عندما أدخل متحفا للفن الحديث، فإن الإحساس الوحيد الذي يصيبني هو الكآبة، وكم وافر من الشجن، وسؤال ملح يظل يطاردني ما هو الشيء الذي يرفضه الفنانون بشدة ويجعلهم يتمردون على النسب والمقاييس والقوانين الفنية، ومساقط الضوء وأبعاد اللوحة؟ تلك القوانين التي جهدت البشرية طويلاً لتخرجها بشكلها الأمثل كما هي عليه في عصر النهضة الحديثة في اوروبا.
اختفت تلك القوانين وتلاشت فلا ترى أمامك سوى كم وافر من الفوضى والخطوط الجامحة اللامسؤولة التي تشبه الهذيان او لغة الاحلام.
هل هو تمرد على فن لم يستطع ان يكبح توحش البشرية او يهذبه؟ فشهد هذا القرن ابشع الحروب وأقوى وسائل الدمار التي عرفها التاريخ والقنابل التي تزيل مدنا من على وجه الارض في ثوان!
هل هذه اللطخ الدامية فوق اللوحة والفرشاة المتوترة بلونها هي صيحات غرقى في بحر كبير لم يكترث بأحلام البسطاء والضعفاء والمهزومين؟.
ولكن الفن دوما هو أطواق النجاة البيضاء الملتمعة وسط ظلمة اللامعنى,, والفن هو لسان من ولدوا بلا كلام أو اولئك الذين سرقت منهم لغتهم فظلوا بلا صوت,!!
هناك لوحة شدتني وسط هذا الازدحام الغاضب من الخطوط والألوان, وهذه اللوحة عبارة عن لون ابيض نقي يملأ اطار اللوحة بداخله مربع أسود صغير، وعند المقارنة بين المربعين، تنفجر بداخلك كومة من الاسئلة، س: هل اللون الابيض تغلب على اللون الاسود وحصره في هذا المربع الصغير؟ أم ان اللون الاسود في طريقه الى النمو والتمدد واكتساح نقاء الابيض؟ ايضا أليس هو نوع من التفرقة العنصرية ان يرتبط اللون الأسود بالشر؟ هل الاسود والابيض هما قمة الحياد أم قمة التضاد؟ هل هما الليل والنهار؟ لكن الليل والنهار متكاملان ويصنعان وحدة متكاملة ولا يتضادان,؟
والآن وبعد هذا الكم من الاسئلة، لابد أن افطن إلى ما يرمي اليه الفن الحديث عموما باختلاف مدارسه وتوجهاته، هو لم يحاصرني بقناعة ثابتة وراسخة ونهائية كما هي عليه في اللوحات الكلاسيكية الوقورة، الفن الحديث يطلقنا باتجاه فضاءات الاسئلة، ونحو الصناديق المغلقة والمغارات المرصودة لكنوز لم يجرؤ البشر سابقا على العبث بها.
ولربما هذا هو السر الذي يبعث هذا الكم الوافر من الكآبة داخلي عندما أدخل متحفا للفن الحديث.
أميمة الخميس