Tuesday 10th August, 1999 G No. 9812جريدة الجزيرة الثلاثاء 28 ,ربيع الثاني 1420 العدد 9812


عزيزتي الجزيرة
ظاهرتا الكسوف والخسوف
هل معرفة وقت حدوثهما يتعارض مع الفزع الوارد في الأحاديث النبوية؟

دأبت وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة على الاعلان عما تحسبه المراصد الفلكية في داخل المملكة وخارجها عن موعد كسوف الشمس وخسوف القمر، ويكون ذلك بالدقائق، بل بالثواني فتوهم بعضهم ان هذا من علم الغيب الامر الذي دعا طائفة من العلماء في عصرنا وفي العصور المتقدمة الى الاخذ بعدم اشاعة موعد الكسوف او الخسوف بين العامة قال ابوبكر بن العربي في احكام القرآن لما ساق رأي العلماء القائلين بتأديب من اخبر عن كسوف الشمس والقمر (اما ادبهم فلأنهم يدخلون الشك في العامة في تعليق العلم بالغيب المستأنف، ولا يدرون قدر الفرق بين هذا يعني تحديد وقت الكسوف وغيره فتشوش عقائدهم في الدين، وتتزلزل قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يسروا ذلك اذا عرفوه ولا يعلنوا به).
فإذا انتفى هذا التوهم بادراك الناس ان الفلكيين قديماً وحديثا يحددون وقت الكسوف والخسوف بطرق حسابية بحته، بحيث لا يبقى شك في ربط ذلك بالغيب فإن شيئا آخر في هذه المسألة يشكل على كثيرين سواء من العامة او من المتعلمين، ويوقعهم في بلبلة وحيرة، وهو قولهم اذا اصبحنا الآن نعرف سبب الكسوف، وكذلك بدايته ونهايته فلم الخوف منه اذن، ومن ثم الفزع الى الصلاة؟ حتى قال احد المهتمين بشئون الفلك (كان حدوث الخسوف والكسوف يسبب زعراً وخوفاً للانسان في العصور القديمة، ولكن هذه المخاوف قد زالت بعد فهم طبيعة نظام المجموعة الشمسية وحركات كواكبها، وتحديد اوقات الكسوف والخسوف لمئات السنين القادمة), وقد حكى ابن حجر في فتح الباري ان اهل الهينة (الفلك) في سالف الدهر اثاروا قريبا من هذا الكلام, ولقد ترتب على هذا الفهم شيء من الشك عند البعض في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على خوفه الشديد عند كسوف الشمس، وفزعه الى الصلاة، فتبلدت احاسيسهم، فلم يعودوا يلقون بالاً لصلاة الكسوف او الخسوف، وإن ذهبوا اليها ذهبوا متثاقلين، او قل مطمئنين غير فزعين, وقد رد احدهم على سؤال وجه اليه حول صلاة الكسوف بقوله (أما صلاة الكسوف فليست لخوفنا منه، ولا نصلي لمجرد ان يكشفه عنا، لا بل ان لكل عبادة وقتاً حدده الله لها),ولدفع ما ساور بعض القلوب من حيرة وتوهم وشك في هذه المسألة نتناولها في نقاط ثلاث: 1- أحاديث دالة على فزعه صلى الله عليه وسلم عند الكسوف:
عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد) رواه البخاري.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فزعاً يجر ثوبه حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلي حتى انجلت,, الحديث), رواه احمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان, وعن ابي موسى رضي الله عنه قال خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً يخشى ان تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله وقال هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت احد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فانزعوا الى ذكره ودعائه واستغفاره) رواه البخاري ومسلم,في هذا الحديث الاخير وقف ابن حجر عند قوله صلى الله عليه وسلم: (يخشى ان تكون الساعة) فأورد أقوالاً: ثم قال (فلعله خشي ان يكون الكسوف مقدمة لبعض الاشراط (أي اشراط الساعة) كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل ان يتخلل بين الكسوف والطلوع المذكور اشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها اثر بعض مع استحضار قوله تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب).
2- معرفة الكسوف والخسوف قديماً وحديثاً:
إن معرفة سبب الكسوف والخسوف ليس جديدا في هذا العصر بل كان معروفاً عند علماء الفلك من قديم، فقد ذكره القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات), فقال: ان سبب كسوف الشمس (كون القمر حائلا بين الشمس وبين أبصارنا) وقال عن خسوف القمر سببه توسط الأرض بينه وبين الشمس).
ولقد كان فريق من العلماء يعترفون بتحديد الفلكيين لوقت حدوثه قال ابوبكر بن العربي عن جماعة من العلماء (إنه أمر يدرك بالحساب، وتقدير المنازل حسبما اخبر الله سبحانه في قوله جل وعلا (والقمر قدرناه منازل) وذكر شيخ الاسلام ابن تيمية ان للكسوف وقتاً محدداً يكون فيه، ثم قال (حيث لا يكون كسوف الشمس إلا في آخر الشهر ليلة السرار ولا يكون خسوف القمر الا في وسط الشهر وليالي الابدار، ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة او العامة فلعدم علمه بالحساب، ولهذا يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل، كما يمكن بما مضى من الاهلة وما يستقبل، اذ كل ذلك بحساب كما قال تعالى: (جعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً),ونخلص من هذا ان معرفة الكسوف مثل معرفتنا وقت غروب الشمس او طلوعها، فلا فرق بين معرفتنا موعد غروبها في هذا اليوم بعد عشر سنين وبين معرفتنا موعد كسوفها، لان الله اتقن كل شيء خلقه، وجعل للكون سنناً ثابتة.
3- هل معرفة وقت الكسوف والخسوف يتعارض مع ما بدا على الرسول صلى الله عليه وسلم من الفزع؟
