مهما كتبت وكتب غيري عن موضوع الماء فلن نعطيه حقه، فهو جدير بالتوجه إليه، والبحث عن كل صغيرة وكبيرة تساعد على توافره في بلادنا الواسعة، فالأمطار تنزل عاماً وتمتنع عاما في معظم البلاد، ففي عام 1418ه نزلت الأمطار بغزارة وتحولت الأودية إلى أنهار، وارتفع الماء في الآبار، بل إن بعض الآبار امتلأت بالماء، ولكن تلك السنة لا تتكرر، فالسنة التي بعدها اتسمت بشح الأمطار وندرتها، وبما أن هذه عادة بلادنا فعلينا الاحتفاظ بكل قطرة تنزل من السماء، والاحتفاظ بمياه الأمطار معضلة ليس من اليسير العثور على حل لها، ولو كان لدي أو لدى غيري حل لها لكفتنا المياه التي نزلت على أرض المملكة في سنة 1418ه لمدة عشرين سنة قادمة أو أكثر.
وبما أن الحل الحاسم متعذر فلا بأس من تلمس الحلول المساعدة على الاحتفاظ بشيء من مياه الأمطار التي تسقط على أرض المملكة، إن من تلك الحلول إقامة السدود التي دأبت وزارة الزراعة على إقامتها، وقد أقامت عددا كبيرا منها في أودية المملكة المختلفة، وأهم هذه السدود ثلاثة كبار هي سد جيزان وسد نجران وسد بيشة، وهذه السدود الثلاثة تغذيها الأمطار شبه المستمرة، ثم إن التبخر في تلك السدود أقل منه في غيرها، ولذلك فإن هذه السدود الثلاثة من أهم مصادر المياه في الجنوب الغربي من المملكة، أما السدود المقامة في أودية المنطقة الوسطى والشمالية والشمالية الغربية فإنها تعاني من مشكلة التبخر، وإذا علمنا أن درجة الحرارة في ثلث السنة تتراوح ما بين 43 إلى 47 درجة مع انعدام الغيوم في سماء السدود في الصيف، إذا علمنا ذلك تبين لنا خطر التبخر على ماء السدود في تلك، المناطق, لقد وقفت على واحد من تلك السدود في سنة 1418ه وهو سد روضة سدير وكان السد بمثابة بحيرة يرتفع فيها الماء إلى تسعة أمتار، ويمتد الماء في الوادي - بعد حجزه - إلى مسافة 25 كيلومترا وبعرض 500 متر، يضاف إليها الشعاب المتفرعة عن الوادي، إن تلك الكمية الهائلة من الماء لو تيسر لها الغطاء الملائم لحمايتها من أشعة الشمس في قلب القيظ لبقيت سنتين أو ثلاثا، ولكن التبخر جعلها تنضب في سنة واحدة، أما الآبار التي لا تتعرض للتبخر فإنها تبقى سنوات، وحتى الدّحول الواقعة في الصّمّان مع قلة مائها تبقى فيها المياه سنة وسنتين وأكثر مع أن تلك المياه يبلغ عمقها المتر أو نصف المتر، وكان المسافرون في القديم يقصدونها من مسافات بعيدة ويثقون بوجود الماء فيها، إذن معضلة السدود التبخر، فأرى العدول عن السدود المكشوفة الى السدود المطمورة وصفة السدود المطمورة أن تقام حواجز اسمنتية بعرض الوادي، فتزاح البطحاء ويقام الحاجز على الصخر بارتفاع البطحاء في الوادي، بحيث لا يرتفع عن أرض الوادي وتنتظم السدود المطمورة الوادي، وتكون المسافة بين الحاجز والحاجز الآخر ألف متر، إن تلك الحواجز لا تكلف كثيرا مع أنها تحتفظ بالماء محميا ببطحاء الوادي، ثم إنها تمنع الماء من الإنحدار إلى نقطة واحدة، فيكون الوادي بمجمله مخزونا ماء لا تصل إليه الشمس، إن وزارة الزراعة مدعوة إلى تجربة السدود المطمورة في واحد من أودية المنطقة الوسطى، لتقف على نتائجها، وبعد ذلك تحكم عليها بالنجاح أو الفشل، لأنها - كما قدمت - لا تكلف كثيرا من المال, إن بلادنا تنزل عليها أمطار غزيرة في بعض السنين فعلينا أن نبحث ونبحث عن حل للاحتفاظ بتلك الأمطار، لا أن نبقى متفرجين، ونرى أن السدود المكشوفة هي الحل الوحيد لحفظ مياه الأمطار، إن مياه التحلية مكلفة وهي تعتمد على دخل الدولة من النفط، ومادام الأمر كذلك فمن الصعب أن تتحمل الدولة تلك النفقات مع توسع المدن وإهدار تلك المياه، ثم إن مياه الآبار العميقة قابلة للنضوب، فالأمطار هي الثابتة.
د, عبدالعزيز بن محمد الفيصل