Saturday 14th August, 1999 G No. 9816جريدة الجزيرة السبت 3 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9816


العولمة وإمبراطورية المال
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري

نقل الأستاذ محمود شيحة قول سوزان سترانج إزاء تبنيها لوجهة نظر الكاتب جون ستو بفورد عن تيار العولمة، وإفرازه ديبلوماسية جديدة تتحرك في إطار العلاقة بين الشركات العالمية الكبيرة والدولة؛ بحيث تكون النتيجة تآكل الدولة: إن تطور العولمة وحركياتها سيؤدي إلى تقليص دور الدولة في مجال الدفاع والأمن؛ لأن النشاط الاقتصادي لن يسمح للدول بأن تعود إلى موضوع الاعتداء والاحتلال واجتياز الحدود بالقوة، ولن تصبح الحرب حينئذ ضرورية لحل المشكلات (1) .
قال أبو عبدالرحمن: إذن العولمة الحقيقية - بمفهوم الهيمنة - سيكون للقلة التي بيدها المال، وهي قلة يصفها شاهد عيان في ملتقى سان فرانسسكو بأنها خفية,, جاء عن مجتمع الخُمس الثري المقابل لأربعة أخماس العالم الفقراء نقلاً عن فخ العولمة ما يلي: سمح لثلاثة صحفيين فقط بحضور جميع أعمال لجان ملتقى سان فرانسسكو في الفترة الواقعة بين 27 سبتمبر (أيلول) و1 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1995م,, وكان هانس بيتر مارتين - أحد مؤلفي كتاب فخ العولمة - احد هؤلاء الثلاثة,, وقد شهد فندق فيرمونت أحداثاً عالمية جساماً عندما اجتمع فيه خمس مئة (2) من قادة العالم في مجالات السياسة والمال والاقتصاد، وكذلك علماء من كل القارات,, وقد اختير هذا الجمع بعناية شديدة والذي (3) وصفه آخر رئيس للاتحاد السوفيتي وحامل جائزة نوبل ميخائيل جورباتشوف بأنه: ما هو إلا هيئة خبراء جديدة ,, ولما ذكر مكيدة التخطيط ل80% عاطلين عن العمل فقراء قال: إن من أهم واجبات قادة العالم الإصلاح والتنظيم من وجهة نظر أخلاقية سامية؛ لأن التشابك السريع سيتحول إلى انهيار ذي طابع عالمي في الوقت الذي يكون فيه الفقراء لم يفقدوا فيه ما فقده الاثرياء!! (4) .
ويقول مؤلفا فخ العولمة عن امبراطورية المال وخطرها: وعلى الرغم من أن نذر قيام حرب عالمية ثالثة مدمرة قد ضعف بعد انتهاء الحرب الباردة: فإن الخطر الذي تفرزه الرأسمالية المعولمة من جراء هذا التطور الفوضوي في البورصات والأسواق النقدية العالمية يعد أشد خطراً إذا ما حدث انهيار اقتصادي عالمي بسبب ضعف وهشاشة ضوابط الرأسمالية؛ مما يؤدي إلى الانكفاء على الذات، وحماية الأسواق الوطنية (5) .
وعن الضغوط الخفية قال المؤلفان خلال الحديث عن صندوق النقد الدولي، والأسواق العالمية: مع وجود قوى خفية تعمل لمصلحتها ]يعني الدول الصناعية الكبرى[؛ مما دعا مدير صندوق النقد الدولي أن يشعر بأنه دمية تحركها أصابع لا يعرفها هو نفسه (6) .
قال الأستاذ محمود شيحة: ويذكر كتاب (فخ العولمة) عدة امثلة عن قوى في سوق المال تستطيع التحكم في رفاهية أمم ودول برمتها أو فقرها (7) .
وينقل فخ العولمة عن ميشيل كامديسو رئيس صندوق النقد الدولي - وهو همزة الوصل بين عالم السياسة وإمبراطورية سوق المال - : أن الوول ستريت وقادة صناديقه الاستثمارية هي المهيمنة، وأن العالم في قبضة هؤلاء الصبيان,, وأشهرهم ستيف ترنت في واشنطن,, هذا الرجل المضارب بمبالغ تصل إلى المليارات، ويبدو البيت الأبيض من نافذة مكتبه الفاخر العملاق كما لو كان لعبة أطفال صغيرة!!,, فمن هم هؤلاء اللاعبون الدوليون في مجالات السياسية والمال والإعلام والاقتصاد: أهم مسيرون دونما إرادة، أم هم جناة مع سبق الإصرار؟؟ (8) .
وهذه المقامرات في سياق الكيد للبشرية تتزامن مع التخفيض الإجباري في الموازنات الحكومية (9) - وهو وجه آخر لإذلال الشعوب وإفقارها.
قال أبو عبدالرحمن: أكثرت من النقل عن الأستاذ محمود شيحة؛ لأنه خير من لخص وأشبع الأفكار في كتاب فخ العولمة الذي طبع تسع مرات في عام واحد سنة 1996م أولها باللغة الألمانية (10) ، وهو الذي صدر معرباً عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت بترجمة الدكتور عدنان عباسي علي,, ومن العجيب أن الأستاذ عبدالله أبو راشد رد على الجهد الكبير لمحمود طه شيحة بمقالة بعنوان عولمة العالم الأرضي والكوني مهمة أمريكية كبرى - وذلك عنوان سيىء بلا ريب-؛ فغمط الأستاذ محموداً جهده بأسلوب إنشائي عائم، وانتهى إلى مسألتين:
أولاهما: مكابرته للأستاذ محمود في نفيه للتاريخ المشترك بين الأمة العربية والأوروبية باستدراكات غير واردة، وسيأتي لتفنيد ذلك مناسبة إن شاء الله.
وأخراهما: حول عولمة الثقافة,, وبحثه في هذه المسألة - بشعور منه -، او غير شعور - تأييد لمحمود لا رد عليه!! (11) ,.
ومع هذا فسأفيد من بحثه كلما وجدت عنده جديداً أو مفيداً ولاسيما أن له عناية بالعولمة؛ ففي مصادره كتاب من تأليفه، وهو العولمة في النظام العالمي والشرق أوسطية صدر عن دار الحوار باللاذقية عام 1998م.
قال أبو عبدالرحمن: من ترك التشبع بالطرح الأجنبي الهائل - بلغته، أو معرباً - مما هو في سياق التضليل للعالم في إشغاله بتفلسف جديد بعد أن كسدت الفلسفات، وتهيئته للاستراحة في الفخ، وإحباطه بأن كل ما تقضي به العولمة قدر كوني لا مفر منه، وانقسام المفكرين حول العولمة؛ ليكون مكسباً لدعاتها القسمُ الذي يسوغها ويفلسفها,, قل هذا القسم أو كثر,, من ترك هذه كله، وعف عن التمظهر بثقافة الغثيان: فلن يكون بعده إلا العقل الحصيف - والتبصر في المشاهدات والتجربة المعايشة عن عالم ذكي ماهر في تخصصه، وعن تراكم كمي وكيفي من المعرفة والإنتاج المادي الهائل ثم يجد هذا العالم يسير في سلوك - لا يدري أهو فيه مسير أم مخير -: من خضوع لقانون ترغم عليه الشعوب، ويسود فيه المنكر والقبح، ويقمع فيه المعروف من الخير والجمال والحق، ويستهلك عمر الفرد بتوافه المسليات، ويجد البخل المرذول في كل ما هو إنساني بإجماع الأديان والعقول، ويجد البذخ والسرف غير المعقول من ملايين الدولارات: في انتاج فيلم، أو استئجار لاعب كرة، أو قيمة لوحة تشكيلية,, ويجد عقوق الأبناء والأحفاد والأسباط لعجائز في الملاجىء مع التدليل (والنفقة الباذخة) لقطة أو كلب حلّا محل الترابط الأسري,, ويجد الحيف على الفطرة حتى لا يكون للفرد أي هم إلا كسب غذائه ومتعته، وأن يكون عبداً للأقساط لتأمين ضروراته إن كان جادا في حياته المادية التي لا تفكر في حياة أبدية بعد اللحد,, وربما ضعفت قواه؛ فصار عبد الشهوات المنهكة للروح والجسد؛ فيهلك بالإدمان، أو القلق والجنون، أو الانتحار.
وما يحصل ليس هو نزوة فرد في مجتمع نظيف,, وإنما القاعدة لا الاستثناء لدى شعوب العالم - باستثناء المجتمعات الإسلامية في الجملة - علنية ما هو ضد الدين والعقل والفطرة والسلوك، وسرية وانطواء من أراد سلوكاً مستقيماً,, وهذ السلوك الجماعي البهيمي لم يكن في الواقع عن تفكير حر؛ وإنما كان تنشئة إجبارية في البداية عند إلغاء الأديان ودعوات الإصلاح بالمال والإعلام والقانون وإرهاب العصابات الإجرامية السرية، وعفن الفلسفات التي تستهلك العمر؛ فتوالى النشأ على سيادة قانون وضعي بهيمي أعطي قدسية فوق قدسية الأديان، وعلى تربية تعليمية يسودها القانون ذاته وعلى إعلام يُحظر فيه أشد الحظر نداء مصلح,, بل كان الوعظ ظاهرة تخلف ورجعية، وعلى تنظيم أسري (أي تفكيك لنظام الله في الأسرة) يسوده القانون ذاته، وعلى إباحية صارخة ماثلة ينميها كل القدرات على الإغواء والترويح.
والقوى الخفية التي توجه السلوك الإباحي اللا ديني للشعوب مشهودة النتائج، ظاهرة الذيول,, ويجمعها كلها الهيمنة الصهيونية السياسية العلمانية التي لا يتجاهلها، ولا يقلل من شأنها إلا مغبون العقل,, وما أسلفته من كلمة مدير الصندوق الدولي عن قوى خفية شاهد من آلاف الشواهد.
ومن أراد مظهرية التشبع بثقافة الغثيان، وإثبات حضوره أمام مشاكل العصر بفلسفة العولمة على أنها أمر معقول، أو ظاهرة تاريخية حرة دون تدبيرات خفية ذات ضغوط جهنمية، فليتق الله في مسؤولية القلم، وليتذكر أن أول مؤتمر فعال للعولمة ينادي ببؤس العالم الثاني - إذ ألغت الدولة القطبية مفهوم العالم الثالث-,, يتمثل هذا البؤس في خنق الميزانيات الحكومية لشعوبه، ورفع مستوى البطالة، وبخس العاملين بانخفاض الأجور، وتوسيع الهوة بين الأثرياء والفقراء,, وليس في القانون الوضعي الذي يحكم العالم زكاة ولا صدقة ولا ضيافة ولا نفقة,, ونتيجة كل ذلك تدهور المعيشة وما ينتج عنه من إجرام وأمراض وعودة للجهل,, هذا على مستوى الشعوب,, أما على مستوى الحكومات فالتجرد من الأمن القومي كما مر ببيانه، وخضوع حكومات العالم لإمبراطورية المال الذي يملكه قلة من اليهود، وحماية الإمبراطورية بعصابات الإجرام السرية,, وبعد هذا الخراب العام يعلم يهود أنهم - رقعة، وعدداً - غير قادرين على حكم العالم، وإنما تمنيهم أنفسهم الغرور (بما ادعوه من كذب على الأديان): أن هذا الخراب العام هو الظرف الزماني الحتمي لظهور الملك الداوودي الذي يحكم العالم بديانة يهودية بمدد إلهي,, وقد أسلفت في حلقة مضت أن صريح الدين الصحيح ينفي هذا الزعم، وأن كسر شوكتهم وإجلاءهم من فلسطين سيكون قبل نزول المسيح الدجال الأعور لعنه الله، وقبل نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وأن أهل الكتاب الآخرين سيصغون لنداء العقل، وسيبطشون بأعداء البشرية الذين سرقوا منهم دينهم,, قال الله سبحانه وتعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ]سورة آل عمران/ 199[.
قال أبو عبدالرحمن: مدلول هذه الآية الكريمة عام الزمان والمكان إلى أن تقوم الساعة,, وهذه الصفة النبيلة ستكون في النصارى أكثر وأظهر، وقد يوجد من يهود مَن يفيىء إلى الحق,, وقلت بالأكثر والأظهر لقوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا,, ]سورة المائدة/ 82[ وبما بعدها من آيات,, وتأتي إن شاء الله مناسبة عن موقف المسلم والأوروبي من عولمة امبراطورية المال، والله المستعان
***
حواشي:
(1) مجلة الفيصل عدد 269 ص 19.
(2) لا أعلم مسوغاً لربط اسم باسم في الكتابة، وليست خمس مئة - وهي حقيقة عدد مضاعف خمس مرات - اسماً مثل الرأسمال,, ولا أعلم وجها لمد مئة هكذا ماءة ,, بل أحدث هذا لبساً؛ فكان بعضهم يقرؤها بالمد؛ فاجتمع في ذلك قبحان: الزيادة على النطق بدون مسوغ، والإلباس.
(3) الواو قبل الذي لحن أرعن,, والصواب: وقد وصفه، أو وهو الذي وصفه.
(4) الفيصل 271/ 121 - 122.
(5) المصدر السابق ص 121.
(6) المصدر السابق ص 123.
(7) المصدر السابق ص 123، وانظر ص 125 عن خطاب جورباتشوف في فندق الفير مونت في 29/9/1995م حول التمركز المالي العالمي في يد النخب القليلة التي تسكن أحياء مغلقة منذ أخذت نتائج العولمة تمزق النسيح الاجتماعي في البلدان التي لا تزال تنعم بالرفاهية.
(8) المصدر السابق ص 126.
(9) المصدر السابق ص 127.
(10) انظر المصدر السابق ص 120.
(11) انظر مجلة الفيصل 273/ 126 - 128.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
لقاء
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved