منذ ان رحل ابو علي القالي بكتب المشارقة الى الاندلس والتنافس على اشده بين المشرق العربي والأندلس.
وبما ان الفكر العربي الاسلامي جمّ ومتشعب فلن نخوض في غماره وسنتجه الى السباق بين المشرق والأندلس في تأليف القصص الادبية والفلسفية، ففي هذا المجال ظهرت (التوابع والزوابع) في الأندلس، وفي الوقت نفسه عرفت (رسالة الغفران) في المشرق، وقد اختلف في الكتابين ايهما اسبق الى يد القارىء، واي الكتابين تأثر بالآخر، والكتابان يسيران في طريق واحد، وهو الاعتماد على الخيال، فرسالة الغفران كتبت للرد على ابن القارح، الذي كتب رسالة الى أي العلاء المعري، اعتمد فيها على الخيال فرد عليه ابو العلاء برسالة طويلة هي رسالة الغفران، وقد اعتمدت رسالة الغفران على الدعوة من ابي العلاء بأن تغرس لابن القارح شجرة كبيرة في الجنة، ثم اخذ ابو العلاء يصف شجرة الجنة هذه وما حولها ومن سكن بقربها من الشعراء، وقد استرسل في سؤال الشعراء عن سبب المغفرة لهم فيسأل الأعشى عن سبب المغفرة فيقول الأعشى: القصيدة التي مدحت بها الرسول، فالرسالة مبنية على الغفران للشعراء وسببه, ورسالة التوابع والزوابع بنيت على الرحلة الى ارض التوابع ،اي توابع الشعراء والكتاب، ووسيلة ابن شهيد في تلك الرحلة جواد تابعه زهير بن نمير، فقد ركبا ذلك الجواد وطار بهما الى ارض التوابع وعندما وصلا الى ارض التوابع اخذ ابن شهيد يعرض انماطاً من كتابته على توابع الكتاب والشعراء، ومما عرضه عليهم انماط من كتابته التي حواها كتابه (التوابع والزوابع) وعرف بعد ذلك كتاب (طوق الحمامة في الألفة والآلاف) لابن حزم في الأندلس، وهو اول كتاب يعرض فن الحب وحديث العشق والهيام في بسط وتفصيل وتعليل، وربط المادة بعقيدة المسلم فهو يورد الاحاديث والآثار، ويتميز الكتاب بأسلوبه الأدبي فهو انموذج للتأليف في هذا الباب في القرن الخامس الهجري، وقد عرف الكتاب في الأندلس والمشرق، قبل اشتهار كتاب (الف ليلة وليلة) في المشرق، فاذا كان كتاب ابن شهيد قد تقدم على كتاب ابي العلاء (في الغالب) فان (طوق الحمامة) قد تقدم على (الف ليلة وليلة) ويقال ان كتاب الف ليلة وليلة معروف منذ القرن الرابع الهجري ولكن التغيير والتبديل والزيادة صحبته عبر القرون حتى ثبت في صورته الآنية في العصور المتأخرة وكتاب الف ليلة وليلة قصص ضم بعضها الى بعض وتحتل قصص الحب والغرام جل الكتاب مما يدفعني الى القول بأن الكتاب في صورته الايوبية وجه للمشرق تجاه الأندلس في هذا النوع من التأليف وان قيل في اصله ما قيل وتأتي قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل الأندلسي معلنة تقدم الأندلس في هذا الفن القصصي الفلسفي في القرن السادس الهجري اذ لا نجد قصة مشرقية منافسة في هذا المجال, وهذه القصة تمثل تطور الوجود عن طريق ملحوظات بطلها (حي) الذي تخلى عنه والده (يقظان) فرمى به اليم في جزيرة نائية وكانت المصادفة ان ارضعته ظبية فقدت ولدها فأخذ حي بعد كبره يكتشف ما حوله من نار وصيد وتذوق مما جعل ابن طفيل ينتظم تاريخ الوجود وحياة الانسان الاول عن طريق حياة بطل قصته حي بن يقظان وفيما اظن ان ابن خلدون استفاد كثيراً من هذه القصة فيما كتبه عن العمران وفلسفة التاريخ في كتابه المشهور، اعود الى القول بأن قصة حي بن يقظان انفرد بها الأندلس.
د, عبد العزيز بن محمد الفيصل