عزيزتي الجزيرة
هب ان رجلا اصيب بحادث مروري قبل خمس عشرة سنة اي في عام 1405ه وكان من نتائج هذا الحادث ان مني بضربة قوية على رأسه فقد على إثرها وعيه وقرر الاطباء موته دماغيا,, فلبث احمد في المستشفى على تلك الحال زمنا طويلا لاحي فيرجى ولا ميت فينعى,, حتى قدر الله عز وجل بحكمته البالغة ان افاق احمد من سباته العميق وهو يحسب انه لم يلبث الا ساعة من نهار فأخبره من حوله ان السنين قد مضت والاعوام قد تتابعت واننا الآن في عام 1420ه فانزعج لما سمع وحزن واغتم, ولكن فرحة شفائه ورؤيته لأهله وأولاده انسته كل هذا الحزن والتأسي على مافات,, اما الزوجة المسكينة فلا تسأل عن مدى فرحتها وعظيم حبورها عندما سمعت خبر افاقة زوجها الذي ظلت تنتظره لسنوات كادت ان تجن ذرفت دموع الفرح بعد أن جفت دموع الحزن بكاء عليه، ولم تمض ايام قلائل حتى اصبح يمارس حياته العادية التي قد اعتادها قبل ان يصاب,.
فأول عمل قام به بالطبع ان توضأ وذهب كعادته الى مسجد الحي الذي كان يجتمع فيه اهل الحي كلهم كبيرهم وصغيرهم ولايكاد يتخلف احد منهم,, دخل احمد المسجد قبل ان تقام الصلاة فدهش لأن المسجد لايوجد فيه الا عدد قليل معظمهم من كبار السن,, تساءل أين اهل الحي؟! ألم يكن من عادتهم المجيء الى المسجد مبكرا ما الذي غيرهم؟ قال في نفسه لعلهم يأتون الآن, اقيمت الصلاة وانقضت ولم يزد العدد كثيرا,, فجع احمد لما رأى أين فلان؟ وأين فلان؟ بل أين الشباب مالي لاأرى الا القليل؟! رجع احمد الى البيت مهموما لتساهل الناس في امر الصلاة,, وفي طريق عودته نظر نظرة تأمل وسبح في خياله يتذكر احداثا ومواقف مرت عليه في هذا الطريق وبين تلك المنازل ولكن لفت انتباهه ان هناك مايشبه الطبق يعلو منزل ابي خالد فالتفت يمنة فاذا معظم المنازل كذلك ويسرة كذلك,, الحي كله مليء بتلك الاطباق, ولكن ياترى ماذا يستفيد الناس من هذه الاطباق,, لابد انها فائدة عظيمة والا لما اجمع اهل الحي عليها,, فعرف فيما بعد ماقصة هذا الطبق وماهي فائدته وانها إمطار الناس بوابل من الفساد صباحا ومساء فتألم لحال الناس كثيرا,, وفي اليوم التالي قرر احمد ان يأخذ زوجته الى السوق ذهبا معا وهما في طريقهما استوقفتهما اشارة مرورية فاذا بأحمد يسمع صوتا غريبا، تتبع الصوت وتأكد تماما انه يصدر من سيارة مجاورة له, صوت مسجل السيارة واصوات الموسيقى تدوي حتى تكاد تخرق الآذان، تفحص احمد الموقف جيدا لانه منظر غريب وعجيب ولم يسبق له ان شاهد منظرا كهذا رأى شابا قد لبس القبعة والبنطال وقص شعره بطريقة مضحكة وزيادة على ذلك يتراقص وسط سيارته كالمجنون على انغام الموسيقى,, التفت احمد الى زوجته مغضبا وقال منذ متى والاجنبي يجرؤ على فعل كهذا في بلادنا,,؟ فأخبرته ان هذا الشخص ليس اجنبيا ولاحتى معتوها وانه لم يأت ببدع من الفعل وان هذا هو حال بعض شبابنا بل وشيبنا احيانا وسترى من امثال هذا الكثير والكثير فما زاده الا هما وحيرة,, واستكمل سيره الى ان وصل الى حيث يريد واوقف سيارته ودخل الى السوق، فرأى شيئا غريبا ايضا وسيبقى كل شيء غريباً على هذا المسكين حتى يصبح هو ايضا غريباً على المجتمع منبوذاً وغير مرغوب فيه بسبب انه لم يتأقلم مع عادات وتقاليد مجتمعه الجديد.
فماذا رأى اذن رأى امرأة وقد فتحت من حجابها فتحة اظهرت العينين من خلالها,, تعجب لما رأى وحق له ذلك لأنه لم يعتد ذلك الشيء بل اعتاد ان يرى المرأة ولايرى فيها أي شيء يدعو الى الافتنان بها, اما نحن فقد اعتدنا ذلك وللاسف وقد يعده البعض قمة الاحتشام والستر.
اصبح احمد كالطفل فكل شيء يراه غريباً يحتاج الى سؤال,, سأل زوجته عن حال هذه المرأة فأجابته بأنها تريد رؤية الطريق بوضوح قال احمد مبهورا ألم تكن النساء قبل ذلك يذهبن الى كل مكان ولم نسمع ان واحدة منهن سقطت على منخرها للارض، ثم اذا كانت تريد حقا رؤية الطريق فلماذا الاعتناء بعينيها,, ونظراتها الفاتنة الى الرجال دون حياء او خجل,, وبينما احمد يحادث زوجته بشأن تلك المرأة اذ اقبلت ثلة من النساء وقد لبست كل منهن مايسمينه مغالطة وقلبا للحقيقة نقابا قد فتح فقط بقدر الحاجة بقدر مايظهر عينيها وجزءاً من انفها والذي اصبحت بعض النساء بحاجة الى ان ترى من خلاله لاننا في زمن العجائب والتطور ويظهر ايضا قدرا ليس باليسير من الخدين,, والذي نخشاه حقا هو ان يأتي اليوم الذي تكون المرأة مضطرة إلى الرؤية من فمها ومن يدري فنحن في زمن العجائب والتطور.
قال احمد لزوجته وهل هؤلاء ايضا يردن أن يرين الطريق؟! ماذا حدث,, والذي اصابكم,, هل انا حقا في بلادي ام انني نقلت الى عالم آخر؟! هل هؤلاء الناس هم الناس الذين عاشرتهم وعشت معهم قبل خمس عشرة سنة؟ ابدا لااكاد اصدق عيني, لقد تغيروا كثيرا ولكن كيف وما الذي غيرهم أيعقل ان تذوب أخلاق امة وتتغير عقولهم بهذه السرعة خمس عشر سنة لااصدق,, لعلي في كابوس مزعج سأفيق منه, وفي هذه الاثناء خرجت من احمد آهات حرى ودموع أحر وادرج قائلا، اعرف ان من طبيعة الحياة التغير والتقلب وعدم الثبات والاستقرار على حال, ولكن كم تمنيت ان يكون هذا التبدل والتغير نحو الافضل في دين او دنيا, اما ان تكون نحو الاسوأ والاسوأ جدا وبفترة قصيرة كهذه فهذا مالم اكن اتوقعه ابدا,, ولكن قولي لي يازوجتي العزيزة اذا كان المجتمع قد تغير وتغير بشكل واضح وبهذه السرعة العجيبة فما مصيرنا اذن بعد عقد او عقدين من الزمن آه,, لااستطيع ان اتخيل ذلك الوقت,, ثم اجهش بالبكاء وقال: ليتني لم افق,, ليتني لم افق,.
منصور محمد آل عبدالمحسن