* الواقع أن النقد الأدبي لدينا مختلف ليس فقط عن الحركة الأدبية بل عن النقد كما يعرفه العالم وهذا له آثاره المدمرة على حياتنا الثقافية, والسبب بإيجاز هو اختلاط المفاهيم النقدية والأدبية وعدم انتظار الكتابة الجادة التي تتابع الاعمال الفنية على اختلافها تقديماً وتقييماً, وأول مفهوم ينبغي التصدي له هو مفهوم الناقد لقد زالت فكرة إظهار العيوب من هذا المفهوم (أي فكرة الانتقال) وحل محلها مفهوم آخر لايقل خطورة وهو إبداء الرأي.
* الاهتمام بالنقد الأدبي,, اهتمام بالفكر والأدب,, ولن تقوم قائمة أدب أمة مهما علا شأنها ,, وسما فكرها,, في غياب النقد الأدبي أو قصوره,, والنقد,, رسالة أدبية قبل كل شيء,, وهي رسالة سامية في مضمونها,, هادفة في مقصدها وتنحصر مهمة النقد في إظهار الحقيقة,, حقيقة فن من الفنون أو أدب من الآداب تتضح من خلالها العيوب والمحاسن, أما إذا قصد بالنقد الترجيح أو الانقاص من قيمة فن من الفنون للإساءة الى شخص بعينة أو أشخاص بعينهم فلا يعد ذلك نقداً على الاطلاق, كذلك إذا قصد به رفع شأن فن من الفنون لامتداح شخص بعينه أو أشخاص بأعينهم فذلك ليس نقداً لأن النقد لابد ان يكون لذات النقد ولذات الأدب.
* ان الناقد الممتاز,, الذي وهب ملكة اعطاء الأشياء حقها من الوصف والمميزات والأبعاد, لم تأت هذه الملكة من فراغ وإنما جاءت نتيجة متابعة وقراءة دائمة, ولن يملك الناقد ناصية النقد النزية الصادق الواعي,, مالم يكن متابعاً ومطلعاً على كل مايدور في حركتنا الأدبية عن قرب ومعايشة فقد عاب الأديب الناقد الآن علىنفسه تقصيرها التام في متابعة مايكتبه أدباء هذا الجيل من شعر ونثر.
* فإذا كانت حركة النقد العربية قاصرة,, لأن نقاد أدبها لايكلفون أنفسهم مشقة قراءة مايطرح في الساحة الأدبية من عطاء,, فماذا نقول نحن,,في حق بعض الذين يكتبون آراء في الأدب ويسمونه نقداً وأني لأعجب كيف أن بعض من يكتبون النقد في صحفنا ينشرون دراسات نقدية مطولة عن كتاب من كتب الشعر أو القصة ونجدهم يتجاوزون الزمن,, ويسبقون جميع نقاد الامم حيث نجد ان الفارق الزمني بين صدور الكتاب ونشر الدراسة,, بضعة ايام او اسبوع إما خدمة لكاتب بعينه أو انه للإساءة الى سواه, والنقد بهذه الطريقة نقد سريع لم تتوفر له القراءة المتأنية,, ولا الاتزان والنزاهة الواجب توفرها في كل عمل نقدي واع,فالنقد لايتمثل في ابداء الرأي مهما بلغت وجاهته وعلا شأن اصحابه لان الناقد ليس قارئاً عادياً للرواية أو القصيدة وإنما هو قارئ متخصص له مميزاته الخاصة,.
ابراهيم محمد الجبر - ثرمداء
رؤية الجبر,, عين علىالذات، وأخرى على الموضوع ,,!
صديق الصفحة ابراهيم الجبر يمنينا بوعد في عنوان مقالة ان يقدم لنا رؤية معاصرة حول النقد الأدبي، فيشد الانتباه الى الترقب والبحث عن معنى المعاصرة التي ضمنها عنوان مقاله، هل يعني تجاوز المألوف والمتواتر عن مهمة النقد وأدواته؟ أم أن معنى المعاصرة قد املاها عليه ما قصد اليه من ارتباط الظواهر التي يرصدها عن النقد بحال النقد المعاصر في علاقته بالحياة الثقافية عامة وبالأدب بشكل خاص؟، وطبيعي اننا وقد فرغنا من قراءة ماكتب قد لانجد سندا وجيها للعنوان الا ما يمكن ان يوعز به الفرض الثاني، طالما ان مارصده ابراهيم الجبر من ملاحظات حول النقد العربي في وضعه الراهن هو ضمن ما أفاض فيه الكتاب من زاوية او اخرى، فلنتجاوز العنوان اذن لنرى ماتضج به شكوى الجبر,.
تداخلت الأفكار والملاحظات في طرح الجبر، ولكننا نستطيع ان نعيد ترتيبها في مجموعة من العناصر 1- اهمية النقد الذي لايمكن ان تنهض امة - ثقافيا على الأقل - دون أن يكون للنقد رؤيته الواعية ودوره الموضوعي الفاعل,, 2- تحول مفهوم النقد في اذهان ممارسيه من علم الى مجرد وجهة نظر، وبالتالي: 3- ضرورة موضوعية النقد وتجرده من الأهواء الشخصية الراغبة في النيل من خصم او في رفعة صديق,, 4- ما ادى اليه ذلك من عزلة الفعالية النقدية العربية عن واقع الحياة الثقافية بإهماله - في رأي الجبر - للأعمال الابداعية من ناحية، و : 5- عزلته عن الارتباط بحركة النقد عالمياً - كعلم - بدليل ارتباك المصطلح النقدي لدينا، ومن ثم فشله في الاسهام بشيء في اثراء الفعالية النقدية عبر اضافة معطى جديد الى تراكماته كعلم,.
هذه خمسة محاور اساسية لامسها الجبر عن بعد دون ان يحاول الدخول في واحدة منها, ولأنها تمثل قضايا كبرى في أي حركة نقدية فقد كان من الطبيعي في مساحة كمساحة مقال الجبر ان يتعجل الكاتب القفز من واحدة الى اخرى, ليس هذا تهوينا من أهمية ماكتبه الجبر، بل الاحرى أنه دعوة له، ولأصدقاء الصحفة للكتابة حول هذه القضايا حتى وان كانت الكتابات قد تعددت فيها في السابق، فالذي لاشك فيه ان كل محاولة جديدة تفتح افقا جديدا.
في اشارة الى اهمية ماكتبه الجبر، قد نحب ان نتوقف معه عند بعض جمله ذات الدلالة الخاصة ومناقشتها،لكن ذلك يستهلك مساحة هي من حق الأصدقاء وحدهم، وكمثال واحد مايقوله من ان النقد لابد ان يكون لذات النقد ولذات الأدب وهو تعبير قد يضلل القارئ على أكثر من نحو فالنقد لذات النقد قد يفهم منه تلك الكتابات التي لاتلوى على شيء الا ان يشار الى صاحبها كناقد، مع ان الجبر يقصد النقد الذي يكرس لموضوعية النقد,, والنقد لذات الأدب يقصد به الجبر ذلك النقد الدافع الى نهضة الأدب وتقويم خطاه، مع ان المعنى يمكن ان يتسع الى فكرة خرافية، في تجاوز النقد لموقعة كعلم الى ان يكون فعالية ابداعية مثلما الأدب!.
في كل الأحوال نحيي في صديق الصفحة ابراهيم الجبر حرصه على التواصل معنا، وحرصه الأشد علىالاسهام في الحركة الثقافية لدينا، ولو بمجرد رأي، وما نظنه بحاجة الى التنبية الىدعم كتابته بالشواهد والأمثله، خاصة وانه فنان تشكيلي، وقد يفهم من مقاله أنه مجرد شكوى من كتابات غير موضوعية تناولت عملا من اعماله، فتتحول الرؤية الموضوعية الى هموم ذاتية.