتها دائماً حياتنا الثقافية في مختلف عصورها ومواقعها,, إنها وطأة تعاني منها كل بلادنا العربية، وشكوى ضجت بها مختلف الأجيال، أو نبه إليها مفكرونا ومنظرونا، ولكن أحداً لم يطرح حلولاً، وكأنما قد اكتفوا بقصر دورهم على مجرد رصد الظاهرة وتوصيفها، أما البحث عن الأسباب أو تلمس الحلول فالجميع يتنصل من مسؤوليته وكذلك صديقنا إبراهيم الجبر.
ربما كانت المجتمعات الغربية لاتعاني هذه المشكلة، ومن هذا قد نستطيع ان نتلمس الأسباب، فالمجتمعات الغربية تمضي ثقافتها على مسارٍ واحدٍ متصاعد، على صعيد الإبداع والتلقي، وعلى سبيل المثال ففي الوقت الذي كان الكتاب المبدعون يتحولون عن الرومانتيكية إلى الواقعية وقد أدركوا ان الكتابة في ظل الرومانتيكية لم تعد تلبي ماتطالب به حياة جديدة للتعبير عنها,, في ذلك الوقت نفسه كان الذوق العام على صعيد التلقي قد بدأ يتململ ملالاً بأساليب الرومانتيكية وراح يتطلع إلى أشكال جديدة يرى فيها واقعه الاجتماعي موضوعاً للتعبير, كأن الحساسية الجديدة لدى المبدع والذائقة الجديدة لدى المتلقي يتزامنان ويتضافران في البحث عن كل جديد يزيد من ثراء الإبداع مثلما يزيد من ثراء الوجدان.
نحن نفتقد هذا التسلسل المنطقي الذي يفضي في ظله اتجاه بالضرورة إلى اتجاه جديد كهمٍ للمبدع وكهاجس للمتلقي في ذات الوقت، وقد يعود السبب في ذلك إلى اننا شغوفون ومتعجلون بنقل كل جديد إلى العربية عبر الترجمة دون أن تكون هناك فترة انضاج مناسبة, هذا موضوع طويل، ويحتاج الى مساحة كبيرة للنشر كفانا منه تلك الإشارة من جانبنا وذلك الطرح الجيد من جانب صديق الصفحة إبراهيم الجبر.