Saturday 14th August, 1999 G No. 9816جريدة الجزيرة السبت 3 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9816


الشاعر والناس
بقلم: أ,د, محمد بن سعد بن حسين

قرأ عليّ أحدهم أبياتاً، ثم قال لي: عندي سؤالان في هذه الأبيات أولهما: لمن هذه قلت: لا ادري، فضحك فظننته يهزأ بي، كيف لا أعرف القائل وانا احد اساتذة الأدب والنقد، فابتسمت وقلت: لا ضير، فديوان الشعر بحر، كما يقولون, فقال: أنا اعرف قائلها لكن لن اذكره حتى تجيبني على السؤال الثاني، قلت: هات، فقال: ألا ترى أن في هذه الأبيات شيئاً من غلو ومبالغة: قلت هذا متوقف على معرفة القائل والمقولة فيه، فضحك فقلت: مرة ثانية تضحك أما كفتك الضحكة الأولى قال: معذرة، لأن القائل أنت والمقولة فيه الشيخ عبد الله بن عبد الكريم المفلح، فكان الضاحك هذه المرة أنا,اضحك بنفسي على نفسي، وان كنت قد قلت في اكثر من مناسبة اني لا اهتم بحفظ شعري، وليس هذا بمفخرة، ولكنه واقع على أي حال.
لكن ما الذي جعلني اتخذ من هذا موضوع حديث؟.
- الواقع ان هذا ذكرني ما لم انسه وهو ان الناس لا يقدرون مشاعر الشاعر ويجهلون ما عليه عواطفه واحساساته، لذا يحكمون عليه وعلى ابداعه بواقع احساساتهم هم ومشاعرهم هم وينسون أو لا يدركون أصلاً هذه المشاعر والاحساسات والعواطف التي تضطرم في داخل كيان الشاعر حين النظم.
والشاعر وهو مستغرق في تصوير تجربته يكون في حال غير ما يعهده الناس، بل ولا ما يعهده هو من نفسه لانه يكون في حالة استغراق غير عادية تنقله الى عالم اشبه بالخيال، وإن لم يكنه ولكنه عالم غريب الأطوار لا يفهمه حق الفهم الا الشعراء.
والشعراء المطبوعون بخاصة اولئك الذين يعيشون التجربة بكل احساساتهم ومشاعرهم، وبكل عواطفهم فتنشغل بذلك كل حواسهم وعقولهم فيُشحن كل شيء فيهم بتفاعل لا تُعرف بدايته من نهايته، تفاعل عاصف كالأعاصير هائج مائج مبهم كالبحر ينسى فيه الشاعر نفسه والعالم من حوله.
فهل يمكن للمتلقي ان يعيش حالاً كهذه حتى وان كان قد عاش تجربة مماثلة.
تلك مسألة فيها نظر، بل احسبها مستحيلة لان لكل ذات تجاربها التي لا يشاركها فيها أحد.
قد تلتقي التجارب نوع التقاء، لكنها لا تتماثل تماثلاً كاملاً في واقعها وفي تأثيرها وفي التفاعل معها.
ولذا تظل متميزة متفردة في بعض الخصائص والمؤثرات شأن ذلك كشأن ملامح الذات كقسمات الوجه وذبذبات الصوت وبصمات الأصابع تماماً.
وانما يتبين ذلك اصحاب التجارب انفسهم يشترك معهم في شيء منها الآخرون، ولكنهم لا يمكن ان يماثلوهم,وسأورد لك هنا ابياتاً تمثل تجارب متشابهة، انظر فيها وتأملها وحاول قياس تفاعلك معها، وسترى انها ليست بذات تأثير متماثل.
يقول الهذلي:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انتهى ما بيننا سكن الدهر
ويقول المجنون، ويروى لغيره:
واني لتعروني لذكراك هزة
كما انتفض العصفور بلله القطر
ويقول جميل:
يموت الهوى مني اذا ما لقيتها
ويحيا اذا فارقتها ويزيد
ويقول ابن الدمينة:
ولو انني استغفر الله كلما
ذكرتك لم تكتب عليّ ذنوب
ويقول أيضاً:
ولي كبد مقروحة من يبيعني
بها كبداً ليست بذات قروح
وأعود الى منطلق الحديث الى تلك القصيدة التي تلا علي محدثي ابياتاً منها فأثارت شيئاً من شجن، بل اشجان، ذلك ان تلك الأبيات من قصيدة كتبتها في رثاء ثاني صديقين لا ثالث لهما، وقد قضيا رحمهما الله وهما الشيخ عبد الله بن عبد الكريم المفلح، وابن العم عبد العزيز بن زيد بن عبد الرحمن اخوان لم تلدهما امي كما يقول المثل، انشد بعدهما قول طرفة:
وافردت افراد البعير المعبد ولا اقول:
وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب ففي الخلف خير ولكن الفروق قائمة على أي حال لكن الصديق الصدوق يندر تكرره، ولا اقول انه ثالث المستحيلات:
الغول والعنقاء والخل الوفي فلست متشائما الى هذا الحد، بل اني اكره التشاؤم وأحب التفاؤل تأسياً بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم ان التشاؤم مرهق للروح مضن للبدن، في حين ان التفاؤل يجدد الأمل ويقويه ويشيع في النفس ارتياحاً وانسياحاً ويبث في الجسم قوة ونشاطاً ويجعل الانسان دائم التحري لأسباب السعادة.
في حين ان التشاؤم يجعل الانسان دائم الترقب لكل ما يقطع اسباب السعادة، ويأتي بكل ما يؤذي الروح والبدن، جعلنا الله جميعاً من السعداء المتفائلين آمين.
والسعادة يا صاحبي لا ترتبط بوضع مادي وانما هي ثمرة اشياء مادية وروحية وعلاقات اجتماعية وأسرية وقبل ذلك كله رضاء بما قسم الخالق سبحانه وتعالى، فكل ما يتصل بالانسان ابتداء بذاته ومروراً بكل ما يحيط به كل ذلك مما له صلة مباشرة بالانسان وما هو عليه من احوال اساسها جميعاً الرضا والقناعة.
ومتى ما استقر في خلد الانسان الرضا بما قسم المولى فانه سوف يعيش عيشة هانئة هادئة يحسده عليها الصديق قبل العدو كما يقولون بل لن يكون له أعداء لأنه بهذا الرضا يكون محباً لله ومن احب الله احبه ووضع محبته في قلوب الملائكة والناس، فلا يرى ممقوتاً ابداً وهل بعد مثل هذا من سعادة ينشدها الانسان في هذه الحياة.
ولن تكون مثل هذه السعادة الا لمن يرجى له ان يكون من الخالدين في دار النعيم المقيم جعلنا الله منهم.
ان ائتناس الصديق بالصديق من نعمة الله على الانسان، ولأهمية الصديق الصدوق قالوا:
ان الحصول على مثل هذا الصديق صعب, وان الحفاظ على مثل هذه الصداقة اصعب من الحصول عليها، وانا ارى ان الجزء الثاني من هذا القول في صدقه نظر، لكوني لم اعان مثل هذه الصعوبة في الحفاظ على صداقة ذينك الراحلين رحمهما الله.
ومثل ذلك قولهم، ان المادة اذا دخلت الصداقة افسدتها وهذا ما نفاه واقع صداقتنا اذ كان كل واحد منا عوناً للآخر من غير ان يفسد ذلك تلك الصداقة التي أطوي على ذكرياتها جوانح لم تزل تعيش ألم الفراق الذي لم يستطع الزمن محوه، وأنّى له ذلك والذكريات تحضنه وتجدده وانا احضن هذه الذكريات ارثاً لتلك الصداقة التي لا تعوض كما يقولون، وهذا صحيح لكونها لا تباع وتشترى، وانما هي توافق روحين وتآلف قلبين وتوافق طبعين، صفات تؤلف بين ذاتين قد لا يكون بينهما ارتباط فتكون أقوى رباط واكرم مؤلف يصير كل واحد من الصديقين وكأنه جزء من صاحبه يألم لألمه ويفرح لفرحه، بل يتفانى في صالحه لكونه هو، وهذا هو سر ندرة الصديق الصدوق الذي يخلط صديقه بنفسه الى حد الايثار وهذا مصدر انكارهم على المتنبي في قوله:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بُد
فقالوا انه اخطأ، فلو قال: ما من مداراته بُد لأصاب، وهذا صحيح لان العدو لا يكون صديقاً والعكس صحيح.
ولعله من المناسب ايراد شيء من تلك القصيدة التي اشار اليها صاحبي وهي في رثاء الشيخ الزميل الصديق عبد الله بن عبد الكريم المفلح - رحمه الله - منها:
صمت البيان فحطم الأقلاما
وثوى الحجاء فودع الأحلاما
ودمت سهام الموت شهماً ماجداً
عف الأذار مهذباً مقداما
يطوي على حسن الحياء رادءه
ويرى الفضيلة مغنماً ومراما
ومنها:
جهلوك حيا واستفاقوا بعدما
رزؤوا فهلا قدموا الاكراما
الله اكبر كان فينا نورنا
فمضى وخلف في الدنا الأظلاما
الله اكبر لم يدع لي فقده
فكرا يصوغ من الثناء نظاما
ان يعتري عقلي الذهول فطالما
منح الفؤاد سعادة وسلاما
قد كنت لي نعم الأنيس فأين (م)
مني خلة قد صنتها اعظاما
أبكي عليك توجعاً وتفجعاً
أواه لو نفع البكاء مضاما!

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
لقاء
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved