صحيح ان للسفر الكثير من الفوائد التي نعرفها والتي لا نعرفها, وخلال هذا الصيف سافرت الى كل من اندونيسيا وامريكا واكتشفت من الفوائد التي لا اعرفها من قبل وربما ان امثالي كثير, والسبب ان ميلادي ودراستي وسفراتي كلها كانت شمال خط الاستواء (دائرة وهمية) وكان لسفرتي الاخيرة الى اندونيسيا (جنوب الخط) فائدة جديدة مما جعلني اكتشف بعض ما كنت اجهله قبل هذه السفرة ومنها فائدة استتباب الأمن في دولة يعتقد البعض بانها دولة متخلفة، ولكن هذه الدولة تتمتع بأمن سأتعرض له في هذه المقالة بما يؤيد ملاحظاتي.
صحيح ان اندونيسيا من بلدان العالم الثالث المنسي، ونقصد بالمنسي كون الدراسات الانسانية والاهتمامات العلمية تقتصر في التطبيق على الشعوب المتقدمة في الغالب, اما الاكتشاف الثاني في هذه السفرة فقد كان التشويش الواضح على بوصلة العقل الانساني, وهو تشويش حصل لي شخصياً ولا ادري عن غيري فمنذ ان عرفت الحياة وانا اشاهد الشمس من شروقها وحتى غروبها وهي تتخذ خطاً او مساراً مائلاً او شبه مائل، يقع دائماً في الجنوب, ولكنني عندما كنت جنوب خط الاستواء التبس علي الأمر مما جعلني اعتقد ان الشمال هو الجنوب والجنوب هو الشمال والشرق هو الغرب والعكس,, والسبب ان الشمس تحولت من الجنوب كما تعودت ان اراها الى الشمال, يضاف الى ذلك البرودة التي وجدتها في فصل الصيف بمعنى اختلاف دول شمال خط الاستواء عن دول جنوبه, ففي فصل الصيف تكون البرودة وفي الشتاء تكون الحرارة، فالصيف جنوب خط الاستواء شتاء والشتاء صيف اي العكس, والأهم من هذا كله اكتسابي المعرفي لشعب مسلم مسالم هو الشعب الاندونيسي، الذي كنا نعتقد من قبل انه ليس بهذا المستوى المتقدم, ولن يصدق احد الا بعد ان يرى بعينه, ومن الأدلة التالية نستطيع المقارنة بين دولتين الاولى وهي الاكثر تقدماً والاكثر تطوراً وتحضراً في عالم اليوم، وعلى الرغم مما تتمتع به هذه الدولة العظمى، نجدها الاكثر اجراماً اذا ما قورنت بدولة مثل اندونيسيا، البلد الذي تعصف به العواصف الاقتصادية والسياسية والجهل والفقر وعدم الاستقرار النفسي، ومع هذا نجد هذا البلد من اكثر دول العالم امناً حسب الأدلة التالية:
الخطأ ورصد الخطأ
في اضخم فنادق اندونيسيا قراند حياة رجنسي التقيت بمحامٍ بريطاني الجنسية (اسود البشرة) يعمل مستشارا قانونيا للشركة العالمية ذات الفروع المنتشرة حول العالم Corporate Service Consultants يقول هذا الرجل: لقد اخترت ان اعيش في اندونيسيا التي فضلتها على بلادي بريطانيا, والسبب كما يقول انه احس بالأمن والأمان بمعناه الحقيقي وليس المزيف,, وحس ايضاً باحترام الانسان للانسان كانسان اي انه لا يتعرض للشتم او الاهانة او الاختلاس او الكذب او الاحتيال او محاولة التقليل من مكانته او النظر اليه نظرة عنصرية كما هو موجود في الغرب.
واضاف ان الحياة في الغرب اصبحت حياة لا تطاق فالجريمة تزداد والكراهية والعنصرية والغلاء والغموض في السياسات والافكار المتسلطة والغرور والتعالي والنظرة غير العادلة للشعوب الفقيرة مما جعل العالم يكره الغرب ولو احبه واحب حضارته,, ان الغرب اصبح غير واثق من نفسه ولهذا نجده يحاول ان يعوض هذا النقص بأفعاله الدميمة، وربما كانت هذه الافعال مخططا لها ومقصودة,, هذا الرجل اذا صدق فيما قاله لي فانه يدل بالفعل على ان هناك من يرفض الخطأ ولو حدث الخطأ منه.
الوازع الديني
يقول السائق محمد الذي اقلنا من المطار الى الفندق ان احد معارفه قد حصل اثناء الشغب الأخير في جاكرتا على آلة فاكس وباعها بحوالي مائة دولار دون ان يخاف العقاب من خالق العباد, ويستغرب محمد كيف ان مثل هذا الانسان يضع في جيبه مالاً حراماً, كما شاهدنا على بعض المحلات التجارية عبارات كتبت بالعربية مثل الله جل جلاله او محمد صلى الله عليه وسلم او الاسلام,, وقد فهمنا ان المقصود بتلك العبارات ان مالك المحل مسلم وماله حصل عليه بالحلال والمال الحلال يحرم على المسلم سرقته او العبث فيه.
الأمان
كان ابني اديب الذي يدرس الطب في امريكا يرافقني عندما شاهد النساء لا خوف عليهن عندما تسير الفتاة في ساعة متأخرة من الليل دون ان يعترض طريقها اي شخص, وهذا شيء مستحيل حدوثه في واشنطن حيث يدرس اديب,, واشنطن العاصمة الامريكية المعروفة عاصمة اقوى واغنى دولة في هذا العصر,, امريكا التي تدعي حماية حقوق الانسان وتتهم البعض بعدم احترام هذه الحقوق ومنها اندونيسيا,, اي حقوق للانسان اذا كان الانسان المسكين في امريكا لا يأمن على حياته؟ فيخشى ان يخرج من منزله ليلا فلا يعود اليه حياً, فالعدالة التي تدعي بعض الشعوب بانها تتمتع بها ما هي الا ادعاء باطل، لأن العدالة المطلقة غير موجودة الا في حكم خالق الكون سبحانه وتعالى.
الجريمة في الغرب
في كل عام نسمع عن تعرض السياح العرب للسرقة في كثير من الدول الغربية (اوروبا وامريكا) ولم نسمع ان سائحا خليجيا او عربيا تعرض للسرقة او النصب او الاحتيال في الدول الاسلامية الواقعة في شرق جنوب آسيا (اندونيسيا وماليزيا) وان حصل مثل هذا فانه لا يتطور الى مستوى الظاهرة المزعجة المتكررة.
حوادث السير
تسير في مدينة جاكرتا العاصمة، عرضا وطولاً فلا تجد او تشاهد اي حادث مروري على الرغم من قلة رجال المرور الذين لا تجدهم الا نادراً بعكس امريكا التي تستخدم فيها اعلى درجات التقنية من طائرات تراقب الطرق ورادارات وكمرات متقدمة وعدد هائل من رجال الشرطة, ومع هذا تقع الحوادث المروعة بينما نلاحظ قلة واضحة في الحوادث المرورية في اندونيسيا مع قلة واضحة في عدد رجال الشرطة وضعف او ندرة الوسائل الحديثة المستخدمة في هذا المجال.
ففي امريكا التطور موجود والمال موجود وتعاطي المسكرات موجود، كما اوضحت احصائية ولاية فرجينيا انه من بعد العاشرة ليلا يجب الحيطة من السكارى وما ينتج عنهم من حوادث مروعة, فالاباحية وتعاطي المسكرات والمخدرات والقدرة على شراء المسكر تزيد من الحوادث الجنائية والمرورية وهذا ما ترفضه العقيدة الاسلامية.
المقارنة الإحصائية السعودية
من خلال المقارنة الاحصائية في السجون السعودية التي اقوم بها ما بين فترة واخرى منها ما نشر منذ 23 سنة اتضح لي انه يمكن القول بأن هناك شعوبا الميل الاجرامي في شعبها ميل كبير بينما نجد شعوباً اخرى عادية وشعوبا ثالثة مسالمة, ومن الشعوب المسالمة الشعب الاندونيسي حتى الشعب العربي الذي تتوفر فيه جميع شروط الشعب الواحد نجد ان نسب الاجرام تتفاوت حسب الجنسيات ونوعية الاجرام تختلف من شعب لآخر وكأن كل شعب يتخصص في نوع معين.
القيمة الشرائية
الميزة التي تمتاز بها اندونيسيا هي انخفاض القيمة الشرائية، فقد وجدت اسعارا مغرية ورخصا يكاد يشمل كل شيء، ومن الناحية الاقتصادية فان انخفاض قيمة العملة المحلية يعني زيادة على الطلب وارتفاعا في التصدير فالمصنع المحلي اذا لم يستورد خدمات التصنيع من الخارج سيربح لأنه سيبيع اكثر ويصدر اكثر مما لو ارتفع.
النتيجة:
اذا كانت امريكا هي الأكثر تقدماً في العالم والاقتصاد وجميع المجالات فان هذا التقدم لم يمنع الجريمة عنها ولم تستطع الدولة معالجة هذه المشكلة المقلقة داخل حدودها، بعكس اندونيسيا البلد الفقير المسلم الذي لا يمكن مقارنته مع امريكا الا من حيث التفوق الشامل في مجال الأمن الذي تفوقت فيه اندونيسيا على امريكا بدون منازع, فلا القوة البوليسية والعسكرية ولا القوة الاقتصادية ولا السمعة الدولية ولا العلم مكن امريكا من حماية المواطن الامريكي من شر الجريمة, فهل نستنتج ان التحضر قد يزيد من الجريمة بل يجعلها متطورة ومتقدمة، وآفة تحول حياة البشر الى جحيم؟
لقد وجدت اثناء عملي مع الشرطة الامريكية ان رجل الأمن يركز على سلامته وحفظ نفسه من الاعتداء والقتل قبل كل شيء مما جعل امريكا تعطي لرجال الشرطة فيها صلاحية قتل كل من يعتقد ولو مجرد اعتقاد بأنه يهدد حياته او حياة غيره للخطر, وعندي امثلة كثيرة تثبت فشل التطور التكنولوجي في امريكا وغيرها من الدول المتقدمة في كبح جماح خطر الجريمة على الرغم من جميع المحاولات والجهود التي بذلت في هذا الاتجاه.
*مدير سابق لشرطة منطقة حائل وعضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز حالياً