القاهرة - مكتب الجزيرة - شريف صالح
يستمد الأديب حسني حسن بساطة تعبيره وعمقه من بحر الاسكندرية، ويستمد خصوبة الكتابة من طمي الدلتا، ورغم ثراء تجربته إلا أنه مقل في الكتابة، فعلى مدار عشرين عاما لم يصدر سوى روايتين هما اسم آخر للظل ، و المسمرون وأيضا دراسة أدبية عن إدوار الخراط.
التقته الجزيرة في هذا الحوار الذي تحدث فيه عن تجربته ومشواره مع الابداع والبساطة والعمق التي جمعها في كتاباته.
كاتب رواية فقط
* لماذا اخترت الرواية كشكل فني؟
- كتابة الرواية هي محاولة أقوم بها لفهم وتفكيك التعقيد الذي أعرفه في العالم، وفي نفسي,, هي محاولة ربما يكتب لها حظ بسيط من النجاح، وأيضا يقول إبسن: إنني أكتب كي أعقد لذاتي جلسة محاكمة,, لكن مع رغبتي العميقة الأكيدة في كتابة الرواية لم أكن لأجرؤ أو أحلم بكتابة الرواية لولا لحظة جاءت عليّ أشبه بالمصادفة، إذ قرأت نصا روائيا لصديق لي بعنوان هاجس موت وأنا أقرأ المخطوط قلت لنفسي، ربما كنت أستطيع أنا أيضا أن أكتب ما أريد أن أعبر عنه، ولم استطع التعبير عنه حتى الآن,, وهذا حفزني لكتابة روايتي الأولى في تسعة أسابيع.
* لكن لماذا شكل الرواية بالذات؟
- لأنها جنس أدبي يجمع بين التصميم والتخطيط الكامل والقدرة على الإحاطة بالتناقضات، وامكانات الولوج في أعماق الشخصيات، وتحول الروح,, وهي أيضا الجنس الأدبي الوحيد الذي يبدو كما لو كان لا حدود له، ينفتح على كل الأشكال التعبيرية الأخرى,, الرواية بالنسبة لي هي جسد العالم، وأنا لا أريد أقل من هذا العالم، أو أقل من نفسي بكليتها.
* وهل تؤمن بفكرة الأجيال الأدبية في الكتابة؟
- هذا تقسيم شائع سواء في الدراسة النقدية أو الدردشة الانطباعية حول مجرى نهر الإبداع,, لكن هذا كلام لم يعد جديرا بالاهتمام، لأنه ليس من المعقول أن يوجد جيل أدبي كل عشر سنوات، خصوصا إذا طلبنا من هذا الجيل أن يكون متمتعا بحساسية أدبية مغايرة لمن سبقه من أجيال.
* لكن رفضك لفكرة الأجيال لا يعني بالضرورة الرفض للأساتذة؟
- بالطبع لكل كاتب أساتذته الذين يغرم بهم في مراحله المختلفة، فقد كان نجيب محفوظ بالنسبة لي زلزالا عظيما ونبعا لا ينضب للعطاء الإنساني، وكذلك كان الأدب الروسي - خصوصا تولستوي ودوستويفسكي - ذا أثر مهم في تكويني، ورغم أني لم أقرأه في لغته إلا إنني أقرب إلى حساسية هذا الأدب,, وفي سن السابعة عشرة قرأت نصا لإدوار الخراط هو رامة والتنين أصابني بما يشبه الصدمة من ناحية الذوق والحساسية والكثافة الفنية، وظل هذا الإحساس معي، أتتبعه وأفتش عنه في نصوص أخرى لإدوار، ولبدر الديب، ولمنتصر القفاش، وغيرهم,, لكن الخراط بالذات صحبني في رحلة صداقة مع عالمه قرابة عشر سنوات، وحاولت أن أكتب دراسة شاملة عن حياته وعن أدبه، وبالفعل كتبتها تحت عنوان يقين الكتابة .
حول عملية الإبداع والكتابة
* تأخرت كثيراً في الكتابة,, لماذا؟
- اعترف لك أنني أشعر بالخوف الشديد كلما أمسكت القلم لأكتب، ربما هناك شيء من نقص التصديق من إمكانية أن أقوم بذلك، لقد كتبت القصة القصيرة مع أبناء جيلي حتى الثانية والعشرين من العمر تقريبا، وجمعتها في مجموعة ثم فجأة اتخذت قرارا داخليا بتمزيق وحرق كل هذه الأوراق، فيما يشبه طقس من طقوس الكتابة الرومانتكية، وبقيت حوالي عشر سنوات بعد ذلك بعيدا عن القلم بعدا تاما، راضيا ومستمتعا بالقراءة حتى وجدت بداخلي رغبة عنيدة تدفعني دفعا لكتابة دراسة نقدية عن إدوار الخراط، وحتى بعد انتهائي منها لم أكن أتوقع أن أكتب، وفي منتصف الثلاثينيات من العمر أخذتني فجأة دوامة الرواية الأولى وكان احتشادي لها,, هذه هي حالتي بأمانة رغم أنها تخلو من أسباب ظاهرة تفسر سر الانقطاع.
* هل معنى هذا أن الابداع عملية تتم بقرار واع؟
- الابداع بشكل عام ابن التنظيم والإرادة، وليس بالضرورة أن يكون التنظيم والإرادة مرادفين للتعسف والجبر، إنني أحترم بشدة كل من يصنع لنفسه هدفا ويسعى لتحقيق هذا الهدف بإخلاص وإصرار، أحترمه مرتين، الأولى: ناجحا في إبداعه والأخرى ناجحا في تصميمه وإرادته,, فليس هناك إلهام يسقط من السماء على رؤوس المبدعين,, وتحضرني كلمة لتشيكوف يقول فيها: إن الموهبة هي فن تنمية الموهبة.
* من خلال نصين روائيين,, هل استطعت أن تبلور عالمك الروائي؟
- لا أستطيع الزعم بذلك,, إنني أكتب في كل مرة محاولا الإحاطة بما يدور بداخلي أو يجرى حولي لاكتشف كل مرة أنني ما زلت بعيداً,, من الصعب الحديث عن عالم روائي من خلال نصين فحسب، ولكن ربما جازت الإشارة إلى بعض الملامح، الخاصة بي حسبما يراها النقاد.
* أهم هذه الملامح؟
- أن كتابتي تتسم بالكثافة وموغلة في التحري والتقصي، وإنني احاول فهم الدوافع التي تتحكم في مصائر الشخوص، وأيضا هناك من النقاد من يتحدث عن القدرة البنائية والنفس الروائي الطويل، واللغة المغايرة عما هو سائد.
(ويبتسم في خجل) ثم يضيف: الغريب إن كتابتي وصفت من قبل أبناء جيلي بأنها كتابة عواجيز.
كتابة عواجيز
* هل يُفهم من هذا إنك واجهت أزمة نشر بسبب كتابة العواجيز؟
- لقد بحثت عن ناشر لدراستي عن إدوار الخراط أكثر من خمس سنوات، حتى قال لي الصديق منتصر القفاش إنه سكرتير الكتاب الأول الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة، فقدمت له المخطوط، ورغم أن اللجنة المتخصصة أوصت بطبعه خارج نطاق سلسلة الكتاب الأول تقديرا للجهد المبذول فيه إلا أنه لم ير النور إلا بعد صدور روايتي الأولى عن دار نشر خاصة كانت أرحم بي من طوابير السلاسل الحكومية، فقد بادر صاحب هذه الدار بالاتصال بي عقب قراءته للمخطوط بواسطة صديق، وأبدى اعجابه بالنص والرغبة في نشره.
* وهل تنتظر جائزة عن هذه الأعمال الجادة؟
- ليس هناك من يكره الجوائز، لكن المشكلة أن ينتظرها الإنسان ويعتقد في داخله أنه جدير بها أكثر من غيره,, بالنسبة لي لا أنتظر سوى جائزة واحدة، وهي ما أحرص عليه حرصي على وجودي ذاته، وهي مشاركة قارىء مجهول في مكان ما - لي - فهم العالم وتفسيره من خلال كتابتي,, هذه الصحبة غير المخطط لها سلفا هي قناة اتصالية بين القارىء والكاتب.
* ماذا لهذا القارىء؟
- مجرد أفكار تحتاج لبعض الوقت.
|