لقد اختلفت وجهات النظر وتعددت المفاهيم واختلفت الآراء قبل أن تحكم على العمل الفني أو الفنان بأنه يتمتع بصفة الإبداع, هل هناك تخطيط عام لأسلوب الإبداع؟
هناك بعض الفنانين الذين يترجمون أحاسيسهم ومفاهيمهم فتنصب على أعمالهم الفنية من خلال الرؤية الجمالية المباشرة, وهناك البعض الآخر الذين يعانون من إنتاج أي عمل فني قبل أن تختمر فكرته لديهم وتتضح صورته وتتوالد فكرته شيئا فشيئا مع بعض من المعاناة في مخيلتهم فتنمو هذه الفكرة وتنتقل لمرحلة التنفيذ التي من الممكن ان يمر بها الفنان بمراحل يضيف إليها أو يحذف منها في عمله الفني,, هل الفنان الذي يتصف بالتميز يحمل هوية المبدع؟ أم لا بد للفنان المبدع أن تصهره التجربة وينضجه التحصيل مروراً بمراحل معينة في مشواره الفني؟
لقد اختلفت آراء الفلاسفة القدماء وحتى المحدثين منهم والمعاصرين لإعطاء صفات معينة لعملية الإبداع وظلت قوى العقل البشري وغرائزه واستعداداته بمثابة علامة استفهام وجاءت معظم التفسيرات متناقضة منها على سبيل المثال لا الحصر:
الفيلسوف أفلاطون عن الإلهام والعبقرية التي وضع أسسها في تفسير الإبداع الفني قائمة على النزعة الرومانتيكية وأن الفن يأتي بالإلهام والوحي من خلال عالم مثالي، فالفنان ملهم يوحى إليه وبهذا المفهوم يعتبر الفن مظهراً من مظاهر العبقرية لذا، فالفنان يمتاز عن عامة الناس ويشذ عنهم في مزاجه وسلوكه وقد استشهد أفلاطون بعدة أمثلة فقد أشار إلى الشاعر الألماني (حيته) الذي كتب (الآم فرتر) بناء على هواجس باطنية تُملى عليه الكلمات وكذلك (شوبان) إن الإبداع الفني عنده كان تلقائياً وسحرياً والشاعر الإنجليزي المعروف (كولردج) أنه كان يكتب شعره أثناء نومه, واتفق مع افلاطون في هذه النظرية الفيلسوف الألماني (نيتشة) إذ قال إن الفنان أسير ليد قوية تسيطر عليه وتوجهه إلى ما تريد وما ترغب.
وقد اعترض مع افلاطون ونيتشة أصحاب النظرية العقلية، فكان رأي دي لاكروا زعيم المدرسة الرومانتيكية أن خيال الفنان ليس قادرا وحده على انتاج أي عمل فني بدون تدخل جهد تكنيكي في تنظيم الخامات وكما قال الفيلسوف (كانط) إن للعمل الفني أسساً وشروطاً يجب اتباعها لإنتاج عمل فني متكامل وأن التجربة الفنية مشتقة من قوانا الإدراكية, وقد عبر عنها بقوله إنها مزيج من الحس ونوع من المعرفة عن طريق التصور إلا أنه لا شيء من هذا وذاك يستطيع أن يعطي معرفة بدون الآخر, وكان الإبداع في رأي (مارتن هايدجر) ألا تحكم على الفنان إلا بالرجوع إلى أعماله الفنية حيث لابد للعمل الفني أن يظهر على صورة عالم يخلقه الفنان وحينما ينبثق العمل الفني على صورة عالم يحاول السيطرة على الأرض من أجل إعادة تنظيم كل ما يحيط بها من علاقات وأن فاعلية العمل الفني تنحصر في الصراع بين هذا العالم والأرض التي تمثل الانطواء والكمون والتستر (الأصل في العمل الفني لمارتن هايدجر - مرجع).
وقد كانت فلسفة (أرسطو) في الإبداع تتلخص في (ايجاد ما لم تستطع الطبيعة إيجاده على النحو الذي يمكن أن توجده الطبيعة عليه لو أنتجته).
وقد كانت هناك نظرية المدرسة الاجتماعية التي رفضت بشدة وجهات نظر الفلاسفة بأن الفن للفن واعتبرت الفن عملاً جماعياً وأن الصنعة الفنية التكنيكية مستنبطة بقوانينها وقواعدها من الحياة الجمالية للجماعة وبذلك يصبح الحكم الجمالي الذي تصدره الجماعة على العمل الفني بمثابة شهادة بنجاحه والقيم الفنية اجتماعية بشهادة المجتمع وأن الفنان ليس كائناً منعزلاً عن المجتمع.
وكان رأي (دور كايم) أن الفنان لا يعبر عن (الأنا) بل عن (نحن) أي عن المجتمع بأسره وقد عرف الإبداع في ثلاثة مقومات كما يلي:
1- المؤثرات الحضارية وهي البيئة والطبيعة والتيارات الجمالية السائدة.
2- أساليب الصنعة والتقاليد الفنية أي التكنيك والتراث الفني والتقاليد الموروثة عبر الأجيال.
3- الوعي الجمالي للمجتمع في عصر الفنان والمعايير الجمالية السائدة في المجتمع.
وقد عارض وجهة نظر المدرسة الاجتماعية أصحاب النظرية التأثيرية ومنهم (رنوار) و(سيزان) و(مانيه).
إذ قالوا: بأنهم يشعرون أنهم يقفون أمام أعمالهم الفنية لأول مرة لأن الفنان لا يعمل أثناء عمله في العمل الفني الصورة أو الشكل النهائي الذي سيكتمل عليه هذا العامل إذ أن الأصل في عملية الإبداع الفني هي الرغبة في تحقيق شيء ما,, ما يلبث أن يتكشف تدريجيا خلال الأداء أو التنفيذ أو التعبير.
وقد قال فان جوخ (رائد المدرسة التعبيرية) إن العملية الإبداعية تقوم على حصيلة ضخمة من الخبرة الطويلة لأن الدراسة المستمدة من أهم أدوات الإبداع ووسائله.
وقد عرف الدكتور محمد عزيز نظمي في كتابه عن الإبداع الفني أن العملية الإبداعية تمر بمراحل تبدأ من التحضير وهذا التحضير يبدأ بالدراسات والرسوم الأولية والملاحظة ورؤية الطبيعة وفحصها وهي فترة انتقالية يليها بروز الفكرة مع اختمارها بالآراء ولابد أن تأتي للفنان لحظة إلهام تدفعه للتساؤل والنقاش بينه وبين نفسه لترجمة هذه الفكرة وهذا الإحساس ثم يأتي دور الخيال حيث يرتبط بماضي الفنان التاريخي ويتقدم الفنان خطوة خطوة تجاه عملية التهذيب أو صقل قدراته وقوة تعبيره المباشر من خلال عمله وهنا تبرز المرحلة التالية في أصول المهارات وحذق القواعد الفنية وتكامل العمل الفني ويتبع ذلك العملية الإبداعية حتى تظهر ملامح العمل الفني ليتشكل كالكائن الحي الذي يفرض وجوده وشخصيته وقد وضع الدكتور محمد عزيز عدة عوامل للإبداع منها عامل الطلاقة أو التلقائية في التعبير، التخيل الإبداعي، المهارة التكنيكية، الخبرة الجمالية، اختزان الموضوعات، التصوير البصري، الحرية، الذكاء التذوق والتقويم الجمالي والعامل النفسي والاجتماعي.
(مرجع - الإبداع الفني للدكتور محمد عزيز نظمي عام 85م).
وقد صدرت عدة كتب تحمل العديد من الآراء والنظريات حول هذا الموضوع الذي لا نستطيع أن نحصرها في بضعة أسطر فمن وجهة نظري من خلال خبرتي الفنية أن الإبداع لا يولد مع الفنان، بل تولد معه الموهبة وأن عمق مستواه الفني لا يأتي إلا بالخبرة التي يكتسبها من خلال مراحل يدعمها بالمعرفة وكلما تنوعت حصيلة معرفته وإطلاعه حول أنماط الفن وأساليبه وتقنياته المختلفة نما تذوقه وحسه البصري ليتوحد مع فهم القيم الشكلية والجمالية للعمل التي تمكنه من الكشف عن الأبعاد الخيالية به وهنا يأتي الإبداع.
وقد رأيت أن هذا الموضوع يستحق المناقشة وتسليط الضوء على مختلف وجهات النظر مع الأخذ بالاعتبار للقضية الأساسية فيه ألا وهي الإبداع الفني وفيما يتصل بفنوننا التشكيلية المعاصرة, والرأي للمجتمع,وبالله التوفيق.
هدى العمر