Tuesday 10th August, 1999 G No. 9812جريدة الجزيرة الثلاثاء 28 ,ربيع الثاني 1420 العدد 9812


مراجعة الثوابت القومية في عالم متغير
د, وحيد عبد المجيد

يحتاج مفهوم الثوابت القومية الذي يشيع ضمن ميراث حركة التحرر العربية الى مراجعة جادة في ضوء ما يشهده العالم من متغيرات ويمكن تحديد الحد الأدنى المطلوب لهذه المراجعة بأنه ذلك الذي يحررنا من النظرة الاختزالية للعالم وما يقترن بها من اساءة قراءة وفهم ما يحدث فيه وخاصة على صعيد التفاعلات الاقتصادية التي يتوقف مستقبل دورنا كعرب على موقفنا فيها.
وليس هناك اكثر ضرراً بنا من ان يستسهل بعضنا تفسير اي تطور او ترتيب دولي بأنه يهدف الى خدمة مصالح الدول الصناعية المتقدمة او الرأسمالية العالمية او الشركات متعددة الجنسية وعلى حساب البلاد النامية عموماً والبلاد العربية خصوصاً.
وتعبر هذه النظرة عن استمرارية منهاج يحصر الكفاح الوطني في مجرد مواجهة كلامية ضد قوى خارجية شريرة سواء كانت حقيقية او متخيلة، وهو المنهاج الذي تحرر كثير من شعوب ودول العالم الثالث من اسره واكتسب كفاحها معنى ايجابياً فيصرف الى العمل والانجاز والاستفادة من الفرص التي يوفرها النظام الاقتصادي العالمي من خلال الاعتماد المتبادل مع السعي الى تقليص المخاطر المحتملة.
اما الانغماس في نظرية المؤامرة فهو يمنع العقل من الانطلاق ويعمي البصر عن رؤية الواقع كما هو بخيره وشره ويحول دون وضع الخلافات والتناقضات المصلحية في حجمها، فكثيرة هي الخلافات التي تحدث بين الدول او بين الشركات الكبرى وشديد هو التنافس من اجل تحقيق المصالح، واذا انتشرت التفسيرات التآمرية التي يعتبرها بعضنا من العالم العربي استمرارا لكفاحهم الوطني لهلك الاقتصاد الدولي.
ونضرب مثالاً واحدا يدل على مدى حدة الخلافات التي تحدث بين الدول الصناعية المتقدمة نفسها وكيفية تعاملهم معها, فقد قررت الحكومة الالمانية في بداية العام الجاري 1999 وقف استخدام الطاقة النووية بالرغم من وجود تعاقدات متعددة مع شركات فرنسية لتزويدها بهذه الطاقة، وكان معنى ذلك ان تخسر هذه الشركات خسارة فادحة تم تقديرها في حينها بحوالي ثلاثين مليار فرنك فضلاً عن تقليصات في العمالة تترك آثارها على الاقتصاد الفرنسي في مجمله, ولا نريد ان نزيد ما يفيد ان شركات كبرى كانت مهددة بالانهيار واهمها الشركة العامة للمواد النووية (تحوجيما) ومصنع السخانات النووية (فراماتورم).
ولو ان الفرنسيين يفكرون مثل العرب اصحاب نظرية المؤامرة لكان من السهل عليهم اتهام المانيا بالتآمر على بلادهم والسعي الى اضعاف اقتصادهم ولاستدعوا من فورهم ميراث الصراع التاريخي وما وقع من حروب بين البلدين ولفتحوا (الغرفة) المظلمة في عقولهم والمحفوظة فيها ملفات هذا الصراع فاستخرجوها واستخدموها في شن حملات ضارية ضد المانيا لا تهدأ.
ولكنهم لم يفعلوا ذلك لسبب بسيط وهو انهم لا يعانون المرض الذي يصور للانسان انه موضع اضطهاد وتآمر، وكان هذا الواقع يقول ان مشاركة حزب الخضر وانصار البيئة في الحكومة الالمانية ونفوذهم فيها فرض اتخاذ ذلك القرار.
غير ان مشكلة بعض العرب الذين لا يرون في الاقتصاد العالمي غير استغلال ونهب وهيمنة من الكبار وتبعية مفروضة على الصغار لا تقتصر على اثر ميراث الثوابت القومية لحركة التحرر فالأثر الذي يحدثه هذا الميراث يزداد كلما نقصت المعرفة بما يحدث في العالم والى اين يتجه؟ وكيف اصبح على مشارف القرن الواحد والعشرين مختلفاً بما كان عليه في عصر الظاهرة الاستعمارية فالكثير مما يقال عن الهيمنة والتبعية لا يأخذ في الحسبان, ان نمط الانتاج يغلب عليه بشكل متزايد تداخل المكونات والأدوار بحيث لا تصبح الدولة هي الوحدة او على الاقل الوحدة الوحيدة التي يتشكل على اساسها الاقتصاد العالمي.
فاذا اخذنا سلعة مثل كوكاكولا التي يحلو لبعضنا ان يصبوا جام غضبهم عليها نجد انها تصل الى المستهلك العربي من خلال شركات اما عربية بكاملها او يشارك عرب في رأسمالها ويعمل فيها فريق معظمه من العرب او يختاره اصحابها العرب.
ويحدث مثل ذلك على مستوى اعلى بكثير بطبيعة الحال بين البلاد الصناعية المتقدمة، فعلى سبيل المثال نجد ان السيارة اليابانية الاصل يتم انتاجها في بلاد متعددة من بينها الولايات المتحدة نفسها وعندما تنتج في امريكا فان التوزيع الاقتصادي لقيمة السيارة على العوامل المساهمة في انتاجها من عمالة وهندسة وتجميع وسلع وسيطة وتسويق يتم في بلد الانتاج ويعني ذلك ان عائد السيارة المباعة يدور في اطار دورة الاقتصاد الامريكي اكثر من الياباني وعندئذ فان المستهلك الامريكي الذي يشتري السيارة الاجنبية يدعم اقتصاد بلده اكثر من نظيره الذي يشتري سيارة امريكية الاصل ولكن الجزء الاكبر من عائد بيعها لا يتم في اطار الدورة الاقتصادية للولايات المتحدة.
وهكذاتغير كثيرا مفهوم السلعة الوطنية والسلعة الاجنبية فالعملية الانتاجية تنمو بشكل متزايد لان تكون عالمية بالمعنى الدقيق للكلمة بمعنى ان اجزاءها وعائداتها تتوزع على اكثر من بلد ويمكّن الشركات بشكل متزايد الى توزيع اجزاء ومراحل العملية الانتاجية على بلاد مختلفة يتم اختيار كل منها وفقاً لمعايير من اهمها تكلفة انتاج كل جزء او مرحلة ومدى القرب او البعد عن مراكز الاستهلاك.
ويؤدي ذلك الى زيادة ما يسمى التجارة الرأسية او التجارة القائمة على التخصيص الرأ سي الذي يقصد به تجزئة العملية الانتاجية والتخصص في بعض مراحلها دون البعض الآخر بخلاف التخصص الأفقي الذي يشمل كل المراحل.
وأوضحت دراسة مهمة للغاية نشرت في مجلة Economic policy Review في عددها الصادر في حزيران (يونيو) 1999 ان التجارة الرأسية او القائمة على التخصص الرأسي صارت تمثل نحو 15% من اجمالي التجارة العالمية في عام 1995 وانها تزداد بشكل مطرد يفوق التجارة الافقية, وليس هذا استنتاجا مثيراً لأي استغراب فمن الطبيعي ان ينمو التخصص الرأسي بمعدلات اسرع من التخصص الافقي في ظل التقدم الكبير في وسائل الاتصال وازدياد الميل الى تحرير التجارة على الصعيد العالمي برغم ان هذا التحرير يثير قلقاً شديدا في بعض الأوساط العربية حتى الآن.
ويرتبط هذا القلق في احد اهم جوانبه بواقع العالم العربي الذي ما زال بعيداً عن التخصص الرأسي ومتخلفاً في التخصص الافقي في آن معاً, غير ان المحرك الاساسي للقسم الاكبر من هذا القلق يتجاوز الواقع الى التصورات الناجمة عن ميراث حركة التحرر العربي وما يعج به من شكوك في الغرب وبلاده وشركاته وكل ما يأتي منه.
ولا نجد تعبيراً عن سيادة هذه الشكوك من النظرة السلبية الى التطورات الحاصلة في التجارة الدولية والاتفاقات المتصلة بها اتفاقات الغات والأطر المنظمة لها وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية وتمتد هذه الشكوك الى داخل مراكز صنع القرار في بعض البلاد العربية احياناً, فعلى سبيل المثال تحدث مسؤول اقتصادي مصري كبير خلال ندوة نشرتها مجلة الاهرام الاقتصادي الاسبوعية في عددها الصادر يوم 28 حزيران (يونيو) الماضي تحدث عن ان (العملية لم تعد تجارة بالمعنى المتعارف عليه) واضاف باللهجة العامية المصرية ما يفيد اننا (المصريون او العرب) نخضع لاستغلال في ظل قواعد غير واضحة للعبة.
ويصل الامر أحياناً الى حد الحديث عن معركة الغات والبحث عن منافذ للهروب من الالتزامات بدلاً من السعي الى تعظيم الاستفادة من الفرص والمزايا التي تتوافر للبلاد النامية من خلال منظمة التجارة العالمية التي وصل عدد اعضائها الآن الى 124 دولة ومنطقة جمركية بما يغطي نحو 95% من حجم التجارة في العالم وهو الحجم الذي ارتفع من حوالي 60 مليار دولار عام 1960 الى نحو 6500 مليار دولار عام 1998م.
ولعل الخطأ الأساسي الذي تنطوي عليه النظرة السلبية الى الاتفاقات التي تشرف منظمة التجارة العالمية على تنفيذها هو التركيز على ما ترتبه من التزامات والمبالغة فيها مع تجاهل المزايا الكثيرة والفرص الوفيرة التي تجعل البلاد النامية هي الفائزة في المحصلة النهائية بشرط ان تكون قادرة على تطوير اقتصاداتها وتحسين ادائها.
أما من لا يعمل وينجز ويعالج مشاكله الاقتصادية وغيرها مما يؤثر على الاداء الاقتصادي وخاصة تلك المتعلقة بمناخ الاستثمار فهو يواجه مصيرا تعيساً ويحكم على نفسه بالتهميش وعندئذٍ تغدو ازمته ابعد كثيراً من القواعد الحاكمة للتجارة العالمية.
كما ان البلاد التي تخضع حكوماتها لنفوذ مستثمرين محليين يحققون ارباحاً فلكية نتيجة اغلاق الاسواق الداخلية عليهم وفرض تعريفات جمركية مرتفعة انما تحكم على نفسها بالتخلف لحساب مصالح خاصة تتذرع بمصلحة عامة تحت شعار حماية الصناعة الوطنية فالمصلحة العامة الحقيقية تقضي بضرورة خفض التعريفة الجمركية لان المستوى المرتفع لهذه التعريفة الجمركية لا يشجع المستثمر المحلي على زيادة كفاءة منتجاته طالما انه لا يواجه منافسة من الخارج فالمنافسة وحدها هي التي تفرض عليه ان يحرص على اعتبارات الجودة والكفاءة والسعر المعقول, وهذا هو السبيل لبناء صناعة جيدة قادرة بدورها على المنافسة في السوق العالمية بما يؤدي الى زيادة الصادرات.
ان حماية الصناعي المحلي من المنافسة الأجنبية تؤدي حتماً الى تخلفه واضعاف قدرته على ان ينافس بمنتجاته في الخارج, ومن هنا تكون اهمية خفض التعريفة الجمركية بمبادرات ذاتية لان اتفاقات الغات لا تلزم بذلك عكس ما هو شائع وبرغم ما في هذا الالزام اذ تحقق من مزايا حقيقية ولكن بعض البلاد النامية وقفت ضد تقنين خفض التعريفة الجمركية خلال مفاوضات الغات وخاصة البلاد التي ما زال اثر ميراث حركة التحرر الوطني قوياً عليها بما يترتب عليه من اخضاع الاقتصاد للسياسة على نحو يضر كليهما، ولذلك لم تنص اتفاقات الغات الا على حظر القيود الكمية مما يتيح لاي دولة ان تفرض ما تشاء من قيود جمركية اذا كانت راغبة في ان تتخلف عن الركب خدمة لمصالح خاصة تقلل قدرتها على المنافسة في السوق العالمية.
وليس هناك قيد تفرضه الغات في هذا المجال الا في حالة واحدة وهي اذا اتفقت دولتان او اكثر على ربط الضرائب الجمركية على سلع محددة عند حد معين في اطار تنازلات متبادلة ومثل هذا الاتفاق هو اختياري تماماً ولكن اذا تم وتجسد في ما يسمى جدول وطني للالتزامات تسجل فيه حدود ربط الضرائب الجمركية على سلع معينة فإنه يصبح التزاماً على الدولة لا تستطيع الفكاك منه الا عبر اتفاق آخر مع الدولة او الدول نفسها.
ويعني ذلك ان خفض الضرائب الجمركية هو موقف اختياري يتوقف على المصالح التي تفرض اجراء هذا الخفض اذا كانت هناك دوافع اقتصادية رشيدة هي التي تحكم صانع القرار, اما اذا تم اخضاع هذه الدوافع للأهواء السياسية او لمصالح خاصة يكون الاقتصاد الوطني هو الخاسر.
ومن عجب بعد هذا كله ان يدعي البعض ان اتفاقات الغات تفرض منافسة غير متكافئة على البلاد النامية لمصلحة الدول المتقدمة او الرأسمالية العالمية او الامبريالية ويصعب تصور ان كل من يدعون ذلك لم يطلعوا على الاتفاقات وعلى على نظام العمل في منظمة التجارة العالمية ولكن يسهل تصور مدى تأثرهم بميراث ثقيل يخضع الاقتصاد للسياسة ويختزل الاخيرة في شكوك وهواجس تجاه الدول المتقدمة الغربية خوفا من الانفتاح على العالم والاندماج فيه.
وهذه الشكوك والهواجس والمخاوف برغم تراجعها نسبياً وبدرجات متفاوتة من بلد عربي الى آخر ما زالت تشكل عقبة امام تقدمنا وما لم ننفضها عن كاهلنا وندرك ان العالم تغير وان عصر الاستعمار انتهى، ستظل فرصنا في تحسين مركزنا النسبي في العالم ضعيفة والخطر الحقيقي الذي نواجهه اليوم هو ان تزداد الفجوة بينما وبين العالم المتقدم بما يعنيه ذلك من تهميش لنا اما خطر الهيمنة علينا فهو يوجد في اذهان بعضنا اكثر مما يوجد في الواقع.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved