لقد اطلعت على ما كتبه الاستاذ عبدالله الغزي في صفحة مدارات شعبية الصادرة يوم الاربعاء غرة ربيع الآخر تحت عنوان: بين الاصالة والحداثة في شعرنا العامي ونظراً لظروف سفري تأخر كثيراً هذا التعقيب الماثل امامكم.
ولقد اثارني المحرر بعبارته التي يبرر بها نشره لهذا الموضوع مستدعياً الآراء ووجهات النظر المختلفة,, وذلك عندما قال عن الموضوع انه قد يساهم في وضع النقاط على الحروف,, مع عدم وجود الحروف أصلاً,, الله ظلالها,, وسحنتها العامية.
وقبل الدخول في كشف مواقع الاضطراب، ومواضع ضبابية الرؤيا,, أود أن اكشف عن اعتقادي بان هناك ازمة فهم للمصطلحات,, وإلا لما كان ذلك المقال أصلاً,, فماذا يعني مصطلح الأصالة؟ وماذا يعني مصطلح الحداثة؟ وماذا يعني مصطلح تقليدي الذي أورده الكاتب في مقاله كمعنى مرادف للأصالة؟!
الا يمكن مثلاً أن يكون هناك شاعر عامي حداثي وأصيل بنفس الوقت؟
وهل الأصالة والحداثة من المصطلحات التي لا تتلاقى في أي موضع؟ وأخيراً أليس بالامكان الاتصاف بهما معاً في وقت واحد؟
أنا اشك بمعرفة الكاتب عما يكتب,, فهو يمجد الأصالة ولا مجال للخلاف معه في ذلك,, ولكنه يذم الحداثة ولا يستثني منها الا النوع الذي يقتصر على التجديد للمفردة أي المضمون عموماً دون المساس بالوزن والقافية أي الشكل ,, ويجعل الحداثة على النقيض من الاصالة، حتى ان ما بين السطور يوحي الى عدم وجود شاعر عامي حداثي يكون أصيلاً على الاطلاق.
فكيف يقال ذلك والشواهد اكثر من ان تحصى,, وما ذلك إلا اطلاق للاحكام على عواهنها دون تقصٍ وتدبر.
فالكاتب ينبه في البداية - بعد حديث مطول عن الأصالة- إلى إلزامية المحافظة على قوالب الشعر العامي وأساليب كتابته للاحتفاظ بالخصوصية داخل المجتمع العربي الكبير,, وهنا نشم رائحة ادراك غير كامل وغير واضح المعالم للواقع المنشود,, فليس هناك في الحقيقة ما يدعو للخوف من ذوبان الخصوصية في الآخر,, فالخصوصية لا خطر عليها,, حتى ممن يكتب بلهجة أخرى غير لهجته,, فذلك لا يضر خصوصيتنا شيئاً,, إنماهو ينقل هذا العضو المقلد بذاته إلى خصوصية أخرى داخلة تحت مظلة اللغة الأم لأن من تشبه بقوم فهو منهم ,, ولكن يجب ان نعلم انه عندما يكتب أي كاتب بغير ما يترجم احاسيسه وانفعالاته فعلاً وبغير ما ينقلها لادراك السامع بصدق,, فإنه يفقد الأصالة.
وبعد ذلك يقول الكاتب ان: الأصالة هي بنفسها اثبات لنفسها ,, ونحن نقول ان كل شيء في الوجود كذلك، بما في ذلك الحداثة,, ولا تفوتنا ملاحظة ان في هذه الفقرة عموماً غموضا,, فاعتقد ان العمى في هذه الجملة قد أتى من العك الاسلوبي المخل بالمعنى.
ثم يعرج الكاتب الى الظلم الفادح بمجرد التفكير بعقد مقارنة بين الاصالة والحداثة في موروثنا العامي,, وذلك خطأ في التصور وتداخل في المفاهيم، والحقيقة ان لكل منهما قيمته عند وضعه في موضعه الصحيح، وأن لكل منهما نصيبه من الجمال والمتعة الفنية، فلا تصح مثلاً المقارنة بين جودة عمل السيارة وبين نظافتها,, فلكل منهما قيمته وكماليته للآخر.
وبعد ذلك اتى الكاتب بجملة اعتقد انها بؤرة الاضطراب,, ومنبع الضباب، وهي قوله عن مجرد التفكير بعقد المقارنة بينهما: ,,, وبهذا نكون قد قطعنا الصلة بين شعرنا العامي وشعرنا الفصيح وما الأخير إلا امتدادا للأول حال فساد اللسان فالأخير الذي يعنيه الكاتب هو الفصيح والأول هو العامي وهذا عكس الحقيقة التي لايجحدها ذو فكر,, والتي تنطق بان العامي هو الامتداد للفصيح عندما فسد اللسان العربي وليس العكس.
فبالله عليك,, ايهما امتداد الآخر عندما فسد اللسان,, فالفصيح لن يكون بأي حال من الأحوال امتداداً من منبع فساد لأن الفساد يكون امتداده فساداً مثله,, ولن تجني من الشوك العنب.
وتحت ضبابية الرؤيا عند الكاتب يدخل قوله: فأصحاب الحداثة في شعرنا العامي يسلكون طريق الحداثة ويتخذونه منهجاً في كتاباتهم (المسماة الشعر الحديث في الشعر العامي الأصيل) - وهو بريء منه - وذلك لعدم مقدرتهم على الابحار في قالب شعرنا العامي الأصيل,, وفحوى هذا الكالم ان الحداثة ممكنة في الشعر العامي ولكن العيب يكمن في عدم مقدرة الشعراء على الابحار,, اي انه إذا اتى من لديه القدرة الفنية على الابحار في الشعر العامي باسلوب حداثي ينطق بأصالة حقيقية فذلك ممكن,, وهنا يناقض الكاتب نفسه,, لانه أصلاً لا يقر اقتران الأصالة والحداثة في العمل الواحد,, وهنا نراه يجعل امكانية حدوث اقترانهما ممكنة عندما يوجد الشاعر المتمكن الأصيل,, وإن كنا نرى أن اللبس هنا حدث من توهم الكاتب بأن التقليدي هو الأصيل حيث يجعلهما بمعنى واحد، وهذا قصور في فهم دلالات الألفاظ والمصطلحات.
ومما جاء في الموضوع قول الكاتب: فجاء في تعريف الاصالة في ثقافتنا العربية العامية ليحمل بين طياته ما معناه أنها المحافظة على قيمنا وموروثاتنا العربية العامية الأصيلة التي تضفي علينا طابع الخصوصية,, ونحن نقول أيضاً ان ثقافتنا العربية العامية كما تحمل بين طياتها المحافظة على الأصل فهي ايضاً تحمل بين طياتها صفة التعدد في الفروع والأغصان والثمر الذي هو امتداد للأصل ونتاج طبيعي عنه، وما الحداثة إلا ثمرة من ثمرات ذلك الأصل عندما نما وترعرع واشتد وأصبح قادراً على حمل الثمار اليانعة كالحداثة التي لم يستطع حملها عندما لم يشتد ساقه ولم تتغلغل عروقه في الثرى.
ومن الخطأ عند الكاتب -من وجهة نظري- وصفه للاصالة بأنها قمة الهرم بينما الحداثة هي المعول الهدام لهذا الهرم,, والصحيح ان الاصالة هي اساس الهرم وجوهره والروح المتغلغلة في كل ذرة من ذراته لتمده باسباب الخلود مع الزمن، بينما الحداثة هي قمته التي صبغتها الأصالة بلونها.
وأفضت عليها برائحتها، وميزتها ببصمة اصبعها,, اي هي قمته التي اوجدها قانون التطور الطبيعي لتكون شاهداً على عدم الجمود لمن يمتلك روحاً بين جوانحه,, ولتفسح المجال للقادم الآتي من قفزات التطور ليحتل موقعه الطبيعي.
فلو أن الكاتب مثلاً جعل الحديث عن الشعر التقليدي والشعر الحداثي لما عاب عليه احد بذلك,, لان بينهما تناقضا وأسباباً لعدم الالتقاء.
فقد غاب عن الكاتب ان الاصالة قد توجد في الشعر الحداثي وقد توجد في الشعر التقليدي لأنها صفة الشعر الذي عبر به مبدعه عن احساسه بصدق وكما يحسه من خلال وجدانه فعندما يبدع الشاعر الحداثي شعراً يعبر به عن عواطفه وانفعالاته كما يحسها بصدق وينقلها لنا كماهي في وجدانه، فتحدث فينا الأثر الفني المطلوب,, يكون شاعراً اصيلاً .
فموروث الأمة أساس,, والحداثة نتاج طبيعي لقانون التطور، ودليل لتفتق الموروث من داخله وفتحه لآفاق جديدة يطؤها بقدمه ليثبت تقدمه ونموه وحمله لمشعل الضوء في مسيرة التقدم,, والأصالة روح العمل وشرط الخلود.
ومن المواضع التي بها ضبابية في الرؤيا وصف الكاتب لمن يمتطي اسلوب الحداثة بدلاً من صهوة الشعر العامي بمن يركب الثور بعد الجواد ,.
ومن ركب الثور بعد الجواد انكر اضلافه والعببا,, ونسي بأن المركوب واحد,, وانه ليس هناك إلا الجواد ,, فمن ركبه بطريقة الركوب المألوفة فهو تقليدي أما من ركبه فأتى بأساليب جديدة في الجري,, أو في وضع القدمين على صهوته,, أو في طريقة التصرف بعنانه,, فهو حداثي .
وأما البيت الذي اورده الكاتب فانه ينطبق تماماً على من ركب العامية بعد ركوب اجداده الأوائل للفصيح ,, أي الذي عدل عن مركوبهم الجميل القوي الى مركوب ضعيف متخاذل,, فيكون بذلك الفصيح هو الجواد والعامي هو الثور وبذلك ينقشع الضباب,, ويعود الجو صحواً.
وأخيراً: سنوضح ما يعنيه مفهوم الحداثة بالتحديد,, وسنوضح انه لا يتنافى مع الاصالة ,, وذلك في مقال نأمل أن يكون قريباً.
نيف الذكري