- ان لكل امة ثقافة مهما كانت ايديولوجية هذه الأمة ومهما كان محيطها السكاني والجغرافي هذه الثقافة هي بمثابة المنهل الذي تستمد منه تراثها وفنونها وموروثاتها بل ومعتقداتها,, الخ.
- وبالتالي فان هذه الموروثات والفنون والمعتقدات تضفي على هذه الأمة طابع الخصوصية بين الأمم الأخرى التي تحمل بين طياتها ثقافات مختلفة.
- ومن هذه الموروثات والفنون في ثقافتنا العربية الشعر (فصيحه وعاميه) ونحن هنا بصدد الحديث عن شعرنا العامي.
- بيد انه ومن الضروري والضروري جداً تحديد الآليات التي تحافظ على هذا الموروث اي الشعر العامي لكي ينمو ويرتقي ويصبح في القمة كما كان في شعرنا العامي القديم، لا كما هو عليه الآن من الانتكاس والانحدار السحيق.
- ومن هنا فمن يلاحظ شعرنا العامي الحالي يجده كالشيخ الهرم الأعمى الذي كل ما اراد السير خانته قواه فجثا وليس له من عصا يتوكأ عليها.
- فمجرد عقد المقارنة بين شعرنا العامي القديم والحالي يتبين الفارق الواسع والبون الشاسع بين هذا وذاك اي ما بين الرقي والانحطاط.
- بل لقد وصل شعرنا العامي الحالي الى مرحلة الاحتضار ان لم تكن مرحلة ما بعد الاحتضار والموت، وللاسف ان اقول هذه العبارة ولكنه الواقع المر الذي يعيشه شعرنا.
كما قال الشاعر العامي الأصيل:
اعزي الشعار في كل الأقطار الشعر مات ولا لقي شخص يحييه احموا عليه النار عامر وعمار ناس بليا اقلوب,, واكبر غبنيه امسى عمر في ساحة الشعر سمسار باع الشعر عامر وعمار يشريه ما بين غار ونار باحن الاسرار كيف العزا والقلب ضاعت هقاويه وين العلوم الاوله يا هل الكار راحت هلل من عقب ما هيب بجنيه الشعر الأول سار رسم وتذكار نشت مواريده ويسبت نواميه شاعت رسوم الدار يا دار يا دار عسى الحيا لأمر واديك يسقيه يا ذا الحمامة روجعي فوق الاشجار وابكي زمان فات بالدمع وانعيه |
وعلاج ذلك الوضع المتردي الذي آل اليه شعرنا العامي يتم عن طريق معرفة العوامل التي ادت الى هذا الوضع ومن ثم تشخيص الطرق العلاجية.
وهذه العوامل هي:
أولاً: النقاد: أو من اطلقوا على انفسهم اسم نقاد الشعر العامي (ولا أدري من اي باب دخلوا مجال النقد ولكن يبدو انهم دخلوه تحت جنح الظلام عن طريق النوافذ).
حيث أنه ومن الواضح على كتاباتهم أنهم لايفقهون في المجال النقدي أي شيء من أساليبه وأدواته، ما عدا اتخاذهم اسلوب التجريح لصاحب النص، وذلك عن طريق استخدامهم للنص في عملية النقد كالطعم الذي من خلاله يصل هذا الناقد المجرح الى مبتغاه بتجريحه لصاحب النص، رغم ان اسلوب التجريح لايمت للنقد بأية صلة وأعني النقد الهادف الموضوعي.
وبالتالي فإن هذا الاسلوب التجريحي المعمول به ليس من الأساليب النقدية الصحيحة الموجهة نحو الرقي بمضمون المادة، وإنما هي دعوة الى الهبوط بذلك العمل ومضمونه من خلال تجريح صاحب النص.
- فالنقد فيما نراه اليوم في المجلات الشعبية ان صح اطلاق المصطلح الشعبي عليها لايمت للأصول النقدية بصلة، ولذلك فالأولى وضع مصطلح النقد في هذه المجلات بين قوسين والتزام التحفظ على اطلاق هذا المصطلح على مايدور داخل تلك المجلات من أساليب نقدية واستبدال مصطلح النقد بمسمى التجريح وربما يصل الى مرحلة القذف، ان جاز التعبير.
- وتبعاً لذلك فالأولى استبدال مسمى من يقوم بالنقد التجريحي في تلك المجلات بمصطلح من هذه المادة أي المجرح ، ومعلوم هنا أن مدلول التجريح غير مدلول الجراحة، فالجراحة قد تكون للمصلحة والتداوي خلاف ماهو عليه التجريح عند المجرحين من تلك المجلات.
- والمتابع لواقع المجلات الشعبية ومجرحيها سوف يشاركني الرأي بلا تردد اذا ما رأى تلك التجاوزات غير المشروعة من خروج عن الموضوعية والحيادية واحلال عنصر الذاتية مكانهما.
- ومن البديهي ان الذاتية اذا تسللت إلى أعماق الباحث أو الناقد في الحكم على الأشياء فان الحكم بلا محالة سوف يأخذ طابع الانحياز سواء مع او ضد ذلك الشيء مما يفقد الموضوع جوهره وبالتالي لايكون للبحث أو النقد أي دلالة ايجابية تفيد جميع الأطراف من باحث وناقد ومطلع وصاحب نص.
وهذا هو المحور الأساسي في مجال النقد الأدبي.
- ولكي أكون أكثر موضوعية فان الحكم على الممتهنين في تلك المجلات بالتعميم خاطئ، وذلك لوجود بعض الاخوة المجتهدين الذين يهدفون الى العمل الموضوعي البناء ولكنهم وللأسف قلة جداً.
ثانياً: دخول مايسمى بشعر الحداثة في شعرنا العامي الأصيل:
فدخول الحداثة في شعرنا العامي أدى الى انحطاط وتدهور مستوى الشعر بل هوى به الى ما لا نهاية.
وبوقفة استقرائية بسيطة من القارئ لتلك النصوص الحداثية سوف يستشعر مدى ما أرمي إليه، فهي بحق وأعني الحداثة: التليف الكبدي في هيكل شعرنا العامي الأصيل، ولعدم الاطالة والاسهاب في عرض موضوع الحداثة والذي قد سبق الحديث عنه من خلال جريدة الجزيرة صفحة مدارات شعبية العدد 9785 الاربعاء 1/4/1420ه، تحت عنوان بين الاصالة والحداثة في شعرنا العامي .
ثالثاً: تواري واختفاء اصحاب الكلمة إلا ماندر والتي لها مدلولاتها من أهل الخبرة والباع الطويل والذين لهم اليد العليا والأسبقية في هذا المجال من نقاد ورواة وشعراء أثروا الساحة الشعبية بعبق الكلام وعطر القوافي، وبنكهة الهيل في القصة والقصيدة وتركوها في هذا المنعطف الخطير والذي أشد ما تكون الحاجة إليهم الآن، وبذلك اعطوا الفرصة لمن هم ليسوا أهلاً لذلك من شعراء ونقاد غير قادرين على معالجة الوضع الراهن بل انهم وكما يقال زاد الحمى مليلة والطين بلة حتى رأينا ما نحن وشعرنا بغنى عنه.
رابعاً: فاعلية القائمين على الاصدارات التي تصدر في المجال الشعبي من مجلات وغيرها:
حيث ان اولئك القائمين على تلك الاصدارات لم ينظروا الى الساحة الشعبية بعين المبصر الهادف الى اثرائها الواعي باحتياجاتها بما هو مفيد وجيد، وانما هدفهم الأول والأخير مصلحتهم الذاتية متناسين مصلحة المطلع والقارىء حتى نتج عن هذا النمط المصلحي تلك التكوينات الشللية، وهذا نتيجة لشيوع عنصر المصلحة وعلى ذلك يقع المثل القائل (شد لي واقطع لك) وليت الأمر يقف عند هذا الحد بل نراه يتعداه الى ما الله به عليم من الأهداف,,؟!!.
خامساً: تقيم القصيدة على حسب مركز صاحب القصيدة او قربه من المقيم.
كل منا يعلم ان الشعر عبارة عن شعور يترجمه الشاعر او الشاعرة.
لذلك لا نستطيع ان نسلب شخصاً شاعريته سواء كانت هذه الملكة الشعرية جيدة أم لا, ونحن هنا لسنا بصدد تقييم فلان وفلان.
ولكن الذي يعنينا في هذه الجزئية المهمة من الموضوع ان نكون واقعيين في عملية تقييمنا للقصيدة بحيث اننا لا ننظر الى اسم قائل هذه القصيدة ومركزه الاجتماعي فعملية تقييمنا للقصيدة على هذا الاساس سوف يكون غير موضوعي، اي انه متى كان صاحب القصيدة ذا مركز اجتماعي فسوف تكون القصيدة ضمن المعلقات بلا نقاش، لأننا هنا لا نتعامل مع مضمون القصيدة التي بين ايدينا بمصداقية وانما مع مركز صاحبها واسمه,, وصلة قرابته,, او صداقته.
وعليه سوف يقودنا هذا الشيء الى قتل المواهب الشابة والذين لا يملكون ما يؤهلهم لقبولهم واجبارنا على متابعتهم كما لو كان لديهم مراكز اجتماعية,, او اي صلة اخرى.
ولذلك فليكن الحكم على مضمون القصيدة دون النظر الى اسم ومركز صاحبها.
سادساً: انحسار شعرنا العامي الحالي جله ان لم يكن كله في غرض واحد الا وهو الغزل مما ينشر وعدم طرق الاغراض الاخرى من اغراض الشعر والتي فيها الفائدة الحقيقية للقارىء من وصف وحكمة وحماسة ووطنية ومعالجة الكثير من المشاكل الاجتماعية.
مما ادى الى حصر دائرة شعرنا العامي في اتجاه واحد وبالتالي تكون لدى القارىء نوع من التبلد الحسي تبعا لذلك الحصر والذي اشبه ما يكون عليه الروتين القاتل من تكرار ابتدعه الشعراء الحاليون.
وانا هنا لست متحاملاً على شعر الغزل والدعوة الى تركه وانما التنويع في طرق وطرح اغراض الشعر ومواضيعه لتعم الفائدة.
وبالتالي فان استقراء ما سبق عرضه من عوامل لها اثرها السلبي على وضع الشعر العامي الحالي يقودنا الى وضع الآليات والطرق العلاجية والتي تتمثل في ايجاد عمل مشترك بين الشعراء والنقاد والرواة والمهتمين بالشعر العامي وبين الجهات القائمة على الاصدارات الشعبية المقروءة والمسموعة والمشاهدة بتقنين العملية الانتاجية وتحديد اهدافها تحت ضوابط معينة وذلك باتخاذ المنهج التكاملي طريقا لسير العمل في المجال الشعبي بين تلك العناصر بموضوعية وحيادية تامة لا تزعزعها ذاتية ولا انحياز.
انه متى ما تحقق ذلك فقد نهجنا الطريقة الصحيحة، فهل نحن فاعلون؟!.
عبد الله بن عبد العزيز آل غزي