Saturday 14th August, 1999 G No. 9816جريدة الجزيرة السبت 3 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9816


أين أدبنا الضاحك؟
د, مصطفى رجب

المتتبع للإصدارات الأدبية الحديثة في العالم العربي يلاحظ ان هناك مساحة مهجورة في الابداع الشعري وبخاصة والأدبي بعامة هي تلك المساحة التي تعنى برسم الابتسامة على الشفاه وكأن الانسان العربي المشدود طوال يومه بنشرات الأخبار الساخنة والاحداث الدولية والاقليمية المتفجرة دوماً بالكآبة والكبت والعنف، كأن من العيب ان يتجه ادباؤنا الى هذا الانسان المكدود المشدود فيرفهوا عنه ويرسموا على وجهه ابتسامة ترطب حرارة هذا الانفعال الدائم الذي يعيشه ويعايشه.
ولعل أدباءنا انفسهم - بمنطق فاقد الشيء لا يعطيه - لم تعد لديهم القدرة على انتاج ادب فكه خفيف الظل بحكم انهم هم انفسهم غرقوا في متاهات النقد الوافد الذي ملأ جو الساحة الادبية غيوماً كثيفة فلم يعد النقد كشافاً كهربائياً يضيء للشاعر طريق الابداع ويهديه الى سواء الصراط بل اصبح النقد طلاسم تزيد المبدع كآبة على كآبة وترفع عنده معدلات امراض البيئة العربية العادية من ضغط الدم والسكر وفقدان الشهية وربما ما هو اسوأ من ذلك مما يسبب ذكره حرجاً!!.
وهذه الطلاسم النقدية التي يكتبها من يدعون حداثة النقد تجعل المبدعين ينفصلون لا عن نقادهم فقط بل وعن جمهورهم فهم يكتبون - فيما يزعمون - لأنفسهم ويتعاملون مع جمهورهم بتعال وكبرياء فيكتبون نصوصاً مغلقة لا بريق فيها ولا حس ولا موسيقى ولا روح.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يدعو الجمهور الى ان يقبل على ابداعات مظلمة كهذه؟ ان الذي يحدث بالفعل هو ان القارىء يضرب صفحاً عن هذه النصوص الميتة ويولي وجهه شطر صفحات الفن والرياضة بحثاً عن ابتسامة هنا او هناك تخفف عنه جهامة السياسة وثقل نشرات الأخبار.
إن العرب هم اولى الأمم بالضحك لكثر ما في بلادهم من المضحكات المبكيات، وقد حفلت كتب التراث القديم بنماذج هائلة من المواقف الفكهة الممتعة حقاً كما نرى في كتاب الابشيهي ]المستطرف من كل فن مستظرف[ ومعظم كتابات الجاحظ بل ان الجاحظ افرد كتاب البخلاء وبعض رسائله للفكاهة الهادفة حقا المتعة حقا في آن واحد.
وفي العصر المملوكي عرف تراثنا الأدبي شاعراً خطيراً في الفكاهة هو (ابن سودون) الذي كتب شعره بطريقة غريبة فهو ينظم المعاني الفارغة السطحية لتبدو وكأنها حكمة خالدة!!.
كما أرخ الجبرتي في تاريخه لرجل يدعو (عامر الأنبوطي) نظم الفية في الاطعمة على غرار الفية ابن مالك في النحو واللغة وذكر الجبرتي منها مطلع قوله في الفيته:
يقول عامر هو الأنبوطي
احمد ربي لست بالقنوط
واستعين في الفية
مقاصد الأكل بها محوية
فيها صنوف الأكل والمطاعم
لذت لكل جائع وهائم
على غرار قول ابن مالك:
قال محمد هو ابن مالك
احمد ربي الله خير مالك
واستعين الله في الفية
مقاصد النحو بها محوية
فاذا قال ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
واسم وفعل ثم حرف الكلم
قال الشيخ عامر:
طعامنا الضاني لذيذ للنهم
لحماً وسمناً ثم خبزاً فالتقم
وللشيخ عامر هذا معارضة فكاهية شهيرة للقصيدة القديمة المعروفة باسم لامية العجم للطغرائي ومطلعها:
اصالة الرأي صانتي من الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
فيقول الشيخ عامر معارضاً:
أناجر الضأن ترياق من العلل
وأصحن الرز فيها منتهى أملي
اريد اكلا نفيساً استعين به
على العبادات والمطلوب من عملي
والدهر يفجع قلبي من مطاعمه
بالعدس والكشك والبيصار والبصل
ويعارض لامية عمر بن الوردي الشهيرة (اجتنب ذكر الأغاني والغزل) فيقول:
اجتنب مطعوم عدس وبصل
في عشاء فهو للعقل خبل
واحتفل بالضأن ان كنت فتى
زاكي العقل ودع عنك الكسل
من كباب وضلوع قد زكت
اكلها ينفي عن القلب الوجل
ان هذا العصر تتزايد فيه ضغوط الحياة، وتختلط فيه لفحات السُّعار الانساني المتزايد نحو امتلاك وسائل الدمار والخراب وتتفاقم فيه المشكلات على مستوى العلاقات الانسانية الصغيرة بين الناس وعلى مستوى العلاقات الدولية, وكلما اخفقت الامم في خفض حدة التوتر او حل النزاعات المسلحة ازداد تشاؤم الناس ازاء حياتهم: حاضرها ومستقبلها فينبغي على ادبائنا ان يخففوا قليلاً من غلواء كبريائهم وينتجوا لنا أدباً فكهاً سهل الهضم.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
لقاء
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved