الإحساس شعور داخلي ينتاب الإنسان، ويحرك المشاعر، مشاعر الحزن والفرح ومشاعر الخوف والرهبة، يتولد الشعور لدى الإنسان من خلال العوامل التي يمر بها، فالمناظر التي يشاهدها والأحداث التي يراها تتحول إلى صور ذهنية قد تذهب سريعا وقد تبقى لفترات زمنية طويلة، هذه المشاهد والأحداث تختلف بين شخص وآخر حسب تكوينه النفسي، وبين المرأة والرجل حيث إن لكل واحد منهما تركيبته الفسيولوجية التي خلقه الله عليها، وتختلف كذلك بين الصغير والكبير.
للفنان أيا كان شاعرا أم قاصا أم ممثلاً أم تشكيليا أم فوتوغرافيا إحساس لا يشبه إحساس الآخرين، وهذا ما يميزه عن بقية أقرانه، فهو ينظر نظرة متوغلة، نظرة متفحصة، ينظر بعمق، ويراقب بدقة ليرى الجمال ليخرجه من واقعه إلى الواقع ليلفت الأنظار لتلك المعاني فهي مطروحة في الطريق، كما قال الجاحظ، ولكنه - الفنان - يخرجها بحسب رؤيته وإدراكه وانفعالاته، بحسب حالته النفسية التي عاشها أو تعايش معها في تلك اللحظات لحظات الإبداع، كل هذه الأشياء هي مصدر إلهامه وهي البحر الذي يغرف منه، بتلك الموهبة التي منحها له الخالق ينقل لنا تلك الأحاسيس لا لشيء معين سوى ليعبر عما يجول في داخله، وما يتضارب في تلك النفس الرقيقة من رؤى جمالية تراها عينه الفنية, الجماليات في الفنون ليست وقفا على الجمال الذي هو ضد القبح، بل الجماليات تشاهد في الحروب والبراكين والزلازل وتوجد في المتناقضات والمتباينات، فجمال اللوحة نابع من داخلها من خطوطها وألوانها ومساحاتها وخاماتها، فجمالها يعود للمتلقي، للمشاهد لمن يفهمها وليس ضروريا أن تفهم حسب مقصد الفنان، فلكل مطلق الحق في رؤيته الخاصة لذلك العمل وكيفية تفسيره بما يتوافق مع إدراكه، وبما يجذب نفسه بقوة لا إرادية للمعنى الذي يحس به ويتفاعل معه.
للمرأة نصيب كبير في المجال الفني منذ الأزل، ولم لا وهي أرهف إحساسا، وارق مشاعرا، وأصدق تعبيرا، فهي صاحبة المشاعر الحقيقية البعيدة عن الزيف والتضليل فهي الجمال،فلا غرو أن تبدع وتنتج أعمالا رائعة تحس بحرارة العاطفة عندما تشاهدها، ودفء المشاعر عندما تتأمل في لوحاتها.
نرى ذلك عند المرأة فهي تحب الجمال ولا تتعامل مع غيره، فالفن لديها وسيلة لتعبر عن مشاعرها ووسيلة لنا لنطرح همومنا ونبتعد عن الفوضى التي نعيشها والصخب الذي يحاصرنا، لنسكن في عالمها، في فنها، بين لوحاتها، داخل خطوطها، لنهرب من الظلام الذي يداهمنا في وسط النهار، وتحت أشعة الشمس المحرقة، لذلك الظل النابع من أحساسها ليغمرنا بالسعادة التي نتمناها.
دخلت المرأة الفنانة السعودية عالم الإبداع بشتى أنواعه، وانجذبت نحو العدسة السحرية، بل تشبثت العدسة بتلك الأيادي الناعمة التي تمسكها وتعطف عليها، وما أظن أن عدسة تتمنى أن تفارقها لأنها يد حانية، يد رقيقة تجلب الدفء والإحساس بالأمان، كما نحس بذلك، بحثت الفنانة عن الجمال في كل مكان في الشارع والحديقة، في المنزل والمدرسة، بين أشجار الغابات وبين كثبان الرمال وداخل القلوب وعند رموش العيون لأنها - الفنانة - تعلم بحسها الفني أن الجمال موجود بيننا ولكن من يستخرجه من يبعد تلك العوالق، ويزيل ذلك الصدأ الذي يريد قتل الجمال ودفنه وإبعاده عن الأنظار، لا يخرج ذلك الجمال إلا موهبة متفتحة ويد ماهرة وإحساس مرهف، رغم ما تقوم به المرأة من أعمال فهي أم حانية ومعلمة مربية وطبيبة مخلصة وزوجة يعجز القلم عن وصفها ومع ذلك وجدت وقتاً للتفرغ لفنها، لتظهر مشاعرها وأحاسيسها مع التزامها بإسلامها وعاداتها وتقاليدها فهذه الأشياء هي كنزها وهي مصدر إلهامها ومنبع أفكارها، فقد أظهرت ملامح التعاليم الإسلامية، وقدمت أصالة الثقافة العربية كل ذلك من خلال عدستها.
المتطلع والمتتبع لنتاج المرأة الفنانة يرى بوضوح أنها تميل إلى البساطة في التكوين وتبحث عن المعاني الجميلة التي تخاطب القلب وتدغدغ المشاعر فهي تصور الأمومة بحنانها وعطفها لأنها الأم، تصور الأطفال ودائما احلامها أحلام وردية تناسب تكوينها تصور الزهور لأنها زهرة في جمالها ورقتها ورائحتها وكأنها تقول الزهور جميلة مثلنا.
لم تتوقف الفنانة عند هذه المواضيع فقط لكنها الغالب بل ابدعت وصورت كل ما أحست به فالفن تعبير عن الاحساس، والمرأة تمر بمواقف حزينة وأحداث مريرة فنجدها تقدم هذا الشعور وتنقله لنا بصدق نابع من القلب.
الفنانة الفوتوغرافية السعودية قطعت شوطاً طويلاً وحققت انجازات رائعة وليس هناك دليل أوضح من حصول الفنانة الشريفة نها فؤاد آل غالب على جائزة أعلى درجات تحكيم عمل فوتوغرافي في بينالي الاتحاد الدولي لفن التصوير بدولة الصين ورصدت تلك النتيجة بكتاب الاتحاد, ومن الفنانات المتميزات ايضاً سوزان باعقيل وضحى الهاشمي وغيرهن.
ولم لا تحقق المرأة الفنانة مثل هذه الانجازات وقد هيئت لها السبل ومهدت لها الطرق واقيمت لها المعارض الشخصية وشاركت في المعارض الجماعية وخصصت لها معارض نسائية.
ويبقى ان نقول بان الفن لايفرق بين رجل وامرأة وانما هناك فرق بين من يملك موهبة وآخر حرم منها.
أحمد الدهلاوي