تطرق الدكتور عبدالله بن ابراهيم القويز الى أهمية التخصيص بالتحويل الكلي أو الجزئي للأصول المملوكة للحكومة الى القطاع الخاص حيث تحدث عن أبرز أهداف التخصيص وأسسه وفوائده وشروطه جاء ذلك في الدراسة الأولى من سلسلة دراسات معاصرة التى يصدرها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية, حيث احتوت الدراسة على أربعة فصول هامة, فتضمن الفصل الأول تطورات مفهوم التخصيص بداياته الأولى، فكان هناك عاملان رئيسان شجعا على شيوع فكرة التأميم وتوسيع دور الحكومة في التنمية لتحديث الاقتصاد الوطني، وأحدهما ايديولوجي والثاني عملي, ففي الغرب ظهرت عمليات التأميم طوال أربعين عاما دون انقطاع لغياب الدور الفاعل للقطاع الخاص الى أن أعيد النظر فيه في العقد الماضي ومع مرور الوقت اقتنع الجميع بأن مؤسسات القطاع العام لاتتمتع بالكفاءة المطلوبة، حيث استغلت المؤسسات الحكومية الامتيازات المعطاة لها بتمكينها من تعويض النقص الحاصل لعدم وجود قطاع خاص نشط والقيام بدور رائد في التنمية الاقتصادية، وتحولت الى أداة لتوجيه أعمالها من قبل السياسين مقابل حصولها على هذه الامتيازات, وبدأت عيوب هذه المؤسسات تبرز للعيان كلما زاد عبء تحويلهاعلى خزينة الدولة التي تعاني هي الأخرى من زيادة العجز في ميزانيتها العامة, وفي العقد الثامن شهد تطورا مهما تمثل في مبادرة رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر بطرح برنامج واسع للتخصيص شاملا تخصيص قطاعات كاملة تم بيعها للقطاع الخاص باستخدام مختلف الطرق والعمل على تقويم أسهمها والتعاقد مع القطاع الخاص لإدارتها، ولم تقتصر هذه الظاهرة على الدول الصناعية بل تبنتها الدول النامية بنفس الحماس ومثلت كلمة التخصيص ومبادئ اقتصاد السوق روح العصر,, وقد تأخرت برامج التخصيص في دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة للأرصدة والفوائض المالية التي جمعتها في السابق من أسعار النفط الجيد وفي ذلك الوقت حيث لم تنشط عملية التخصيص في دول المجلس الا بعد احتلال الكويت أي بعد عقد من بروزها كظاهرة عالمية وذلك بسبب الاعباء المالية التي تحملتها دول المجلس جراء هذه الحرب التي امتصت معظم فوائضها المالية,, وقد عرف الدكتور عبدالله القويز التخصيص وتحديد أهدافه حيث تناول التعريف الموسع للتخصيص بثلاثة مستويات متداخلة ومعقدة وهي مستوى المؤسسة والقطاع الاقتصادي أو الصناعي ومستوى الاقتصاد الوطني ككل وحدد الدكتور أهداف التخصيص بالتالي:
1- تحسين كفاءة الاداء للقطاع أو الاقتصاد الوطني ككل.
2- تحقيق التنمية الاقتصادية للقطاع الخاص .
3- دفع التكامل الاقتصادي بين الدول الى الأمام.
4- توفير المزيد من المعلومات.
5- تحقيق عدد من الأهداف الاجتماعية كايجاد فرص عمل.
6-تحقيق عدد من الأهداف المالية مثل تحسين الميزانية العامة والوضع المالي للدولة بشكل عام.
7- تحقيق بعض الأهداف السياسية ومنها تقليل الفساد الإداري واساءة استخدام المال العام.
وتطرق الدكتور عبدالله القويز في الفصل الثاني الى الأسس التي تنطلق منها عملية التخصيص والتي تركزت على الأسس الاقتصاداية والاجتماعية والسياسية التى تستند علىالخطوات التالية:-
1- اعلان واضح بأن الهدف الانتقال الى اقتصاد السوق المبني على المنافسة العادلة إضافة الى تحسين الوضع المالي للدولة.
2- توضيح للمقاييس التي سوف تستخدم لتقرير ما اذا كانت بعض النظم المطلوبة مفيدة ويجب ابقاؤها أو أنها معطلة ويجب إلغاؤها.
3- اعداد القوائم المالية والميزانيات الحكومية.
4- شرح الاجراءات التي سوف تتبع بيع المؤسسات الحكومية التى يتقرر تخصيصها.
ثم تطرق الدكتور عبدالله القويز الى كيفية إتمام تخصيص المؤسسة العامة عن طريق العوامل التالية:
1- تخصيص المؤسسات الكبيرة.
2- تخصيص المؤسسات الصغيرة.
3- تخصيص المزارع.
4- تخصيص العقارات التى تستخدم للأغراض التجارية.
5- تخصيص السكن بايجاد سوق منظمة للمساكن.
وثم التطرق الى أهمية النتائج المالية وتأثير التخصيص على مالية الدولة وبمعنى آخر التغيير الصافي في تدفق الدخل الحكومي نتيجة للتخصيص,, وتأتي المرحلة الأخرى من الفصل الثاني المتعلقة بالأسس الاجتماعية التى تنطلق منها عملية التخصيص إذ تختلف تلك الأسس من دولة لأخرى لكنه يعتمد علىالعلاقة فيما بين اربعة عوامل هي: مدى شمول توزيع الدخل والثروة ومدى تحقيق أو عدم تحقيق النمو الاقتصادي ومدى التغير في هيكل العمالة ومدى التغير في التركيب العمري للعاملين, وأكد الدكتور على أهمية التخصيص والقبول الاجتماعي والسياسات الاجتماعية والقوانين المساندة وقوانين العمل وتملك الموظفين والحقوق التقاعدية وإصلاح صندوق التقاعد وصندوق الضمان الاجتماعي .
ثم تطرق الى الأسس السياسية والتى تتطلب بالدعم المطلوب في الآتي:
مدى التزام القادة بمبدأ التخصيص ووقوفهم الى جانب البرامج الموضوعة له وتوضيح ذلك للمواطنين وهل تم التعرف على ردود فعل المحيط الاجتماعي والسياسي في الدولة بشكل عام؟,, وهل أخذ ذلك بالحسبان والى أي مدى يمكن للدولة أن تقتطع لهذا البرنامج جزءا من الموارد الوطنية عوضا عن طلبه المساعدة من المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وعن ماهية الاجراءات التى سوف تتخذ للسيطرة على التدخلات السياسية في شؤون المؤسسات المخصصة, وقد حدد المؤلف الأسس السياسية بإطارين الأول الإطار القانوني والإطار المؤسسي.
أما الفصل الثالث فاهتم بقضايا لها علاقة بعملية التخصيص حيث اقتنعت عدد من الدول بأن جهود إصلاح أوضاع المؤسسات العامة لا تؤدي إلا الى نتائج محدودة، وأنه لأسباب عدة يصعب الاستمرار في تقديم الدعم المالي لتلك المؤسسات، لذا دفعتها ظروفها المالية بالدرجة الأولى الى تبني فكرة التخصيص.
هل التخصيص يكفي؟
إن الاعتقاد السائد هو أن التخصيص مفتاح الحل للمؤسسات العامة في المناطق التي تسيطر فيها الدولة على الحياة الاقتصادية التي هي في طريق التحول لاقتصاد السوق، كما أن مشاركة القطاع الخاص حسب هذا الاعتقاد ستقود الىالتحسن في إدارة هذه المؤسسات وارتفاع في نسبة كفاءة أدائها.
هذا الاعتقاد صحيح الى حد كبير، فالعناية بتخطيط وتنفيذ برنامج التخصيص ستؤدي الى نتائج ايجابية ملموسة، وهناك دلائل كثيرة تؤيد ذلك، فقد اشار البنك الدولي إلى أن برامج التخصيص في تزايد مستمر حيث تم بيع أكثر من 8500 مؤسسة عامة في اكثر من ثمانين دولة خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية، إلا أنه لاينبغي تبسيط الأمور والاعتقاد بأنه بمجرد تخصيص مؤسسة عامة سيتم التحول تلقائيا من سلطة الدولة الى نظام السوق، فمعظم هذه المؤسسات التي لم تتعود بعد على ظروف السوق، وبدون إعطاء الدعم اللازم لهؤلاء الملاك تميل هذه المؤسسات إلى الاستمرار بنفس أسلوب عملها السابق، فالتأثيرات الإيجابية للتخصيص لاتأتي تلقائيا.
والمؤسسات العامة تحتاج إلى أكثر من عملية التخصيص لأنه ينقصها الهيكل المناسب للتعامل مع اقتصاد السوق, وبشكل عام يمكن إبراز نوعين من المشاكل العملية التي قد تواجه المؤسسات العامة التي يتم تخصيصها:
1) نمط السلوك , ويعني عدم قدرة موظفيها ومديريها على تقدير روح المسئولية النابعة من العمل ضمن مؤسسة تتخذ قراراتها تبعا لظروف السوق، ويظهر ذلك في عدم التركيز على النوعية وكثرة غياب الموظفين,,,الخ
2)هيكلي أو إجرائي, والمتمثل في عدم وجود مقاييس واضحة في الشركة لقياس نتائج أعمالها مثل معرفة حجم الإنتاج والمخزون، وقياس مدى رضا المستهلك,,, الخ, فالممارسات السائدة التي ورثتها المؤسسة من عهود سيادة الدولة على الاقتصاد تشكل عوائق رئيسية قد تحول المؤسسة الى جهاز غير فعال.
وهناك عدد من المشاكل الأخرى قد تواجه المؤسسة التي يتم تخصيصها، ولكن غالبيتها يمكن التغلب عليها بضخ رأسمال جديد مثل تبديل المعدات، وتغيير الأشخاص، وتبني مقاييس اقتصادية ومالية جديدة، وخلق بيئة تنافسية عادلة تمكن هذه المؤسسات من الانطلاق بكفاءة، إلا أن المشاكل الثقافية والسلوكية والهيكلية والأجرائية يصعب التخلص منها بسهولة، لأنها تتطلب تغيير العقليات والسلوك داخل المؤسسة وما يتبع ذلك من عادات.
شروط نجاح التخصيص ومزاياه
أظهرت دراسة حديثة للبنك الدولي حول التخصيص أن بعض الدول تواجه الصعوبات الكبيرة في تنفيذه، خصوصا تلك التى لم تتعود على سن القوانين والانظمة وليس لديها أجهزة فعالة للرقابة، أو الدول التي تضع قيودا على نشاط السوق ولاتشجع المنافسة، كما دلت هذه الدراسة على أنه كلما كانت السوق التي سيتم فيها التخصيص تنافسية، وكانت الظروف الاقتصادية ملائمة تحسنت فرص نجاح التخصيص.
بالإضافة الى ذلك تمت عمليات التخصيص في الدول التي لاتساعد ظروفها الاقتصادية والقانونية والمؤسسية على ذلك، فالتخصيص في هذه الحالة جاء تلبية لحاجة وليس نتيجة اختيار، وبدأ ببيع المؤسسات المتعثرة أولا وليس المؤسسات الرابحة كما يفترض، وقد أظهرت دراسة لمؤسسة التمويل الدولية نجاح هذا التخصيص رغم صعوبة الظروف، كما نجحت بعض برامج التخصيص في الدول التي لاتتمتع بالملاءة المالية، ومتخلفة في سداد ديونها للبنوك الدولية.
وبرهن بيع المؤسسات العامة على أنه مفيد ماليا واقتصاديا للدولة التي تتبناه، وفي حالات مثل تشيلي، وماليزيا، والمكسيك، والمملكة المتحدة أدى التخصيص الى زيادة في الرفاه لاحدى عشرة حالة من اثنتي عشرة حالة جرت دراستها (شركات المرافق العامة)، والاستثناء كان حالة واحدة في المكسيك، وكانت الزيادات إذ بلغ معدلها 26 في المائة من حجم البيع قبل التخصيص.
وتمثلت هذه الزيادات في :
- زيادة في الاستثمار حيث عجزت المؤسسات العامة قبل تخصيصها عن مواجهة الطلب بسبب نقص الموارد, -زيادة الإنتاج بسبب تقليل حجم العمالة وتحسين إدارة الموارد البشرية، وتحديث نظام الحوافز، وإعادة التنظيم، كما زاد الإنتاج بسبب تنويع المنتجات حسب طلب السوق وطرح منتجات جديدة, - زيادة في الأسعار التي ظلت منخفضة قبل التخصيص، مع العلم أن المؤسسات التي تتمتع بحقوق احتكارية وتم تخصيصها قد استمرت عملياتها خاضعة للرقابة والتنظيم من قبل الدولة، ومنعت من سوء استغلال الميزة الاحتكارية التي تعمل ضمها.
الدروس المستفادة
رغم أن عمليات التخصيص تختلف من دولة الى أخرى إلا أن هناك سمات بارزة في معظم حالات بيع المؤسسات العامة يمكن الاستفادة منها:
1- التخصيص هو مجرد شعار لايكتمل الا باصلاح الاقتصاد وتحريره، وبدون ذلك ينتهي التخصيص الى حالة من بيع واسطة العقد لذا نجد أن كلا من نيوزيلاند، والمملكة المتحدة، والمكسيك ، وتشيلي قد نفذت برامج ناجحة للتخصيص، لانها كانت مصحوبة ببرامج إصلاحية لفتح السوق وإزالة القيود المفروضة على الأسعار والعملات وتشجيع القطاع الخاص عن طريق إزالة القيود أمام الدخول الى السوق.
2- التخصيص الناجح لايتم إلا إذا كان مصحوبا بإجراءات مساعدة كالالتزام، والبناء المؤسسي، والإدارة الاقتصادية الحازمة والإطار القانوني المناسب.
3- تخصيص الإدارة (بدلا من نقل الملكية) قد يكفي في بعض الحالات، فالتعاقد على الإدارة، والإيجار، واعطاء حق الامتياز سبقت تجربتها بنجاح خصوصا في القطاعات التي يصعب فيها اجتذاب المستثمرين، وفي بعض الدول العربية تم التخصيص عن طريق الايجار أو التعاقد على الادارة وبرهن ذلك على أنه مقبول سياسيا ومربح تجاريا.
4- بيع المؤسسات العامة الكبيرة يتطلب جهودا تحضيرية معينة، وقد يتطلب تقسيم بعض هذه المؤسسات الى وحدات صغيرة ليسهل بيعها ولكي تستطيع المنافسة، كما قد يتطلب تعيين مديرين نشطين من القطاع الخاص، أو بيع بعض الالتزامات السابقة، أو الاهتمام بالعمال الذين سيجري تسريحهم، والشيء الاهم هو بذل العناية الفائقة عند إعداد وثائق المنافسة للحيولة دون المناقشات المطولة التي تلي مرحلة البيع.
5- الشفافية ضرورية من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، كما أنها ضرورية لاجتذاب المستثمرين الأجانب.
6- يجب الانتباه للناحية الاجتماعية وإنشاء نظام للضمان الاجتماعي، ويمكن معالجة هذه القضية عن طريق تشجيع الموظفين على تملك جزء من المؤسسة، وتخصيص مبالغ لتعويض الموظفين، وإعداد برامج لإعادة التدريب.
7- يمكن تشجيع مختلف انواع التخصيص طالما أنها تشجع المنافسة، خصوصا في الدول التي لايزال فيها القطاع العام مهيمنا وتحتاج الى تسريع التخصيص.
8- التخصيص وفتح السوق قد لايكفيان لوحدهما لحل المشاكل، بل قد يتطلب الأمر تدخلا مؤقتا من الدولة لخلق قطاع خاص نشط أو لتشجيع الاستثمار الأجنبي.
واختتم في نهاية الدراسة بملاحظات هامة في الفصل الرابع حيث قال الدكتور عبدالله القويز:
تهدف الدول من وراء التخصيص الى زيادة الكفاءة والانتاج وتحسين الادارة الاقتصادية، الا ان التخصيص لايؤدي النتائج المرجوة بمعزل عن المحيط الذي يتم فيه، فهو يعتمد بالدرجة الأولى على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية، وهذه الأسس منفردة أو مجتمعة ستحدد مدى النجاح أو الفشل لهذا البرنامج، ولقد اصبح التخصيص شعارا للتنمية الاقتصادية تنادي به الدول في جميع أنحاء العالم وتتبناه جميع الأنظمة السياسية، وبدأ تأثيره ينتقل تدريجيا من قطاعات الصناعة والتجارة والتمويل الى الهياكل الأساسية والخدمات البلدية، وحديثا انتقل الى قطاعي التعليم والصحة, لكن يظل التأثير الأكبر للتخصيص في شرق أوروبا ودول الاتحاد السوفيتي السابق بعد سقوط الشيوعية، حيث تبنت هذه الدول مختلف أنواع السياسات لتشجيع القطاع الخاص، كان أهمها تخصيص المؤسسات التي كانت مملوكة للدولة، وستحتفظ هذه التجربة بقصب السبق على غيرها من التجارب لسنوات قادمة، ومهما يكن المكان الذي تتم فيه عملية التخصيص، سواء في شرق أوروبا أوالدنمارك أو فرنسا أو إيطاليا فإن النقطة التي يجب تأكيدها هي أن الآثار الاقتصادية لها تتعدى قيمة بيع المؤسسة وتأثير أسهمها على سوق الأوراق المالية، فهي عبارة عن إعادة نظر في دور الدولة وفي الطريقة التي تدار بها الشئون العامة، كما أنها عامل مساعد لزيادة كفاءة الأداء وتبني فلسفة السوق في كل النواحي الاقتصادية استعدادا للاندماج في الاقتصاد العالمي والاستفادة من هذه العولمة.
وليس بالضرورة أن كل عمليات التخصيص يجب أن تكون كبيرة وشاملة، كما حدث في شرق أوروبا، حيث قلبت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية رأسا على عقب، فتجارب الدول المتقدمة في التخصيص كانت اكثر بساطة، لأن الأوضاع العامة في الدولة وطبيعة السوق قد وفرت الظروف المناسبة للنجاح، وخير مثال في هذا الشأن ماحدث في بريطانيا، ولو ان الكثيرين كانوا يعتقدون أن مادفع مارجريت تاتشر الى التخصيص هو رغبتها في إحداث تغيير كامل على الحياة السياسية والاقتصادية، إلا أن الاقتصاد البريطاني كان مبنيا أساسا على فلسفة السوق مما وفر الإطار المناسب للتخصيص.
وبين هاتين الحالتين توجد مجموعة كبيرة من الدول المتقدمة والنامية التي قد تشابه أوروبا الشرقية في رغبتها في إحداث تغيير كلي في أوضاعها الاقتصادية، وقد تكتفي بإدخال التعديلات على بعض جوانبها، وإذا حصرنا تفكيرنا في مستقبل التخصيص في المنطقة العربية بشكل عام ودول مجلس التعاون بشكل خاص، فقد نستنتج أن هناك شبه قناعة لدى الجميع بأن أهم قطاع اقتصادي لديها- وهو البترول- يجب أن يظل في يد الدولة، ويبقى التحدي بعد ذلك في كيفية تنفيذ برامج ناجحة لتخصيص القطاعات الاقصادية الأخرى بما فيها المشتقات البترولية, إن هذه البرامج يجب أن تكون جزاء من تنفيذ سياسة أوسع للإصلاح الاقتصادي لتشجيع التنافس، والغاء القيود، وتحرير الاقتصاد، وتقليل الإعلانات، وازالة العوائق وبعض هذه الإجراءات تم اتخاذها بالفعل ويجب تعزيزها, وأتوقع أن يكون للتخصيص في دول مجلس التعاون تأثيرات تقارب ماحدث في أوروبا الشرقية، غير أن ماتتمتع به دول المجلس من ثروة ومن معدلات معقولة للمعيشة -تقارب إلى حد كبير الدول المتقدمة- سيجعل بيع المؤسسات العامة أسهل مما حدث في أوروبا الشرقية, لقد ركزت في هذه الورقة على موضوع التخصيص من حيث نموه التاريخي، والتغير الذي يحدثه في طريقة التفكير والتعامل، واستبعدت طرح تجارب محددة في سبيل إبراز الجوانب النظرية لهذه الظاهرة، لكني حاولت تخفيف الملل الذي تسببه الدراسات النظرية عن طريق طرح بعض الأمثلة، كما أغفلت عن قصد الحديث عن النشاطات الحكومية التي قد يستحيل تخصيصها لأن ذلك يتطلب بحثا مستقلا, فباستثناء مجالات محددة كالدفاع الوطني والنظام القضائي فإن جميع أوجه الحياة الاقتصادية يمكن تخصيصها، إلا أن بعض المؤسسات التي تملكها الدولة لايمكن تخصيصها إما بسبب كبر حجمها أو عدم كفاءتها أو للسببين معا خصوصا إذا كانت هذه المؤسسات تشغل عددا كبيرا من المواطنين أو توفر خدمة اجتماعية هامة، وهذا الوضع ينطبق بشكل أكبر على الدول التي تحولت عن الشيوعية، وبعض الدول الأفريقية، وقد قدمت اقتراحات كثيرة لتحسين الأوضاع الإدارية لهذه المؤسسات، إلا أن التجارب أثبتت محدودية نجاحها.
|