خلط بعض الناس بين الاعتقاد بأن الكسوف والخسوف ما يقعان الا لحدث معين بمعنى انهما انعكاس لحوادث معينة تقع على الأرض وبين ما قد ينجم عن الكسوف والخسوف من حوادث يجريها الله تعالى في الأرض, وفرق بين الحالتين, تأمل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه ( ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهم عباده، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته,,), قال شيخ الاسلام ابن تيمية (التخويف إنما يكون بوجود سبب الخوف، فعلم ان كسوفها قد يكون سبباً لأمر مخوف, وقوله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته رد لما توهمه بعض الناس ان الشمس خسفت يوم موت ابراهيم، فاعتقد بعض الناس أنها خسفت من اجل موته تعظيماً لموته، وإن موته سبب خسوفها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه لا تنخسف لاجل أنه مات أحد او لأجل أحي أحد),ونتساءل الآن هل معرفة سبب الكسوف أو الخسوف حسبما يشرحه الفلكيون وكذلك معرفة وقت حدوثهما بدقة ينافي ان يكونا سبباً لعذاب أو حوادث معينة؟ كلا, قال ابن دقيق العيد: (وقد ذكر اصحاب الحساب لكسوف الشمس والقمر أسباباً عادية وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافي قوله عليه الصلاة والسلام (يخوف الله بهما عباده) وهذا الاعتقاد فاسد، لان لله تعالى أفعالاً على حسب الأسباب العادية، وأفعالاً خارجة عن تلك الاسباب,,) (,,, فأصحاب المراقبة لله تعالى ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعموم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن اسبابها - إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى ما شاء، وذلك لا يمنع ان يكون ثمة أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية ان تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجوداً في العادة, والمقصود بهذا الكلام ان تعلم أن ما ذكره أهل الحساب من سبب الكسوف لاينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى),اما فيما يتعلق بمعرفة وقت الكسوف فيقول ابن تيمية (فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم ينافِ ذلك ان يكون عند أجله يجعله الله سبباً لما يقضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت أولغيره ممن يُنزل الله به ذلك كما ان تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة كقوم عاد كانت في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء كما ذكر ذلك أهل التفسير وقصص الأنبياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا رأى مخيلة - وهو السحاب الذي يُخال فهي المطر - أقبل وأدبر، وتغير وجهه, فقالت له عائشة: إن الناس اذا رأوا مخيلة استبشروا, فقال يا عائشة وما يؤمنني؟ قد رأى قوم عاد العذاب عارضاً مستقبل أوديتهم فقالوا: هذا عارض ممطرنا قال الله تعالى: (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب آليم), وقال أيضاً ابن تيمية في موضوع آخر (وكذلك الشمس والقمر هما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، كما قال الله (ما نرسل بالآيات الا تخويفاً) فعلم ان هذه الآيات السماوية قد تكون سبب عذاب، ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم عند وجود سبب الخوف ما يدفعه من الأعمال الصالحة، فأمر لصلاة الكسوف - الصلاة الطويلة - وأمر بالعتق والصدقة، وأمر بالدعاء والاستغفار، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ان البلاء والدعاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض) فالدعاء ونحوه يدفع البلاء النازل من السماء.
وتفسير ابن تيمية وابن دقيق العيد - رحمهما الله - للتخويف الوارد في الحديث قرره حديثاً بعض المتخصصين بعلوم الأرض, ففي حديثه عن أسباب الزلازل ذكر الدكتور أحمد فؤاد باشا في كتابه (فصل المقال في ظاهره الزلزال) قال ان منا (حدوث انقلابات فلكية في الفضاء تذيع من اقتران كواكب المجموعة الشمسية، وما يتبع هذا من تغييرات في كمية الجذب على الأرض) ومن المعلوم لدى الفلكيين القدامى والمحدثين ان الكسوف والخسوف يحدثان عن وقوع القمر والشمس والأرض في خط واحد، وقد فسر فلكيون حصول الزلزال في اليمن قبل سنوات معدودات بأن سببه - بعد ارادة الله تعالى - تعامد كواكب في المجموعة الشمسية, وبمناسبة كسوف الشمس عام 1413ه على مناطق من العالم ذكر الدكتور محمد فهيم محمود رئيس مرصد حلوان الاسبق في جريدة الشرق الاوسط (6/12/1992م) بعض ما قد يترتب على كسوفها من ظواهر ارضية (حيث تتذبذب درجات الحرارة على سطح الأرض، وتسبب - أيضا - في ضعف الاشعاع الكهرومغناطيسي مما ينتج عنه انقطاع مؤقت في الاتصالات اللاسلكية ذات الموجات القصيرة بخلاف مايترتب على ذلك من تأثيرات على القشرة الأرضية، وما قد ينتج عنه من زلازل وهزات أرضية تقع هنا وهناك من مناطق مختلفة من العالم).
وصفوة القول أن معرفتنا بسبب الكسوف والخسوف وكذلك بزمن حدوثه على وجه الدقة لا يتعارض مع احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المؤكدة لفزعه وخوفه عند حدوث الكسوف على عهده، ففعله وقوله في شأن الكسوف يتوافق والدراسات الحديثة التي تربط بين الكسوف والخسوف واحتمال حدوث ظواهر جيولوجية تؤثر على الأرض.
د, محمد بن إبراهيم أبا الخيل
الاستاذ المساعد بكلية العلوم العربية والاجتماعية بالقصيم

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved