كانت الفتاة المدللة للاسرة بالرغم من انها ليست كبرى ولا صغرى البنات مرحة أحيانا وأحيانا ظالمة وأحيانا أخرى مفترسة كذئبة، مكابرة بقلب ضعيف وشفاف
قلب عاجز عن معرفة ماذا يريد، وكيف يعيش؟ قلب قاس امام الجميع ومحب رغم القسوة الظاهرة دوما، تملك عينين بريئتين بنظرات طفلة ماكرة ومشاكسة.
في المنزل تحب ان تعاند الكل لتأخذ حب وحنان والدها الفائض دوما عطرا وحبا ودلالا.
ذات مساء وقفت متحدية اختها كانت هي المخطئة حاولت امها ان تفض نزاعا حادا بينهما لكنها لم تستطع كالعادة.
فقد تغلب الغول (هكذا كان يناديها جميع من في المنزل) عليهما بالرغم من ان امها لم تكن إلى جانب اختها كانت دوما حيادية او معها حتى وان اخطأت وكانت في كل مرة تصرخ بأختها (اصمتي وادخلي إلى غرفتك).
في نهاية شجارهما وقفت منتظرة ككل مرة والدها على باب المنزل، فتح الباب ودخل والدها جرت إليه باكية العينين وهي تصرخ لقد تشاجروا معي، امي ضربتني لأجل اختي رأت نظرات الغضب في عيني والدها ومن ثم صرخ مناديا أمها وأختها.
حضرت امها كطفلٍ مذنب لم تبال وقفت مبتسمة خلف والدها وهي ترى وجه اختها الخائف بل المليء بالرعب من والدها.
بعد ان انهى صراخه وكلمات العتاب المليئة بالتهديد والوعيد للام وابنتها دخلت كل غرفتها
جلست سعيدة منتصرة على الجميع رأت والدها يدخل غرفته وبدأ باكمال لومه وعتابه لأمها.
سمعت صوت امها باكية تقول له:
- لم أضربها، صدقني في حياتي كلها لم اعامل احدا من ابنائي كما عاملتها.
كانت ولأول مرة يغالبها فضول الاستماع لهما.
كانت تستطيع وبمكانها الذي هي فيه سماع صوت ابيها وكأنه بجانبها لأنه كان مرتفعا جدا.
سمعته ينطق بكلمات غريبة لم تستوعبها، حاولت التركيز فاقتربت من الباب بوجه وعينين مكذبة ما تسمعه، ترددت كلماته في اذنيها.
- انا اعلم انك تكرهينها لأنها ليست ابنتك.
سمعت امها تصرخ به:
- انا احبها كما لو انها ابنتي صدقني، احببتها اكثر من اولادي ودللتها كثيرا، انا من ارضعها ومن رباها، اناصرها دوما على اخوتها وأميزها بمعاملة خاصة جدا.
- انت كاذبة كنت دوما اخاف ان تقدمي على ضربها وتعذيبها في غيابي لأنك: زوجة اب لا أمها الحقيقة فلو كانت امها على قيد الحياة لما بكت ابنتي وتعذبت.
كانت الكلمات تدخل الى اذنيها وتصعد إلى رأسها حامية كسعير من النيران احست بأن الكون ينهار فوق رأسها وبأنها فقدت حتى التمييز وبدون وعي منها، اتجهت الى الغرفة، فتحت الباب، وقفت امامهما وكأنها نمر يريد الانقضاض على فريسته صرخت بهم:
- مخادعون ، حياتي معكم كانت غشا وخداعا (نظرت إلى امها الجاثية على ركبتيها بجانب السرير ووجهت اليها كلماتها) انا لستُ ابنتك لماذا؟ انت سيئة وظالمة، لو كنت اعلم ذلك لقتلتك لانك زوجة اب لا ام، انت لست امي، لست امي.
جرت مبتعدة، دخلت غرفتها، اغلقت الباب واسندت رأسها عليه واخذت تبكي بحرقة وألم وبصوت مرتفع، كانت تنتحب وتصرخ (انها ليست امي ليست امي)
مضت الساعات طويلة ومملة، سمعت طرقاً على الباب، لم تحاول ان تجيب ازداد الطرق واصبح اشد قوة وسمعت صوت اختها يناديها:
-ارجوك افتحي الباب اريد ان اتحدث اليك.
- لا اريد احداً ، اذهبي الى امك انها امك انت، وحدك فقط.
وأجهشت في بكاء مرير.
-اسمعيني إنها امنا معاً، انا اختك وهي امنا، لاتكوني ظالمة كانت تحبك اكثر منا لدرجة انني كنت اغار منك دوماً واحس بالتفرقة التي جعلتني اتمنى انها ليست امي.
صرخت بها
-ابتعدي، اذهبي، لاتحاولي التحدث إلي.
سمعت خطواتها مبتعدة، بعد لحظات سمعت طرقاً على الباب وصوت ابيها يناديها.
-ابنتي افتحي الباب
-لا اريد، دعني وحدي ارجوك، اريد ان ابقى وحدي.
- لا استطيع، ارجوك يابنتي، لا استطيع النوم قبل ان احدثك فهل يرضيك ان انام عند باب غرفتك.
وقفت مترنحة، فتحت الباب، دخل الاب واغلق الباب خلفة، اتجهت الى سريرها، جلست فوقة، جلس بجانبها، مد يده ومسح بها على رأسها ومن ثم شدها اليه واحتضنهاوضعت رأسها على صدره وقالت متسائلة:
-من قتل أمي.
-لم يقتلها احد.
-كيف ماتت؟
- بعد ولادتك بيومين اصيبت بحمى نفاس وتوفيت، حملتك الى زوجتي الاولى فربتك، احبتك كما لو انك ابنتها ولم تشأ ان اخبرك انها ليست امك، ارجوك يابنتي لا تلومينا على ذلك حاولنا اسعادك دوماً وتربيتك بحب وحنان.
وضع يده على جبينة وانزل رأسه الى اسفل، نظرت اليه وهالها ما رأت ولأول مرة ترى أباها بدقة، لأول مرة تدقق في وجهه وعنقه، وتلاحظ ان لحيته غزاها الشيب وشعرة ايضاً.
التجاعيد ملأت وجهه، كان امامها دوماً لم تدرك انه اصبح كبيراً وان السنوات وضعت خطوطها على جسده.
-انها الان مريضة في فراشها وتريدك، لقد ارتفع ضغطها خوفاً من ان تكرهيها، ارجوك ابنتي اذهبي اليها الجميع بجانبها.
-لا اريد، ارجوك دعني وحدي.
طبع قبلة على وجنتيها ورأسها وغادر الغرفة، جلست وحيدة تنظر حولها وتحس انها في حلم، حلم طويل طويل جداً بلانهاية كانت الساعات تمر ببطء والنوم لم يلق سبيلاً الى جفنيها.
سمعت صوتاً منادياً (الله اكبر الله اكبر) رفعت رأسها اذان الفجر.
***
على سجادة الصلاة كانت تصلي وتتمنى ان تظل تصلي وتصلي كي لاتفكر بشيء غير الله والصلاة, رفعت يديها الى اعلى وحاولت ان تدعو لم تستطع الكلمات ان تخرج من بين شفتيها، سقطت دموعها على وجنتيها اغمضت عينيها وتراءت لها صورة امها وهي تبكي.
-امي، امي.
تذكرت كيف كانت تسهر عند رأسها في مرضها وانها لم تكن ترضى ان تنام بعيدة عنها احست بلمساتها على جبينها وكأنها الان، تلك اليدان الحانيتان وتلك القبلات التي كانت تطبعها على جبينها وشعرها ويديها، كانت قبلات صادقة وقادرة على انزال درجة حرارتها المرتفعة، كانت اعظم من اية ادوية او وصفات طبية، تذكرت كيف كانت تنتظرها عند باب المنزل عندما تتأخر في المدرسة وتستقبلها بعيون سعيدة برؤيتها فاتحة ذراعها لاحتضانها.
لم تضربها يوماً بالرغم من ادعائها انها كانت تفعل ذلك وذلك رغبة منها بأخذ جرعات من حنان والدها.
وقفت واتجهت الى الباب فتحته وسارت ببطء الى غرفة امها وأبيها، طرقت الباب وفتحته لقد ذهب والدها لأداء صلاة الفجر.
دخلت واغلقت الباب خلفها، رفعت رأسها ونظرت الى المرأة المستلقية في السرير.
كانت الدموع تترقرق في عينيها، حاولت التكلم فلم تستطع ومن ثم ادرات رأسها الى الناحية الاخرى.
ركضت اليها وارتمت عند قدميها باكية.
-امي، انت امي، لايمكن ان اصدق انك لست امي الحقيقية، كل مامنحتني اياه من حنان وحب لايمكن ان تمنحني اياه زوجة اب، لا، لا اريد ان اصدق انك لست اماً لي.
ومن ثم حولت نظرها اليها، مدت امها يدها تريد منها ان تقترب منها، ارتمت على صدرها واخذت تبكي.
-امي سامحيني ارجوك لم اقصد ايذاءك ابداً، ابداً.
-انت ابنتي انا، ولن اسمح لك ان تكرهيني، انا امك احببتك وكأنك ابنتي، كنت طفلة صغيرة انا من ارضعك ورباك، وعندما بدأت في الحبو كنت اجري خلفك خوفاً من ان يصيبك مكروه وعندما كنت تتعثرين بخطواتك الاولى كان قلبي يخفق خوفاً من أن تقعي.
ويداي كانت دوماً تحتويك واسير خلفك لاداريك، وعندما نطقت كلمة ماما كان قلبي يتراقص بين اضلعي، انا امك واحبك.
-امي احبك رغم انني كنت سيئة دائماً معك، كنت انانية، سامحيني امي.
-لست غاضبة منك صدقيني فقلب الام لايعرف الكره والغضب على اطفاله.
-لقد غضبت منك لانني عرفت انك لست امي، ولانني اريد ان تكوني واريد حبك هاجمتك بقوة ظناً مني انني بهذا استطيع ان اتغلب على شعور فقدانك.
-ابنتي لماذا تفقدينني؟ انت تريدين ان اكون امك وانا اريد ذلك ، لم اتذكر يوما في امومتي معك انك لست ابنتي، ابداً كنت احبك دوماً وبصدق.
-سامحيني، انت امي الحقيقية وحتى لو لم تنجبيني، انا لم اعرف امي التي انجبتني، انا اعرفك انت واحبك انت، انت فقط، لا اريد اماً اخرى لانني لم ارها ولن اراها، اريدك انت.
دفنت رأسها في صدر امها وقالت:
-احبك امي واعدك بأن اتغير، ان اغير تصرفاتي واصبح ابنة اخرى، اعدك امي.
- لاتعدي بشيء فأنا لا انتظر وعوداً، انتظر منك قبلة الصباح وقبلة المساء، انتظر ان تناديني امي، وان تعامليني بطبيعتك المرحة الغاضبة ايضاً وبعفوية كماكنت دوماً هذا جل ما اطمح إليه في هذه الحياة منك.
-امي احبك.
تعانقتا ونامت على صدر امها، على هذا الصدر المعطي دوماً والقادر على ضم ضعفها وهمها،
نامت تحت تلك اللمسات الحانية المليئة بحنان وأمن كل الارض بالنسبة لها مستمعة لنبضات قلب كبير قادر على احتوائها ومنبع حنان لاينضب، انه نبع غزير من حنان اعظم قلب وأطهر نفس.
فضية محمد العنزي- هاربة
**رغم ما تتميز به صديقة الصفحة فضية العنزي من حساسية مرهفة تجيد عبرها التقاط المشاعر وتصويرها بشكل نابض فإنها مع ذلك فنياً تحتاج الى معرفة الحدود المميزة للقصة القصيرة نكاد نشعر معها في هذه القصة انها انما تروي لناحكاية فلم عربي لكنه في الوقت الذي تتسع فيه مساحة الفلم الى كل هذه الاحداث وتساعد عليها ادوات السينما المعروفة فإن ادوات الكتابة وفي اطار زمني محدود للقصة لاتطيع حرية الانسياب من زمن الى آخر ومن حادثة الى اخرى فيما يتمم رواية كاملة كتلك التي تعالجها السينما.
تريد ان تقول فضية العنزي انه ليس بالضرورة ان تكون علاقة الابنة بالام هي ماتربط بين ابنة والمرأة التي ولدتها، فكثيرمن النساء تتميز بطاقة هائلة من الحنان وبأخلاق انسانية نبيلة وكريمة تجعل منها اماً مثالية لمن لم تلد، وتريد الكاتبة ايضاً ان توجعنا بعذاب الضمير الذي يحز في البنت حين ادركت انها اطمأنت الىحقها في التدليل من قبل الام قد مارست نوعاً من القسوة على امها وحين علمت انها ليست الام التي ولدتها ادركت الى اي مدى قد قابلت الحسنى بجحود، وربما هذا هو مافجر فيها مع نهاية القصة ذلك الادراك -وبيقين- الى جدارة الام التي لم تلد بأن تقبل قدميها, فضية العنزي تملك لغة جيدة وحساً مرهفاً يزكيانها الى كتابة قصة جيدة، حين تستطيع ان تتخلص من تدخلاتها كما نلحظ في هذه القصة فالجزء الاخير من القصة يكشف عن هذا التدخل بوضوح،وعندما تنتبه الى تكثيف الزمن الفني للقصة فقد كان باستطاعتها ان تروي هذه القصة كاملة من خلال لحظة اخرى للتذكر مثلاً وعندما تمارس نوعاً من الاختيار للحادث الاهم تجعل منه موضوعاً للقصة، وليس بالضرورة في القصة القصيرة جمع حشد من الاحداث يتبدد معها الاثر الانفعالي والقدرة على تحديد موقف ازاء حدث محدد, شكراً للصديقة فضية العنزي ونحن بانتظار اعمال اخرى لها